موقف باصات في القاهرة

ترتفع الأعمدة المعدنية المتآكلة عن تربة موقف السيارات الجافة، لتلاقي ألواح الصاج العريضة الصدئة التي نخرها تتابع الفصول، تتكسر فوقها أمواج الأشعة الشمسية مخلفة رقعة واسعة من الظلال يفترشها البشر وسيارات الأجرة، أخطو فوق الطريق الإسفلتي المكشوف الذي ينضح بالحرارة، أركل بقدمي احدى الحصوات المتناثرة وسطه نحو أحد الجانبين.

أمسح بمنديل ورقي طبقة العرق الشفيفة التي غلفت وجهي وعنقي وسالت نحو عينيَّ، عشرات الأجساد المشدودة الى الأرض تسير فرادى وجماعات، تختلط أصواها بهتافات الباعة ونداءات سائقي السيارات وأصوات شرائط الكاسيت وغناء العمال بأحد المباني الحديثة.

يدق أذني نفير حاد، ألتفت فأجد سيارة ملاكي يستقلها شاب في مثل سني تندفع نحوي في نزق، أقفز في خطوة واحدة نحو التلتوار الجانبي، أحرك رأسي يمنى ويسرى في امتعاض متوتر، بينما تبتعد السيارة لا مبالية مخلفة بعض العادم الذى يزيد الهواء مواتًا، الشمس عمودية على الرؤوس والظل لا يتجاوز الشبرين، اتجه نحو أحد المباني ذات الظل القصير، أستظل بها متأملًا موقف السيارات في صمت، أبحث بعيني عن أحد السرفيسات المتجهة الى شارع الترعة، عشرات السيارات التي تتخللها مئات الأجساد المتدافعة.

الأستاد.. الترعة.. الجامعة..

صوت طفولي حاد النبرة يأتي من أحد السرفيسات المتمهلة، ألمحه يتدلى من بابها الجانبي المتهالك بملابسه الواسعة غير الملائمة لجسده النحيف، أشير إليه بامتداد ساعدي فتتمهل السيارة حتى أستطيع السير بمحاذاتها، أصعد بإحدى ساقي على مهل فينهرني السائق وينطلق بالسيارة حتى قبل أن تلمس قدمي الأخرى قاعها، أخفض رأسي متجنبًا الارتطام بسقفها المعدني المنخفض مع الاهتزاز.

نستقر على الطريق الإسفلتي الممتد وسط فوضى المباني المتراصة في غير اتساق، أمامي يجلس عجوز تعلو عينيه سحابة رمادية، وتبدو خطوات الزمن واضحة فوق ملامحه الناحلة التي تتزاحم فوقها التجاعيد وعنقه نافر العروق، كان يرتدي جلبابًا أبيضَ يبرز عظامه البارزة عند فتحة العنق والصدر، كما يرتدي طاقية شبكية تخفي معظم شيب رأسه، أجلس خلفه في مواجهة التباع النشط الذي تفوح منه رائحة العرق، لم يتجاوز العاشرة بعد في تقديري ويجلس على طرف الكرسي الجانبي رغم خلوه، إلى الخلف مني صبيان يرتديان الزي الرياضي ويطوق أحدهما بين ساعديه وحجره كرة ملونة تستقر فوق فخذين بنيين لوحتهما أشعة الشمس الحارقة.

يرتج جسدي مع عبورنا أحد المطبات غير المنتظمة، فيزعق موتور السيارة وكأنما مل الطريق الذي لا ينتهي، يحمل الأثير المزيد عن هدم المنازل في فلسطين، فيطلق السائق بعض السباب والدعوات على اليهود ومن يساندهم من العرب والأمريكان، ثم يدير مؤشر الراديو فاسمع صوت شوشرة المؤشر الدائر بين المحطات، يصفو صوت صباح صادحًا:

ساعات ساعات.. ساعات ساعات

أحب عمري.. وأعشق الحاجات..

أبتسم منتشيًا، تتراءى لي صورة أمي التي ورثت عنها لون عينيها ولثغتها أثناء الحديث، وأنا أجذبها من طرق قميصها لأسألها عن مؤلف وملحن هذه الأغنية فتربت على خدي بكف دافئ وتجيب عبد الرحمن الأبنودي وجمال سلامة.

أحس جوايا بميت نغم

يملى السكات

ساعات.. ساعات..

