21-يونيو-2023
(Getty) لبناني يحمل علم بلاده أمام بنك تعرض للتخريب

(Getty) لبناني يحمل علم بلاده أمام بنك تعرض للتخريب

على أحد أعمدة مبنى "المركزية" في وسط بيروت، أو المنطقة التي باتت تُعرف زورًا بعد الحرب الأهلية باسم "سوليدير"، والتي اختصرها اسم الشركة التي استولت على هذا القسم من بيروت وكانت بمثابة رأس حربة مشروع الحريري الأب، كتب أحدهم في يوم من أيام انتفاضة 17 تشرين 2019 شعارًا ارتبط بالذاكرة، بذاكرتي، وكان أحد الشعارات التي احتوت قوّة نابعة من صميم الواقع الانهياري، أعني قوّة العبث، إذ تخطى في قدرته الكثير من الشعارات التي خُطّت في تلك الفترة وكانت تزيّن جدران بيروت أيام المواجهة المباشرة.

نعم، لقد كان لشعار "نعم للولا شي" (اللاشيء) وقعه الخاص، قدرته الخلّاقة والاستثنائية، القدرة على الإجابة على أي إشكالية، والقدرة على حلها، وفوق هذه وتلك القدرة على التنصّل منها. كانت لهذا الشعار كل تلك الإمكانيات المكثّفة والمبنية على العبث وعلى السيلان، بالإضافة لإمكانية مواجهة سلطوية التسلط الذي تمارسه الطبقة الحاكمة في هيمنتها، وسلوكياتها، وأجهزتها، ومنهجيات عملها.

كان للشعار الذي يدعم اللاشيء في بيروت وقعه الخاص، قدرته الخلّاقة والاستثنائية، القدرة على الإجابة على أي إشكالية، والقدرة على حلها، وفوق هذه وتلك القدرة على التنصّل منها

كان هذا الشعار بمثابة مرتع للضحك والقهقهة عند البعض، بمثابة مجال للسخرية وحالات لانهائية من إمكانيات الهزال التي لا تزيد ولا تنقص عندهم. وكان أيضًا مجالًا لقصف كل ما يمكن أن يقف في مواجهة هذا المد الشعبي، جرافة لإزالة عقبات الواقع بكثير من العبث والخفة ومن الاستهزاء. خصوصًا أن الاستخفاف والاستهزاء يتحولان إلى سلاحين حادّين في مواجهة السلطة ونزوعها الترغيبي والترهيبي، وكل ما تقوم به من خلال إصرارها على الجدية المفرطة التي تغلّف قوة لا يستهان بها من العبث بمستقبل الناس وبحيواتهم، حتى في أكثر سلوكياتها سلطوية وفوقية وإجرامًا وإعادة خلق لمعانيها ومصادر قوتها الطبقية.

هو شعار بمثابة رد مباشر على كل ما يمكن أن تكتنزه السلطة من قوة تدميرية تحاول تمريرها بحجة الضرورة، وبحجة الامر الواقع، وبحجج المعنى والنظام، ومعظم ما يمكن أن تحيكه من شبكات أمان محكمة تحمي نفسها فيها، وتلجأ إليها، عند مواجهة أي من هجمات المنتفضين المستمرة. لقد عزّز هذا الشعار، دون أن يدري كاتبه، ودون أن يقصد بالضرورة، ما كان قائم سلفًا لناحية قول لا لمجرد الرفض والاعتراض، قول لا للسخرية ولاستنباط كل مجالاتها المضمرة، قول لا لإعلان الرفض المطلق وللإفراط في الرغبة بالابتسام في وجه تجهّم وعبوس السلطة عندما تجد أن الناس يغمرها الشعور الاستثنائي بالفرح. وفوق هذه وتلك، لقد اختزن هذا الشعار قسمًا من إمكانات رفض ما يقود الناس إلى غياهب القلق الذي تحاول السلطة أن تترك اللبنانيين عالقين فيه وبه.

