14-يوليو-2023
عمل فني لـ فرانسيسكو ارينا/إيطاليا

عمل فني لـ فرانسيسكو ارينا/إيطاليا

هل صدف أن كنتَ في مكان عامّ، وشعرتَ أنّ آلام جسمك المعجزة تستطلب مكانًا ترتاح به قليلًا؟ كم مرّة استوقفتك أوجاع ظهرك عن استكمال مشوارٍ في وسط البلد كنت تودّ لو تقضيه على أقدامك؟ وهل يغلبك النّعاس أحيانًا، فتخاف أن تغفو أثناء قيادتك السّيّارة على الطّريق بين وجهتين مختلفتين؟ وهل تجهل، مثلي، المواعيد التّي يزورك بها الصّداع فتجده يطرق جدران رأسك دون استئذان؟ ألا يثير كلّ هذا العطلان استياءك، خصوصًا حين تجد أنك غير قادر على مجالسة من تُحِبّ بما يكفي، أو الظّهور بالهيئة التّي تتمنّى أن تكون عليها كما ينبغي؟

في مؤتمر "حياكة العوالم" الذّي عقد في قسم العمارة في جامعة ديلفت التّقنيّة، قدّمت د. هيلين ستراتفورد نموذج رسم بيانيّ مبسّط طلبت منّا أن نتتبّع من خلاله أهمّ أو جميع الخطوات التّي نخطوها ضمن إطار حياتنا اليوميّة حتّى نظهر في مكان عامّ. قبل أن توزّع علينا هذا النّموذج بقليل، أخبرتنا هيلين عن الأجسام، وعن قدرتها، وعن عجزها. الجسم "غير القادر"، هو جسم فقد واحدةً من خصائصه الطّبيعيّة التّي تكيّف تعايشه ضمن الظروف البيئيّة التّي يفترضها مكانه.

كيف يمكن أن نتعامل مع لحظات الألم والعجز التّي تستسلم لها أجسادنا حين نكون غير قادرين على احتياز المساحة الضّروريّة لوضعيّة جسديّة مريحة؟

في طرحها، وموطنه "المكان"، كانت تتساءل: يا ترى، كيف نتعامل مع لحظات الألم والعجز التّي تستسلم لها أجسادنا حين نكون غير قادرين على احتياز المساحة الضّروريّة لوضعيّة جسديّة مريحة؟ مؤخّرًا، أصبح مصطلح "التّصميم الشّامل" كلمةً سحريّةً لها القدرة على إضفاء بعدٍ إنسانيّ لأيّ محاولاتٍ تصميميّة تزعم الانتباه لحاجات المستخدمين الخاصّة. وإن كان الإطار العمليّ الذّي ينطوي عليه المصطلح ميسّرًا لمجموعة الاعتبارات الضّروريّة لاستيعاب الحاجات الفراغيّة التّي يمليها حضور "الجسم غير القادر"، إلّا أنّه تكميليّ فحسب. تنتقد الأستاذة جوس بويز هذا التّوجّه عند المصمّمين، وتتساءل عن الإمكانيّات التّصميميّة الكامنة في فهم تفاصيل الحياة اليوميّة التّي يعيشها الجسم غير القادر.

أيحضر الألم؟ نعم... حاولي مرّةً أخرى

يتكوّن نموذج الرّسم البيانيّ من صناديق تتشابه في الحجم أحيانًا وتتفاوت أحيانًا أخرى. تتسلسل بشكل خطّيّ وكأنّها تفرض علاقةً تراتبيّة بين الصّندوق وما يسبقه، وما يليه. شغلت هذه التّراتبيّة بال أستاذةٍ في الحضور وكان تساؤلها عن مصدر هذا الرّسم البيانيّ يحمل في ثناياه نقدًا للهيكليّة التّي توجبها خطّيّة الرّسم. هذا النّقد منطقيٌّ في ظلّ الفلسفة البعد حداثيّة التّي تتحدّى خطّيّة المسار الزّمنيّ (ماضي- حاضر- مستقبل) وبعده الإنتاجيّ وكأنّ الحاضر هو بالضّرورة منتوج الماضي والمستقبل هو منتوج الحاضر.

