دكتاتور إسرائيل المفضل.. موسيفيني ولعنة جيش الرب

دكتاتور إسرائيل المفضل.. موسيفيني ولعنة جيش الرب

يسعى موسيفيني لتوريث السلطة لابنه (واشنطن بوست)

خلال الجولة الانتخابية الآخيرة في العام 2016 كانت ثمة سيارة حمراء تزحف في شوارع العاصمة الأوغندية كمبالا، وعلى كافة جنباتها تتربع صورة الرئيس يوري موسيفيني، مكتوب تحتها بشكل دعائي "صوت لموسيفيني، الرئيس الآن، الرئيس إلى الأبد"، وهو ما حدث بالفعل، إذ اكتسح الدكتاتور الأقدم حاليًا في أفريقيا الانتخابات الرئاسية، وعاد إلى بيت السلطة في عنتيبي، ملوثًا باتهامات التزوير، وها هو يتحفز إلى عُهدة انتخابية جديدة مطلع العام المقبل، تعتورها مصاعب جمة.

يعمل موسيفيني بجهد خارق لتعزيز سيطرته على البلاد، وتوريث ابنه موهزي (44 عامًا) مقاليد السلطة. يبدو ذلك واضحًا بعد ترقية موهزي ليصبح رئيسًا لهيئة أركان الجيش

يعمل موسيفيني بجهد خارق لتعزيز سيطرته على البلاد، وتوريث ابنه موهزي (44 عامًا) مقاليد السلطة. يبدو ذلك واضحًا بعد ترقية موهزي ليصبح رئيسًا لهيئة أركان الجيش، ما يعني أنه يريد أن تحظى سلالته أيضًا بالسيادة، ويتحكم في أوغندا، حتى وهو داخل القبر.

اقرأ/ي أيضًا: نتنياهو يفتح إفريقيا.. سر الزائر والزيارة

عنتيبي وتسويق خطاب المظلومية

بدا يوري قبل أيام سعيدًا وهو يستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة، مرتديًا قبعة رمادية على طريقة أفلام الويسترن بينما تولت عقيلته جانيت مهمة تجهيز الحفل، وإضاءة الشموع في ذكرى مقتل شقيق نتنياهو، يوناثان، على مقربة، وكانت عملية عنتيبي وقعت في تموز/يوليو 1976 بالمطار الأوغندي عنتيبي الذي حملت اسمه، حيث أرسلت إسرائيل وقتها قوات كوماندوز إلى المطار لتحرير رهائن طائرة اختطفها فلسطينيون ورفقاء لهم كانت متجهة من تل أبيب إلى باريس، انتهت العملية بمقتل المختطفين و3 رهائن إلى جانب جنود أوغنديين والضابط يوناثان شقيق نتنياهو.

تلك الحادثة جعلت نتنياهو يحرص بشكل راتب على زيارة أوغندا، من خلال خطاب المظلومية، واستخدام تلك الأرض الأفريقية لتسويق صفقة القرن، والبحث عن حلفاء جدد، إلى جانب الاستثمار أيضًا في مخاوف موسيفيني من المساءلة عن الجرائم والانتهاكات الإنسانية التي ارتكبها أثناء فترة حكمه، إلى جانب محاولة السيطرة على هضبة البحيرات ومنابع حوض النيل، ومن ثم الدخول إلى جنوب السودان، إذ تعتبر أوغندا البوابة التي تسللت منها إسر ائيل إلى جنوب السودان، وإلى الدولة الأم أيضًا. كما احتضن موسيفيني في ذات الزيارة قمة خاصة بين رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان والإسرائيلي نتنياهو، نجح الأخير في استثمارها سياسيًا، سيما وأن السودان ظل يمثل حائط الصد المنيع للمطامع الإسرائيلية في المنطقة.

