16-يونيو-2023
رواية قنطرة

رواية قنطرة

"من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج". هذه مقولة لحجة الإسلام أبو حامد الغزالي من كتابه "إحياء علوم الدين".

بعد قراءة خمس وثلاثين صفحة من رواية "قنطرة" (صدرت عن كل من أثر وتنوين، 2022) للروائي أحمد السماري ستختلف في هذه المقولة أقوال الأدباء عن أقوال الفقهاء، فقهاء الدّين طبعًا، وهل فقيه الأدب لا يدين بدين؟ أم أنّ فقيه الدين لا يمكن أن يصير ذات يوم أديبًا، أو لنقل سيكتب في فنّ الأدب عمومًا؟

إنّ مجرد إقحام حجة الإسلام في رواية مغامرة، بل جرأة على أحد أغصان شجرة الثالوث المحرّم، وكأن الروائي أحمد السماري أراد من خلال روايته قنطرة أن يسعّر لهيبًا في أفكار قراء الجزيرة العربية خاصة، والمتلقين الخطاب عامة، ثمّ يحثّهم على إطفائه بالتحليل والاحتكام إلى الجدل الحسن، فالملاحظ للغلاف يرى أن آلة العود وراء قضبان السجن، فالصورة ناطقة بمعنى جم، يحيل إلى تأويلات عدّة، أدناها أنّ الطرب مجرم ومكانه السّجن.

تتخذ رواية "قنطرة" من الكويت مسرحًا لبعض الأحداث، لكنها توسّع الدائرة مع تقدم الأحداث لتشمل مساحات أوسع من الجزيرة العربية، لنكون أمام مجتمع عربي يخزن ثقافة تأبى النسيان

يتّخذ الكاتب الكويت مسرحًا لبعض الأحداث، إذ يسافر البطل وحيد إلى هناك فيصادق يوسف ويحصل الوفاق في الميول والإبداع، الدندنة، التلحين، الغناء.. فتاريخ الفن في الكويت أصيل، موروثها الشعبي وتراثها جميل وهي مليئة بالشعراء والمبدعين، هنا في الكويت يقدّم لنا أيضًا الفنانة السعودية سارة عنبر ابنة الرياض، الرياض التّي سافر منها وحيد، تُرى هل سيكون هذا اللقاء إعلان عن نهاية الوحدة والتهميش أم أنّه امتداد لغاية في نفس كليهما مآلها النجاح أو الزوال؟

بدتْ عناصر السرد متناسقة، فالانتقال من مشهد إلى آخر يتم في لحظات متسارعة كأننا بصدد قصّة مكثّفة، إذِ التركيز على مجاراة الفن عنصرًا من التراث الشعبي موظف كهوية من ثقافة المجتمع الخليجي؛ توظيف عارف لبيب، يمكننا أن نقول قبل الأوان أن قنطرة مولودة شرعية في الربيع، صالحة المزاج قابلة العلاج.

ولأن خير الأسماء ما عُبّد وحُمّد، يأتي زنقاح بطل آخر في قنطرة، دفع بوحيد إلى النزاع مع فنّه عندما باع شريطًا بريال للشباب ونصف ريال للفتيان، ومجانًا لمن يرغب في الخدمة الخاصة، ذلك ما جعل الشرطة الدينية تتحرك سريعاً حيث يأتي على لسان الشرطي "كلكم مطربون فاسقون، والغناء حرام".

إن التناوب على السرد في حد ذاته يضفي على النصوص نغمة موسيقية تستحليها الذوات القارئة، سليمة الذائقة، والفعل تقنية كاسرة للملل واقية من الشلل، إنّها بولوفونية ترشيق الذاكرة، إذ يبرع السماري في لجوئه إلى ذلك عندما يضع سارة راويًا في قلب قنطرة، تستحضر ماضي الرياض قائلة" لعبت مع بنات الحي كل أنواع الألعاب الشعبية: الخطة، ولعبة الغميضة، وباص الباص البصيصا.. وغيرها.

إننا أمام صورة لمجتمع عربي يخزن ثقافة يأبى نسيانها لكنّه بحاجة  للتغيير، بحاجة للاعتدال ومواكبة إيقاع العصر.

ولما سبقت سارة وحيدًا إلى الرياض، كان خبر حفلتهما في الكويت قد سبقهما إلى الصحف السعودية، هنا يصير مطلقها في هيجان وسنرى ذروة الصراع وشهوة الانتقام في جمال الاشتغال..

ونحن بصدد القراءة سنتعرف إلى شخوص لم يخلقوا عبثًا في النّص، أم سليم، خلف، أبجاد.. هؤلاء الأبطال من حقّ القارئ أن يراهم ويسمعهم وحده بعيدًا عن المقال.

وبعد رحلة وحيد وعبوره القنطرة، من فنّ اللحون والأنغام إلى فن الفسائل والأشعار، يمكن أن نلمس مضمون السردية المحبكة بنظام لغوي وفكر أدبي راشدين، ولعل ذلك يتجلّى في قول الراوي: "كنت أشعر أنّ هذه الرحلة أحدثت في حياتي ما كان يحدث لتلك الفسائل".

وفي استحضار آخر: "لقد كانت الحارة وأهلها خير معين لوالدتي، وقنطرة لمساعدتنا حتى نتجاوز تلك المرحلة الصعبة من حياة عائلتي".

لقد تمكّن الكاتب من الانغماس في حياة المهمشين في بلد الثمرات والنعيم، انطلاقًا من حارة الطرادية، ثم العودة إليها ممتطيًا ظهر العبارة موسّعًا بها فضاء الحكاية، متزودًا من التجربة والزمن الماضي بأدوات تأثيث مشحوذة أنارت الرواية.