زهرة تحت ظل السيف

زهرة تحت ظل السيف

أسغار - غابريال/ إيران- النمسا

يعذبه كابوس، طوال الرحلة من أرض أجداده إلى الصحراء، يرى نفسه في رحم أمه، ولكنه رجل، يضيق خناق رحم أمه به، وأمه تصيح، وهو يتمزق- لا يريد أن يمزق رحم أمه ألا تموت، ولا يريد أن يتمزق حتى يعيش.
*

كان يريد أن يقول لعروسه في ليلته الأولى: أنا لا أريد، وأنت لا تريدين، الحياة هي التي تريد، والشمس تفعل ما تريد.
ولكنه ابتسم ونام معها بمنتهى الشغف.
*

قال له وحوله آلاف جالسين، مؤمنين بأن كلماته وحي لا يدخله شك: لماذا تركت أرض آباءك وأجدادك المليئة بالخير والنساء وجئت إلى أراضٍ قاحلة كهذه، تحارب، وتعاني الأمرين؟
لم يتذكر خواطره في الليلة الأولى لزواجه، وقال: لأني أؤمن بك.
*

يظنون بي مس، ويتهمونني بالخيانة، ولكني سأرفع السيف عليهم كلما احتجت إلى ذلك، فالوردة التي أدمن عطرها، تنمو في ظلال السيوف، هكذا هي الحياة، رغم أني لم أكن أريدها كذلك.
*

يداه ترتعش في يديها، تطبق عليهما بشدة.
قالت له في الليلة الأولى: أحلم بأن يكون لدينا منزل كبير، أمامه حديقة، والأطفال يلهون من حولنا.
أصبح لهم بيت كبير، أمامه حديقة، والأطفال يلهون من حولهم، ويده لا تزال ترتعش في يديها.
تقول له: ماذا تريد أن يصبح أبناؤك؟
كان يريد أن يقول لها إنه مسلوب الإرادة، بطريقة خفية عن إرادته، ولكن وهمه يساعده على الحياة.
ولكنه قال: أريدهم أن يصبحوا مقاتلين شجعان، أو حفظة قرآن.
صوت الغراب وهو يحلق على مقربة من زهرة في آخر غصن شجرة تضربها ريح خفيفة.
*

تقول له العرافة في أرض أجداده، وهو شاب يحاول ألا يثيره جمالها الهائل: الوردة التي تنمو في ظل الشجر منذورة للموت والخطر.
والوردة التي تزرع في ظل الفرسان والسيوف، منذورة للحياة، مباركة من الشمس، محمية من الجميع.
اقتربت منه، همست في أذنه: ليس بيدنا شيء، حتى الشمس ستنطفيء يومًا ما.
وقف بضعه سنتيمترات داخل الأندر، وتنهد.
*

عندما اقترب بعد جهاد كبير من الفتاة التي تفتحت زهور جسده عليها عندما كان صغيرًا، لم يقف أيره؛ فبكى كما لم يبك من قبل.
*

مات الزعيم، وتقاتل أتباعه، وتجنب القتال، كلما تمشى في الصحراء تاه، وكلما تاه تساءل، إيمانه يعذبه، وشكه يعذبه.
*

وهو يحاول أن يضرب عدوه بسيفه، تذكر صرخات المغتصبات، ودماء الأطفال حديثي الولادة، فضعفت يداه.
ولما حاول عدوه ضربه، تذكر دمه الذي سينفجر منه إن لم يقتله، فقويت قبضته.
وهو مثخن في جراحه تذكر كلمات العرافة، حاول أيره أن ينهض فلم يستطع.
*

كوابيسه انتقلت لمرحلة أخرى، يرى نفسه وهو يتمزق في رحم أمه، ينفلت إلى الخارج، يتلقفه الزعيم، ويضعه في كيس ضيق، يضيق الخناق عليه بإحكام رباطه، ويضحك بهستيرية.
*

فتح عينه، زوجته وأولاده المحاربين وحفظة الكتاب المقدس حوله، تخبره زوجته أن فريقه انتصر، يبتسم ويغلق عينه، ليرى حلمًا يطول، أنه نسر، يحلق في السماء، مستمتعًا بدفء جسده المستمد من قلب الشمس، وينظر بعينيه منقبًا عن شيء يرتعش.
*

قبل بداية المعركة، يقف القائد، ويخبرهم أنهم خير أمة أخرجت للأرض، ينتزع سيفه من الغماد، ويرفعه عاليًا، ولما عكس نصل السيف نور الشمس، وخلق ظلًا صغيرًا على الأرض، صاح بإيمان: الله أكبر.
*

جئت إليك يا مليك القلوب والأجساد، وفي دمي خيانة لمن يتحدثون لغة كانت لغتي، ودينا كان ديني، وشاركوني لوني ولعبي عندما كنت طفلًا، جئت إليك ودمي الخائن يخرج من قلب ينبض لما هو آت.
*

لعنه قومه وعشيرته، وأقسموا على قتله شر قتلة، ولما انتصر الزعيم في الحرب، وقتل قياداتهم، واستعبد نساءهم وأطفالهم، وترك المزارعين والبناءين، تفاخر أهله به، وبنوا له مقاما، واتخذوا من قصته إلهامًا لأبنائهم ولأحفادهم.
*

يحلم أنه يقرأ الكتاب المقدس، وحروفه مكتوبة في شكل نصل السيف، وحبره لون الدم، وهو يقرؤه صارخًا.
*

يذهب إلى بيتهم القديم المهدم، ينزل درجات تحت البيت، بدروم مليء بالغبرة والدخان، أمه تلبس الأخضر وفي يدها مسبحة، انتبه للسيف في يمينه، بداخله غضب، وأمه تسبح باسم الله بصوت عال.
لماذا فعلت بي ما صنعت؟
كل الأمهات يفعلن ذلك يا ولدي.
رفع السيف عاليًا، طار البيت من فوقه، اخترقه شعاع الشمس، وجد نفسه يرمي السيف، ويرتمي في حضن أمه باكيًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كل ما يحدث في غيابك

محاولة في الحياة