 وقد جاءت خطوة التطبيع بين تل أبيب والخرطوم بدعم وتشجيع موسيفيني، ومستشارته السودانية السفيرة نجوى قدح الدم، إلى جانب الأمال المبذولة بافتتاح سفارة أوغندية في القدس، ما جعل موسيفيني يبدو أقرب إلى لقب ديكتاتور إسرائيل المُفضل.

مقاربات الفصل العنصري

وهي الخطوة التي تجد معارضة أفريقية، بدأت واضحة خلال القمة الأخيرة بأديس أبابا، التي أعلنت دعمها للقضية الفلسطينية ورفضها لصفقة القرن، مستذكرة مجازر الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ومقارنة ذلك بما تقوم به إسرائيل حاليًا من الاستيطان وتمدد جدران العزل أيضًا، فضلًا عن مواقف موسيفيني المناوئة للإجماع الأفريقي، حيث أعلن في مقابلة صحفية "حبه" لدونالد ترامب على الرغم من التصريحات التي وصف فيها ترامب المهاجر الأفريقي بـ"بالثقوب السوداء".

 كما أن موسيفيني قام بدور كبير في التعبئة لفصل جنوب السودان، للاستئثار بحقول النفط الجنوبية، وظلت قواته تقاتل داخل مدن الجنوب، وهو من أبرز المتهمين باغتيال الزعيم الجنوبي الوحدوي جون قرن، خصوصًا وأن الطائرة التي أقلت قرن من كمبالا قبل تحطمها كانت طائرة أوغندية أهداها له موسيفيني، بشكل جعل الشكوك تحوم حول دور موسيفيني في تصفية رفيق دراسته جون قرن، صاحب الآراء الوحدوية، وذلك بهدف الانفراد بالقادة الانفصاليين.

مذ توليه السلطة في انقلاب 1986 على الجنرال عيدي آمين ظل موسيفيني حليفًا قويًا للغرب، يقدم لهم كل ما يطلبونه، ولا يظهر أي مقاومة للاستعمار الجديد، وقد نحى لأن يصبح حكمه استبدايًا بشكل متسارع.

شيوعي مع وقف التنفيذ

شب عن الطوق في مزارع الماشية بمقاطعة مبارارا وذهب إلى المدارس التبشيرية، وافتتن بالقادة الشيوعيين أثناء دراسته للعلوم السياسية والاقتصاد في جامعة دار السلام بتنزانيا، واختار موضوع قابلية تطبيق أفكار فرانز فانون عن التأصيل للعنف الثوري في أفريقيا ما بعد الاحتلال، بحثًا لتخرجه، كما أصبح رئيسًا لمجموعة طلابية يسارية متحالفة مع حركات التحرير الإفريقية.

عندما تولى عيدي أمين السلطة في أوغندا عام 1971، عاد موسيفيني إلى تنزانيا في المنفى. هناك أسس جبهة الخلاص الوطني، التي ساعدت في الإطاحة بأمين، وبعد تولي الحكم سيطرت عليه الأفكار الرأسمالية في الجانب الاقتصادي، وبدا أقرب إلى حلفائه في أمريكا وأوروبا.

شغل موسيفيني مناصب في الحكومات الانتقالية عام 1980 وترشح لمنصب رئيس أوغندا في انتخابات يعتقد على نطاق واسع بأنها كانت مزورة، وتم انتخابه في العام 1996 وفاز مؤيدوه بالسيطرة على الجمعية الوطنية، كما أعيد انتخابه مجددًا في العام 2001 ومرة أخرى في 2006 بعد تعديل دستوري ألغى حدود الولاية المقررة للرئاسة. تم إعادة انتخابه مرة أخرى في عامي 2011 و2016، فيما لاحظ المراقبون الدوليون مشاكل في عملية الاقتراع في كل الانتخابات التي جرت بأوغندا.