لم تمر عدة سنوات إلا وعاد هذا الشعار ليقفز إلى ذاكرتي، ليكن حلًا غير متوقع لمواجهة كانت في الحسبان، لاستنبط منه جميع المداخل والمخارج، ولأستدّل القدرة الولّادة على كثير من إمكانات إنتاج الحلول، في واحدة من الاستحقاقات التي كانت تضع ما تبقى من روحية الاعتراض والتغيير على المحك، وأعني انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

كانت الأفكار تنساب وتفرض التفكير في كافة الخيارات المتاحة أمام معركة استحقاق الجلسة الـ 12 لانتخاب رئيس للجمهورية، حين حشرت قوى السلطة بشقيها، سواء قوى 14 آذار ومافياتها وكارتيلات المصارف معها، أو قوى 8 آذار ومافياتها وكارتيلات الميليشيات المرتبطة بها والممانعة التي تنتمي إليها وتقوى بها؛ الجميع بين خيارين أحلاهما مر، سليمان فرنجية والخط السوري من ناحية 8 آذار، أو جهاد أزعور والخط المصرفي والمالي وصندوق النقد الدولي من ناحية قوى 14 آذار.

والمؤسف أن بعض قوى التغيير والاعتراض انزلقت، كما غيرها، إلى هذه القسمة. انزلقت عندما كانت بحاجة إلى جرعة استثنائية من القدرة على الصمود والتحلي بروحية العبث لناحية البحث في إمكانيات تهفيت المعاني من كافة الحلول السلطوية المطروحة فيها. انزلقت قوى الاعتراض والتغيير بالاصطفاف إلى جانب القوى الحاكمة، وفي ملعبها، وفي شبكاتها، خصوصًا لناحية تموضعها بجانب جماعة 14 آذار، ضاربةً عرض الحائط كل الكلام الذي كنا نردّده حول ضرورة الاحتراز من إعادة انتاج خطاب ومعاني ووضعية الانقسام العمودي الذي لطالما أتى على حساب الفئات الشعبية المقيمة على الأراضي اللبنانية، والفئات الأكثر فقرًا وتهميشًا منه، والذي ساد في صفوف السلطة ما قبل الانتفاضة، ولم تكن لحظة المواجهة في تشرين 2019 إلا للإطاحة به.

كانت الأفكار تنساب وتفرض التفكير في كافة الخيارات المتاحة أمام معركة استحقاق الجلسة الـ 12 لانتخاب رئيس للجمهورية، حين حشرت قوى السلطة بشقيها، الجميع بين خيارين أحلاهما مر

أما وقد انزلقت بعض قوى التغيير إلى خطاب السلطة ومطاحنها الهوائية، فقد بقي العبث ماثلًا بكل ملامح الشعار وأبعاده، بات يمثّل قمّة الترفّع والإفراط في الثورية في لحظة كهذه، لحظة حاكتها السلطة ووقع الجميع في حبالها وعلق في شرانقها. كان الشعار، اختيار الـ"ولاشي"، كفيلًا بجعل كل شيء هيّنًا، بجعله سهلًا، فيمر مرور الكرام دون أية خسائر. لكن ما حدث هو خلاف ذلك تمامًا، فقد انزلقت قوى التغيير إلى التموضع في أحجية تمارسها السلطة عندما تُحشَر، أحجية الإجابة على سؤال يضع الجميع أمام مآزق الخلاص حين يفكّر فيه وبه، خصوصًا عندما يُطرح بوصفه محاولة للتذاكي، وفي سبيل الاستدراج إلى الإجابة على سؤال البديل الذي فشلت السلطة وعلى نحو مستمر في إنتاجه. البديل العصي على الإحداث في عقلية وذهنية من يقبعون في السلطة، والذي لطالما رمته على عقول من لا حاجة بهم إلى التفكير فيه وبه قبل أوانه.

هي قاعدة تقوم على فكرة عدم الرضوخ لشروط السلطة، وعدم الانزلاق الى ملعبها، ولأمر واقعها، إذ كان شعار المطالبة بـ "الولاشي" إجابة مسبقة على أي سؤال لا بد للسلطة أن تطرحه، إجابة تهدف إلى الخروج المسبق من أي أحجية ستحاول السلطة منذ اليوم الأول أن تستدرج التغييريين إليها. كان الـ"ولا شي" هو الحل السحري، إمكانية إمكانيات الإطاحة بكل المآزق، كان الإجابة الحتمية على المفاضلة بين اسمين: سليمان فرنجية من ناحية، وجهاد أزعور من ناحية ثانية. كان بمثابة لا مفرطة وصاعقة تواجه الاسمين معًا.