تصعد سيدتان ترتديان الخمار الطويل، إحداهما ممتلئة الجسد خمرية البشرة والأخرى مستقيمة الجسد بيضاء البشرة دقيقة التفاصيل، تدخلان في سرعة وكأنما تعرفان ما سيحدث مسبقًا، تنطلق السيارة بنا ولايزال التباع نصفه متدلٍّ بالخارج ويهتف:

الأستاد.. الترعة.. الجامعة..

يندفع الهواء الى داخل السيارة مع الحركة السريعة حاملًا معه روائح بداية فصل الربيع، أسند رأسي الى الشباك الزجاجي نصف المفتوح لأستنشق بعض منه ثم أخرج كفي من السيارة وأفرد أصابعي على اتساعهم في مواجهته.

تنعكس أشعة الشمس فوق الصاج اللامع للعديد من السيارات متنوعة الألوان والماركات المتحركة، على الطريق الثعباني العريض الذي يشق عمق المدينة ذات المباني الشاهقة غير المنتظمة، مباني المنصورة لا تتسم بنمط بنائي بعينه.

وجه نانسي عجرم المنتشي يطل علينا من اللافتة المعلقة بعرض أحد المباني المرتفعة وفى أحد كفيها واحدة من زجاجات الكوكاكولا أنثوية الشكل، لافتات ضخمة  لمحلات الموبايل والمطاعم وشركات الاتصالات، صور كبيرة لنجوم الكرة والفن والدعاة الجدد تغلف جدران بعض المباني السكنية والحكومية وفوق وجوه الجميع نفس البسمة البلاستيكية المحايدة، لافتات انتخابية متربة قد ارتخت أحبالها وتكاد تلامس الارض، أتذكر مشاهدتي لبعضها وقد استخدمت كغطاء للسيارات والتحفهُ بعض المعدمين، الذين تضاعفت أعدادهم هذه الأيام، للنوم على جوانب الطريق.

تتمهل السيارة ويصعد إليها شاب ملتحٍ يرتدي الجلباب الأبيض القصير، وحيث يفتح له التباع الباب الجانبي يعتذر ويصر على الجلوس إلى جوار السائق.

مادام هو مش عايز يطلق بالذوق خلاص مفيش غير الخلع، هو فاكرها سايبه وإن بنات الناس لعبة، قعدت في البيت وقلنا ماشي، يشتمك ويضربك وكمان بيشك فيكي وعايزه تسكتيله.. احمدي ربنا أنك مجلتيش منه عيال..

كانت السيدة الممتلئة تتحدث بلهجة حماسية غاضبة فيعلو صوتها رغمًا عنها، وهي تتوجه بحديثها الى الأخرى الصامتة لا ترد، تكسو جدران السيارة الداخلية متساقطة الطلاء بعض الملصقات لدعاء السفر والحجاب قبل الحساب وإعلانات لأحد محلات الكاوتش وآخر لمحل قطع غيار، صورة فوتوغرافية ملصقة إلى ظهر مقعد السائق يبدو فيها أكثر نظافة وشبابًا، يحمل بيساره طفلًا صغيرًا – ابنه على ما يبدو – ويستند بيمينه إلى السيارة التي تبدو أكثر حداثة ونظافة مما هي عليه الآن.

يا أستاذ حضرتك عايز تقرأ قرآن كنت قعدت ورا وكمان عايز تقراه بصوت عالى!! ياريت سيادتك تتفضل ورا وتقرا براحتك.

يضغط السائق فرامل السيارة بقوة، يميل جسدي مع التوقف العصبي المفاجئ، يترجل الملتحي في عصبية، يصعد عبر الباب الجانبي وقد احمر وجهه وزم شفتيه، يجلس في أخر المقاعد إلى جوار السيدتين، يرتفع صوته بالتلاوة مرة أخرى، يتداخل صوته مع صوت إذاعة الأغاني الدائرة في الأمام، ترتج أجسادنا مرة أخرى مع الانطلاقة العصبية للسائق، يركن العجوز رأسه إلى الزجاج الجانبي، يدور حوار بين الصبيان حول ماتش مانشستر يونايتد وليفربول بالأمس، لا تزال السيدة تتحدث والزوجة لا ترد.

اللي نازل الاستاد..

يهتف

الترعة.. الجامعة..

يردد التباع بنفس الصوت المميز بينما تخترق عيناه منتفخة الجفون وجوهنا، يناوله أحد الصبيان الأجرة بينما يهم بالخروج فتقفز الكرة من بين يديه وترتطم بالقاع عدة مرات مصدرة صوتًا مكتومًا ثم تخرج من السيارة، يسرع الصبيان خلفها عبر الممر الجانبي الضيق فيرتطم رأس أحدهما بالسقف المنخفض عند خروجه ويلتقطها الآخر قبل عبورها الطريق.