محاربة الإيدز وترك الفساد

على الرغم من أن موسيفيني رفض في البداية الديمقراطية التعددية، تحت ذريعة شيوع الروح القبلية لكنه قبل نتائج استفتاء العام 2005 الذي دعم بأغلبية ساحقة العودة إلى السياسة متعددة الأحزاب، كما نفذ تدابير لمكافحة الإيدز. كانت أوغندا، في الواقع، واحدة من أوائل البلدان الأفريقية التي نجحت في محاربة المرض، لكنه لم يتمكن من السيطرة على الفساد والبطالة. قوافل الشباب تتمدد بلا عمل، وينظرون إلى النخبة السياسية والعسكرية التي تحظى بدعم موسيفيني، على أنها تشارك في تبديد موارد البلاد.

شبح الماضي

ولعل ارتفاع أصوات المعارضة وقوة تأثير وسائل الإعلام الجديد أيقظ الديكتاتور القابع في جوف موسيفيني، فبدأ في سن قوانيين القمع السياسي والتضييق على الحريات، دون حتى أن يتسامح مع رموز المعارضة المنافسين له في الانتخابات وآخرهم مغني البوب الشهير "بوبى واين" (37  عامًا) الذي يتحفز لخوض الانتخابات المقررة في العام 2021، ويحظى بدعم الشباب في كافة أنحاء أوغندا، خصوصًا وأنه يتبنى أفكارًا طموحة وضعته أخيرًا على مقعد برلماني، وهو على الأرجح، سيكون المنافس الأقوى لموسيفيني، أو بالأحرى حيوية الشباب في مطاردة شبح الماضي الجاثم على صدور الأوغنديين منذ أكثر من ثلاثة عقود.

اقرأ/ي أيضًا: ثورة الفهود الشابة.. هل سيتنحى الرجال العجائز من حُكم أفريقيا؟

معارك جيش الرب

لطالما تعرض موسيفيني لانتقادت بسبب فشله في القضاء على جيش الرب، وهي مجموعة مسلحة يقودها جوزيف كوني، وتسعى للإطاحة بموسيفيني، وإنشاء حكومة جديدة تقوم على الوصايا العشرة. وتعود حركة الجيش المقدس، كما كانت توصف في الأول، إلى قبيلة الأشولي، وتحديدًا إلى أليس لاكوينا، الوسيطة الروحية، التي تولى ابن أخيها جوزيف كوني قيادة التنظيم، وقام بتجنيد الرجال والنساء ضد حكم موسيفيني من أجل إقامة دولة مسيحية.

لعل ارتفاع أصوات المعارضة وقوة تأثير وسائل الإعلام الجديد أيقظ الديكتاتور القابع في جوف موسيفيني، فبدأ في سن قوانيين القمع السياسي والتضييق على الحريات

وقد أصر كوني، وهو يعظ برسالة مماثلة لرسالة لاكوينا، على أنه تلقى رسائل من الله، وأعلن أن جيش الرب للمقاومة يقاتل باسم الله لإسقاط حكومة أوغندا وإنشاء حكومة من الوصايا العشر كدستور لها، كما يتميز عناصر جيش الرب بشعورهم الطويلة المجدولة، وسكاكينهم المعروفة باسم "بانغا"، وقد سعى الجيش الأوغندي إلى سحقهم، لكنه فشل في ذلك أكثر من مرة، بسبب تمركزهم في مناطق مناوئة للسُلطة المركزية، وتمرسهم على حرب العصابات، علاوة على ذلك استفاد موسيفيني من دعاية حروب "جيش الرب" في ترسيخ حكمه، وضرب خصومه بحجة الحفاظ على الاستقرار، ومن ثم تعديل الدستور أكثر من مرة ليلائم طموحه في الحصول على ولاية رئاسية جديدة، مما جر عليه حملة من السخرية، بالنظر إلى أنه في وقت مبكر من حياته السياسية كان قد اشتكى من مكوث القادة في السلطة لسنوات طويلة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في مواجهة كابوس التقسيم.. كيف أسقطت هوية أبطال سودانيين بسبب الانفصال؟

 الدلالات السياسية لعودة المغرب للاتحاد الأفريقي