خالد علي من أجل إرباك النظام لا إسقاطه

خالد علي من أجل إرباك النظام لا إسقاطه

ترشُح خالد علي في مصر هو ترشح مقاومة ضد النظام (محمد الراعي/ الأناضول)

تُذكّر الأجواء الحالية للانتخابات الهزلية المنتظرة في مصر، بشبيهتها بتونس زمن الاستبداد، نفس سلوك السلطة بتنظيم انتخابات تفتقد لأدنى مقومات النزاهة والشفافية، وكذلك نفس الجدل داخل المعارضة: أي فاعلية لتقديم مرشح في مواجهة رئيس حاكم انقلب على الصندوق لن يتخلى عن عرشه الذي صعد إليه بالدم؟ لا يعني الترشح ضمن منظومة الحكم الحالية الاعتراف بها؟ وألا يعطي الترشح والمشاركة في المسرحية الانتخابية مزيدًا من الشرعية للمستبد الحاكم بسلاحه؟

تُذكّر الأجواء الحالية للانتخابات الهزلية المنتظرة في مصر، بشبيهتها بتونس زمن الاستبداد

يوجد موقفان أساسيان: يقول الأول بعدم قابلية المشاركة في مهزلة النظام وبضرورة المقاطعة، وهو التوجه الذي تبنته في تونس زمن ابن علي حركة النهضة الإسلامية واليسار الرايدكالي والرئيس السابق المنصف المرزوقي الذي كان يردد دائمًا عبارته الشهيرة: "النظام لا يَصلح ولا يُصلح"، وهو الرأي الذي نجده اليوم ماثلًا مبدئيًا لدى الإخوان المسلمين إضافة لبعض الشخصيات المعارضة.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لا أدعم ترشح خالد علي وأجده مثيرًا للسخرية؟

في المقابل، يأتي الرأي بإمكانية المشاركة في الانتخابات والتي رغم التأكيد على عدم توفر مقوماتها فهي تمثل فرصة لفرض مساحة من حرية التعبير والتنظيم، وفضح النظام أمام جمهور الناخبين. على هذا النحو، حاول مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي بعد الثورة في تونس، المشاركة في انتخابات 2009، وهي آخر انتخابات رئاسية في عهد ابن علي، ولكن النظام منعه عبر قانون على المقاس، يقصي المعارضين الذين سيفسدون "العرس الانتخابي" كما كان يتبجح النظام الذي لا يريد إلا مرشحين كومبارس من أجل تنافسية مزعومة.

وثبت بعد الثورة أن ابن علي كان يدفع الأموال رشوة للأحزاب المعارضة المعترف بها للمشاركة في مسرحيته، وهي في الحقيقة ليست بأحزاب، بل دكاكين أنشأتها السلطة بالاستعانة ببعض المخبرين برتبة سياسيين، وذلك من أجل الايهام بوجود ديمقراطية تُسمع ولا توجد.

واليوم لا يريد السيسي كذلك إلا بعض الكومبارس من هؤلاء، ولعله لم يجد مؤخرًا إلا الاستعانة بمرتضى منصور للعب هذا الدور.

يترشح في الأثناء خالد علي الذي شارك سابقا في انتخابات 2012، وهي الانتخابات النزيهة الوحيدة في تاريخ مصر، ثم برز بوضوح في معركة مصرية تيران وصنافير، وأعاد ترشح علي الجدل بين الموقف المتحفظ على المشاركة والآخر المتحمس بهدف إحراج النظام وتعريته.

ويبدو أن ترشح خالد علي -غير المشكوك في جدية معارضته لنظام القهر والاستبداد- هي خطوة مثيرة وحماسية، يجب دعمها بكل القوى الممكنة من أجل فرض مساحة الحد الأدنى على النظام في مناخ تكاد تنعدم فيه حرية التعبير والتنظيم. إذ لا يبدو مستقيما الحديث عن منح شرعية للنظام بالمشاركة في الانتخابات من زاوية أن النظام نفسه لا يحتاج لانتخابات لفرض "شرعيته" الموهومة والمفروضة بالحديد والنار، فإطار الترشح ليس المنافسة بل المناكفة، وهذا جوهر القضية. ولا يمكن التعويل على خيار المقاطعة الشعبية الجذرية أمام سلطة تحترف التزوير ستكابر دون كشف النتيجة المطلوبة وهي نسبة ارتفاع قياسية من المقاطعة بما تعنيه من فضح للنظام في معركة مقاومته.