في المثال الذّي شاركته معنا د. هيلين عبر الشّاشة، ربّما كان اعتراضها هي شخصيًّا على هذه الخطيّة جليًّا، من خلال الصّناديق التّي أضافتها على يمين وشمال الرّسم البيانيّ الأصليّ. بدا أنّها تتحرّر من خطيّة مسار الزّمن عبر الأسهم الصّاعدة والهابطة التّي شبكت هذه الصّناديق ببعضها البعض. في واحدة من الصناديق المضافة، كتبت د. هيلين، "الألم". كان شكل الصّندوق معينًا مقلوبًا يوحي بأنّه مستعار من خوارزميّة رقميّة. وكأنّه خُصّص ليسأل، "أيحضر الألم؟".. في حال كانت الإجابة، نعم، يسحبنا الرّسم البيانيّ إلى تراتيب يوميّة، وبالتّالي صناديق أخرى لا تشابه تلك التّي كنّا سنصلها لو كانت الإجابة، "لا".

كبقيّة الحضور، أمسكت نموذج الرّسم البيانيّ المطبوع محاولةً ملأه. وبشكل لم أعه تمامًا وجدت نفسي أتبع المسارات الخطية الأصليّة بين الصناديق وأنا أملأها بمخطّطاتي اليوميّة. كان علينا اختيار نقطة بدء ونقطة نهاية ومن بين الاحتمالات الكثيرة التّي كان لي أن أبدأ منها، ما بين سريري "حيث" أصحو "مكان"، أو أوّل لحظةٍ "حين" أصحو "الزّمان"، اخترت الزّمان وانتهيت باللّحظة الأخيرة حين أغفو. هنا نبدأ بساعات الاستماع للقرآن الصّباحيّ، يليها ساعة التّمرين، ثمّ ساعات الكتابة الصّباحيّة، ثمّ ساعة المشاهدة والمتعة والطّعام، ثمّ ساعات العمل وسط اليوم، ثمّ ساعة الغداء، وأخيرًا ساعات القراءة أو الكتابة المسائيّة، وهكذا. في الحقيقة، هذه خطّة يومي المثاليّ في أحسن تقدير.. ولكن، أيسير يومي بهذه الخطيّة والإنتاجيّة حقًا؟ أكاد لا أحصي عدد المرّات التّي حضر فيها الألم لتضطرب له كلّ كيانات حضوري؛ فلا خطيّة ولا إنتاجيّة. في لحظات تألمّه، يضرب جسمي في عرض الحائط كلّ التّراتيب اليوميّة التّي أعتقد أنّه مهيّأ لها ويتّجه حيث الكنبة. حسب نوع الألم، إمّا أتكوّم في زاويتها أو أستلقي على فرشها. "سأحاول مرّةً أخرى"، أقول لنفسي صباح اليوم التّالي.. لكن دون جدوى.

لماذا لا نُعرّف الألم ولم لا نعترف به؟ في زيارة للطّبيب رافقت بها أمّي وجدتُ بعض الأجوبة على أسئلتي. كانت أمّي تشكو من ألم ولضرورة التّأكد من سلامة أحشائها، مُرّر جسم أمي عبر جهاز يتتبّع أثر مادّة ملوّنة تجول في باطنها وتتدفّق عبر عروقها. خلف الشّاشة حيث جلس الطّبيب، جلستُ أنا على يمينه أرقب الشّاشة. علّي أفهم بهذه المشاهدة ما تشكو منه أمّي. بشكل هامشيّ لموضوع البحث الذّي بدأه الأطبّاء، يشير الطّبيب إلى فقرات عمود أمّي الفقريّ المتراصّة قائلًا، "الغضاريف ذائبة وعمودها الفقريّ مهترئ.. يا حرام". حتّى في الأوقات التّي اشتكت فيها أمّي من آلام ظهرها التّي عادةً ما تعزو إليها أسباب تعطّل نومها، لم تعرّف أمّي الألم بقدر عدد السّاعات الذّي صاحبها بها. لم لا نشبع هذا الألم بالشّكوى التّي تكفيه، إذن؟ وما الذّي عساه أن يختلف في مرافقته إذا ما عرّفنا له المواقع والمواضع التّي يخلخل بها رتابة حياتنا اليوميّة؟

