حماس.. إعلان براءة من الثورة السورية أم سوء فهم؟

حماس.. إعلان براءة من الثورة السورية أم سوء فهم؟

إسماعيل هنية (Getty)

شكّل إعلان حماس لموقفها من النظام السوري، وبالتالي من الثورة السورية، في الأسبوع الماضي، حدثًا إعلاميًا بامتياز، لا من حيث مكانة الشخص الذي تكفل بالإعلان عن الموقف، وهو هنا رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، ولا من حيث الموقع الإعلامي الذي وقع عليه الاختيار لإخراج المقابلة للنور، موقع سبوتنيك الرّوسي، وإنما من حيث الطبيعة التصالحية للغة المستخدمة للتبرؤ من الموقف السابق للحركة.

حماس حزب سياسي، فإضافة إلى برنامجها السياسي المعلن، تتمتع بهيكلية تنظيمية واضحة المعالم

أثار هذا الإعلان موقفًا مستنكرًا من أغلب أطياف المعارضة السورية كلٌّ لأسبابه، إلا أن هذه الانتقادات جوبهت من أنصار حماس بانتقادات مضادة، وقد تكون ثمة دوافع متعددة تقف وراء هذا الموقف المتشنج من رفض توجيه النقد لحماس، إلا أني أكاد أجزم أن أهمها إما الجهل أو الفهم الخاطئ لماهية الحركات السياسية ذات المرجعية الإسلامية. فحماس كما تقدم نفسها لنا هي حزب سياسي، مثله مثل بقية الأحزاب السياسية التي تعمل في الشأن العام، لذا فإنها إضافة لبرنامجها السياسي المعلن، فإنها تتمتع بهيكلية تنظيمية واضحة المعالم، وهي وعبر ممارستها أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك بأنها ترغب بالسيطرة السياسية على السلطة ما استطاعت إليها سبيلًا. وهي في ذلك محقة، أحقية أي حزب سياسي يفهم أبجدية العمل السياسي ألا وهو الوصول إلى السلطة ووضع برامجه ورؤاه على أرض الواقع. وهي إذ تُمارس كل ذلك لا يمنعها من الوقوع في الخطأ أو إساءة التقدير، ولا حتى من التراجع عن الكثير من القناعات المؤلمة لصالح حقها في الوجود والاستمرارية. وإذا كان الأمر كذلك فإن من حق جميع من يقع تحت سلطة ولايتها التنظيمية أو السياسية أن ينتقد نشاطها السياسي، أو برامج عملها، وحتى أن يعلن معارضتها لها علنًا إذا رأى ذلك، هذا إذا سمحت ممارستها الديمقراطية بهامش ما من حرية التعبير للمعترضين على نشاطها السياسي وحتى الأيديولوجي، آخذة في المبدأ العام: أنه لا أحد معصوم من الخطأ، كما أن لا أحد فوق النقد والمساءلة.

اقرأ/ي أيضًا: الانقسام الفلسطيني: مقدمات كثيرة ونتيجة واحدة

إلا أن اللغة المتشنجة لدى أصحاب التعليقات التي تجد نفسها أقرب ما تكون لحماس، أظهرت نفورًا شديدًا من النقد وخاصة اتجاه الشخصيات القيادية في الحركة، وذلك لأنها ترفض أن تميز بين النقد الموجه لآراء ومواقف تلك الشخصيات من حيث كونها تعمل في إدارة الشأن العام للناس، أي السياسة، وبين الرصيد النضالي والأخلاقي التي يجعلها في نظر البعض فوق النقد.

أظهرت الهوامش، أي التعليقات، قدرة كبيرة على حرف الأنظار عن الفكرة التي حاول البرنامج تركيز الضوء عليها، والمتمثّلة بقراءة حماس الجديدة لمشهد الحراك الشعبي السوري من حيث كونها ثورة شعب يتوق إلى الحرية، إلى حيث كونه مجرد مؤامرة كونية تعرض لها النظام المقاوم. وهكذا انبرى المدافعون عبر تعليقاتهم النارية يدافعون عن أحقية حماس بتغير تحالفاتها حسب مصالحها السياسية، كونها تتعرض الآن لضغوط سياسية كبرى (مصر المعادية للإخوان المسلمين، إسرائيل وحليفتها الكبرى أمريكا التي أدرجت قيادة حماس على قوائم الإرهاب، السلطة الفلسطينية التي تحاول انتزاع غزة من سلطة حماس) تهدف إلى اجتثاثها من الحقل السياسي الفلسطيني.

أعاد موقف حماس الأخير الذي لم يعد يرى بحراك الشعبي السوري سوى فتنة تستحق الإدانة والشجب، كما تستحق وهذا هو المهم التبرؤ من المشاركين فيها، ألا وهم غالبية الشعب السوري الذي أعلن رفضه القاطع للاستبداد الشمولي المتمثل بحكم الدولة الأمنية وجلاوزتها. أعاد طرح السؤال الأخلاقي البسيط: كيف يمكن لمن يدافع عن المستبدين أن يتنطع بفكرة صنع الحرية لشعبه أو التنظير لها؟

من المؤسف أن يكون رأي السيد هنية في الثورة السورية فتنة لا غير، أي مجرد مؤامرة قام بها أشخاص أشرار ليلحقوا الأذى بوطنهم ونظامهم السياسي الفذ وقائدهم

إن الفرق بين الموقف السياسي والموقف الفكري من ثورات الشعوب جد واضح. فشتان ما بين القراءة الإيرانية ذات الموقف السياسي الذرائعي، التي رأت في حراك الشعب المصري نحو الحرية ثورة يجب مباركتها، فيما رأت بحراك الشعب السوري مجرد مؤامرة شيطانية لا هدف لها ولا غاية سوى استهداف محور المقاومة المقدس، والقراءة الأخلاقية التي ترى في كل حراك شعبي نحو الحرية ثورة من العيار الكبير، يجب الاعتراف بها وبحق أصحابها في العيش بكرامة.

من المؤسف أن يكون رأي السيد هنية في الثورة السورية فتنة لا غير، أي مجرد مؤامرة قام بها أشخاص أشرار ليلحقوا الأذى بوطنهم ونظامهم السياسي الفذ وقائدهم. غير أننا لا نستطيع أن نطالب السياسي بأن يكون ثوريًا على غرار منهج المفكر صادق جلال العظم الذي أعلن ذات يوم بأنه سيكون مع هذه الثورة السورية إلى آخر يوم في حياته، وحتى إن فشلت، وحتى لو تحولت إلى حرب أهلية، ما دامت ثورة كرامة وحرية.

اقرأ/ي أيضًا: الشرق الأوسط: مأساة العرب

إلا أنه والحق يقال فإن النقد لم يكن موجهًا لإعادة التموضع الجديد الذي قامت به الحركة، لأن الحركة وعلى ذمة الأمين العام لم تخرج من إطار التحالف السوري الإيراني، رغم علاقة الفتور التي أصابت أطراف ذلك التحالف، وإنما بالتنكر لموقف الحركة من حراك الشعب السوري الذي وصفه الأمين العام السابق خالد مشعل بالثورة السورية، بينما يؤكّد أمينها الحالي هنية بأنه لم يكن سوى فتنة تحولت إلى اقتتال داخلي، ومن ثم إلى صراع دولي. وهذا بلغة السياسة دون شك يتطابق مع رواية النظام السوري للأزمة السياسية التي عاشتها سوريا على مدار السنوات الماضية.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حماس.. "جوكر" الانقلابين

باسل الأعرج.. ماذا عن أسئلتنا؟