وفي الحديث عن المناكفة الهادفة لإرباك النظام لا منافسته وإسقاطه، يجب تجزئة المعركة، فهي ليست معركة انتخابية كما في أي سياق ديمقراطي، بل معركة إثبات وجود في ظل نظام استبدادي يُخوّن معارضيه، ويمارس أشنع الانتهاكات بحقهم.

إن ترشح خالد علي، هو ترشح مقاومة ضد النظام، وليس ترشح معارضة، بما تحمله المقاومة من درجة أكثر جذرية ومبدئية من المعارضة

إنه ترشيح مقاومة ضد النظام، وليس ترشيح معارضة، بما تحمله المقاومة من درجة أكثر جذرية ومبدئية عن المعارضة التي تمثل إحدى أوجه المقاومة. ولذلك وفي سياق تجزئة المعركة، يجب التحشيد لكل جولة من جولات المعركة، وأولها الآن جولة التوكيلات والذي تلقى يومًا بعد يوم مضايقات من السلطة، بالتوازي مع ارتفاع رقعة الداعمين والموكلين لخالد علي، وهو ما يكشف عن بداية تكوين نواة حملة فاعلة في جولة الحملة الانتخابية، والتي ستكون أشرس جولات المعركة مع النظام، لأنها ببساطة هدف الترشح من أصله.

اقرأ/ي أيضًا: "محدش هيترشح هنا".. فوبيا النظام المصري من المرشحين للرئاسة أمام الجنرال

لا ننتظر أن يفوز خالد علي، أو حتى أن يحصل على نسبة 5%، فلن يقف المناصرون ينتظرون نتائج المحافظات واحدة بواحدة كما كنا ننتظر ذلك في صيف 2012، ذلك أن النتيجة محسومة كما يشتهي النظام. فالمطلوب هو استغلال الوسائل المتوفرة في العملية الانتخابية من تنظيم مؤقت ولقاءات شعبية وغيره، بهدف فضح النظام وانتهاكاته وفساده، والعمل على تحسيس وتوعية الجماهير عن قرب لإسقاط نظام ينتهك الحقوق ويبيع الأرض، والتحشيد من أجل المقاومة والتأكيد بأن النظام لا يمكن أن يكتسب شرعية بهذه الانتخابات مع التأكيد على دوافع المشاركة فيها.

هذا جوهر المعركة الحقيقية في الانتخابات القادمة. ولكن في الأثناء، توجد جولة وسطى بين جولة التوكيلات وجولة الحملة الانتخابية، وهي جولة قبول الترشيح، وهي جولة لا تقل أهمية عن البقية، حيث قد يُفضل النظام قطع الطريق مبكرًا وعدم إعياء نفسه بـ"وجع دماغ" والجري للتضييق على "العيال" في فترة الحملة الانتخابية. وهي جولة يجب خوضها في المحاكم بكل شراسة حال رفض الترشيح مع العمل على فضح النظام في المنابر الدولية بمختلف تنوعاتها.

إن الأصل أن تمثل الانتخابات مناسبة للتعبير عن سيادة الشعب وعن شرعية السلطة، ولكن يلجأ النظام الاستبدادي لتنظيم انتخابات هزلية تفتقد لأدنى مقومات النزاهة والشفافية والحيادية، وفي ظل انتهاك الحقوق ومصادرة الحريات، وفي مناخ الترهيب والانغلاق والاقصاء، وفي ظل استشراء المال السياسي الفاسد، فقط بغاية الإيهام بشرعيته وشعبيته الزائفة.

ولذلك من المفترض أن تصبح الانتخابات، عند المعارضة المصرية، مناسبة لتعرية النظام وفضح جرائمه وإنهاكه باستغلال المساحات المتوفرة، ورفع سقف ممارسة الحقوق والحريات لأعلى درجة ممكنة. فليست الانتخابات المنتظرة مناسبة للتعبير عن الإرادة الحقيقية للشعب المصري، ولكنها مناسبة لفضح النظام أمام المقهورين والمغلوبين على أمرهم، وللتأكيد على الثبات والصمود والمقاومة وربما لإنبات جذوة أمل.

من المفترض أن تكون الانتخابات عند المعارضة المصرية، مناسَبةً لتعرية النظام وفضح جرائمه وإنهاكه بالمساحات المتوفرة

ولذلك أرى أنه يجب دعم خالد علي مرشحًا مقاومًا باسم ثورة 25 يناير العظيمة، في المعركة المستمرة ضد نظام القمع والافساد والاستبداد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

شهادات شخصية: شراء توكيلات لدعم السيسي وتعنت إداري ضد خالد علي

حصاد مصر في 2017.. قمعٌ وقتل ومنعٌ وحجب