أيتمدّد الألم؟ نعم... توقّفي عن المحاولة

محاولاتنا السّاعية لتجاهل الألم توهمنا أنّ زياراته عرضيّة، وأنّها دومًا على وشك التّلاشي. وإن كان ما أنا على وشك قوله يوحي ببعض من التشاؤم، إلّا أنّني ومن خلال رحلتي المتواضعة معه، تعلّمتُ أمرين عن علاقة الألم بالزّمن؛ لا يخفّ هو مع الوقت، ولا نزداد نحن حنكةً في تعاملنا معه بعد حين. بل يبدو لي غالبًا أنّه يجرّ بعضه. حينما شُخّصت باضطراب الصّداع النّصفي قبيل ثلاثة أعوام، أخبرني وقتها الطّبيب عن أهميّة التّحمّي عن بعض الأغذية التّي تزيد من احتماليّة نوباتها: الشوكولا، الجبنة ومشتقاتها، الموالح، الموادّ المحفوظة، السّكريّات.

لماذا لا نُعرّف الألم؟ ولماذا لا نعترف به؟ لماذا تستمر محاولاتنا السّاعية  من أجل تجاهل الألم في إيهامنا أنّ زياراته عرضيّة، وأنّها دومًا على وشك التّلاشي؟

على الرّغم من نقلي لنفس النّصيحة التّي وجّهها لي الطّبيب لحديثي الاضطراب من أصدقائي، إلّا أنّي لا أصدّق أنّ الحمية الغذائيّة تكفي للوقاية من شرّ الصّداع النّصفيّ. في المقالات العديدة التّي تتناول موضوع الصّداع النّصفيّ تشير كثير منها إلى ارتباط الإصابة بالصّداع النّصفيّ بالحالة النّفسيّة عند الأشخاص المصابين؛ بعض الأشخاص أكثر عرضةً للإصابة من آخرين. في المقابل، احتماليّة الإصابة بالصّداع النّصفي عند النّساء تبلغ ثلاثة أضعاف تلك عند الرّجال. من موقعي كامرأة تعايش كبد واقع متطلّب محكوم بهواجس سلطويّة قاسية، فإنّي لا أتردّد بالزّعم بأنّ الوقاية من الصّداع النّصفيّ هي مستحيلة في ظلّ الضّغوط التّي تتعرّض لها النّساء؛ سواء كانت هذه الضّغوط ذات سمة اجتماعيّة أو مؤسّسيّة رسميّة.

وجدت ملاذًا في الوصف الذّي منحته لغتنا العربيّة للصّداع النّصفيّ، "الشّقيقة". حتّى أنّني حسبت في هذا التعبير عن ملازمته للمريض حميميّةً شأنها ربّانيّ، ألا وهو توطيد علاقة الإنسان بنفسه. أقول حينما يسألني أحدهم عن مواعيد زيارة الصّداع، "هو رفيق انفعالاتي. غالبًا ما يزورني إذا حزنت، أو فرحت.. أقسى وأسرع أشكاله هي تلك التّي يأتيني بها عند الغضب.. كبسة زرّ، أقسم باللّه أشعر بها داخل رأسي". قبل مرور العامين على تشخيصي بالشّقيقة الشّديدة، شُخّصت بمتلازمة جديدة؛ القولون العصبيّ. في محاولتها للتّخفيف عنّي، تلقي صديقتي على نوع الألم الجديد وشاح الحميميّة الذّي ألقته قبلها لغتنا العربيّة على الصّداع النّصفيّ، تقول لي، "آية عليك بمصادقة البكتيريا في جوفك لتعرفي ما تحبّ وما تكره..". لم أستغرب نصيحتها، لكنّي كنت أشعر بالتّعب والملل من الألم. في ظلّ كلّ القسوة المتصاعدة والتّي لا يخفّف من أثرها الزّمان أو المكان ومع استمرار مكنتها بإنتاج أجسام موتورة، تغدو الحكمة الدّاعية إلى التّعرف على النّفس عبر الألم ممجوجة أحيانًا.