تصعد فتاة سوداء الشعر تعقصه خلف رقبتها وترتدي مريلة كحلية مشدودة عند صدرها النامي وتجلس بجوار العجوز، يجلس على المقعد الجانبي في مواجهتها شاب أسمر البشرة بارز عظام الوجنتين يرتدي قميص أبيض واسع مشمر الساعدين، متجاهلًا صوت التباع الذي يطالبه بالجلوس بالخلف لتوفير مكان لراكب آخر، يبدو صوته متقطع الأنفاس به بحه رجولية ناشئة:

أهلًا مروة

أهلًا أحمد.. ازيك؟

صوت همهمات مكتومة بالخلف، مزيج من الأصوات المتداخلة الخارجة من جميع المقاعد تتفكك أحرفها ويعاد تجميعها من جديد في هارمونية نشطة مثيرة.

يتوقف الملتحي عن التلاوة يأتي صوته هادرًا من الخلف:

لو سمحت يا أسطى اقفل الراديو او شغل حاجة نافعة.. مش عارف أقرا..

كان السائق منخرطا في الحديث مع جاره الراكب في الأمام عن زيادة أسعار الوقود والزيت وقطع غيار السيارة لتبرير زيادة الاجرة، ينتظر الملتحي أي رد فعل من الركاب الآخرين دون جدوى، فيصل ما انقطع من التلاوة بصوت يشوبه بعض التوتر.

الأجرة يا حضرات..

يصر الشاب على دفع الأجرة للفتاة التي تتمنع في خجل مصطنع

لو سمحت يا مدام الجنيه دا مينفعشي شوفي واحد غيره

واحد زيك يا ابني هو اللي ادهولي وبعدين فلوس البلد كلها كده

يا مدام محدش من الركاب يرضه ياخذ الفلوس زي دي..

تمد السيدة يدها الى التباع من الخلف بجنيه آخر، بينما تسب البلد والحكومة والعيشة واللي عيشنها، أخرج الأجرة من جيب القميص وأمد يدي بها نحوه.

الحاج لسه مدفعش

يهتف التباع بالعجوز

الاجرة يا حاج.

يدفع العجوز في كتفه برفق، يبدو غارقًا فى سبات عميق ورأسه لا زالت مستندة الى الزجاج، يطلب الشاب النزول، يترجل مع الفتاة، ألمح أصابع أيدهما تتلاقى خارج السيارة بينما يسيران متجاوران، تنطلق السيارة.

شارع الترعة.. الجامعة.. الآخر..

يهز التباع كتف العجوز – في قوة هذه المرة – لا يستيقظ، يتمايل جسدي مع حركة السيارة وانا أنتقل إلى الكرسي المجاور له وسط همسات الركاب المتسائلة.

أنا دكتور

يا ستار يا رب لا إله إلا الله..

أتحسس النبض والتنفس.. لا يوجد.

أطلب من السائق إيقاف السيارة ونحمل الجسد النحيف معًا، نرقده فوق التلتوار المجاور، أطلب من التباع رفع قدميه فيرتخي عنهما الجلباب، أضغط صدره في قوة محاولًا تنشيط عضلة القلب المتكاسل بلا جدوى.

نحمله معًا ونعود به إلى داخل السيارة، تتعالى الأصوات المتسائلة، كان البشر بالخارج قد تجمعوا على ما حدث فصرفتهم بسرعة.

البقاء لله.. الراجل مات.. لازم ننقله المستشفى عشان يتعمله تقرير طبي ونرجع الجسد لأهله..

تخرس كلماتي الأفواه النشطة الممتلئة بالكلام الممضوغ، يغلف الصمت القاتم جدران السيارة، يتوقف صوت الراديو ويتحرر صوت التلاوة غارسًا الخشوع ورهبة الموت في قلوب/عقول المتواجدين.

آخر الخط.. اللي نازل..

يترجل الجميع في صمت إلا من صوت واقع خطواتهم المحتكة بقاع السيارة، يصر السائق على توصيل الجثة الى المستشفى حيث أعمل، وفى حجرة الاستقبال لم نجد معه ما يدل على شخصيته أو عنوانه فتم عمل المحضر الروتيني وحفظ جسده بالمشرحة مع إعلان عن جثة مجهولة الهوية فوق أحد جدران المستشفى الباردة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عصاه ترى ما لا يُرى

ألعق أصابعي كذبابة منتصرة