نعم يتمدّد الألم وحتّى نوقفه علينا أن نتوقّف نحن أيضًا عن ادّعائنا بأنّه يتلاشى إن تجاهلناه. سأحاول مع الرّسم البيانيّ مرّةً أخرى. سأصدق نفسي وأعرّف كلّ احتمالات الألم المتربّصة بي منذ بزوغ الصّباح؛ منبّهي الصّباحيّ، صندوق الوارد من بريدي الإلكترونيّ، نظرة الجارة المتفحّصة، سؤال يدلّل على شعور صاحبه بالاستحقاق، رفض لطلبٍ استثقلت صياغته من الأساس، واجتماع لا بدّ من عقده، وأمور كثيرة لا يسعني ذكرها في هذا المقال. بالتّأكيد، أنا بحاجةٍ لأن أشدّ من أزري فلا أحزن ولا أفرح ولا أغضب إن أردت فعلًا المحافظة على رتابة يومي. يمازحني أبي الطّبيب قائلًا إنّ جميع أمراضي المزمنة تُشير إلى أنّني موتورة وأنّي بحاجة لأن أسترخي قليلًا. من باب السّعي نحو الاسترخاء، سحبت نفسي من مهامّي العمليّة بإجازة دون راتب؛ كان عندي من المال ما يكفيني لأعيش حياةً كريمةً في عمّان لمدّة أربعة أشهر. هذه أنا وما قدرت عليه، لكن، ماذا لو لم نستطع إلى الاسترخاء سبيلًا؟ أنبتلع الألم ونستمرّ بتجاهله وكأنّه لم يكن...؟ وكيف نرمّم السّبل التّي يمكن لها أن تمكنّنا من هذا الاسترخاء؟ أبي نفسه، وهو ابن الخمس وسبعين ربيعًا، لم يملك سوى التّقاعد سبيلًا لهذا الاسترخاء.

الوقوف على ما بين الوصفين: قادر... غير قادر

بفضول لا ينشقّ عن تخصّصي كمعماريّة، تساءلت في هذا المقال عن الأسباب التّي تمنعنا من التّعريف بالألم وبمحفّزاته، وعن السّبل الممكنة لاستيعابه. وبإيمان راسخ بضرورة التّسليم لما تمليه عليه أجسادنا، أدعو لترك السّبيل العازم على إيقافه؛ لنعرّف الألم إذن، ولنعترف به، ولننتبه للطّرق التّي يدفق بها خلال حياتنا اليوميّة. تحت عنوان، "إعادة التفكير في الطّبيعي"، تختتم جوس بويز كتابها عن التّصميم للأجسام غير القادرة؛ تنتقد بخاتمتها مركزيّة نموذج الإنسان الطّبيعي في التّصميم. تركّز التّصاميم المعماريّة والحضريّة على خلق تجربةٍ فراغيّة نوعيّة لا يمتلك "الجسم غير القادر" ترف الاستمتاع بها. لكن ماذا عن التّجربة الفراغيّة التّي تختبرها باقي الأجسام في هذه الأماكن والتّي غالبًا ما تتفاوت في قدرتها؟ يترتّب عن مركزيّة نموذج الإنسان الطّبيعيّ اعتبارات كثيرة عند المعماريّين، منها التّعامل مع أيّ جسم آخر لا يمثّل النّموذج الطّبيعيّ على أنّه حالة استثنائيّة لا تستوجب تحويل انتباهنا إلى تفاصيل الحياة اليوميّة للأفراد على تفاوت مقدرتهم. تنتقد بويز فكرة "الإشغال"، (الإشغال بمعنى ملء الفراغ)، التّي يفكّر بها المعماريون وتجادل بأنّها أحد الأسباب التّي تحول دون دمج العمارة مع تخصّصات أخرى قد توفّر الأدوات الضّروريّة لاستيعاب آلام المستخدمين واحتياجاتهم. ما عسانا نحن فاعلون إذا ما باغتنا الألم فجأةً في مكان عامّ؟ أو إن نحن شعرنا بالتّعب وسط الضّجيج في مجمّع تجاريّ كبير (مول) لا يسهل على المستخدم إيجاد الطّريق فيه؟