صادق جلال العظم.. أنفاس الفيلسوف الأخيرة

صادق جلال العظم.. أنفاس الفيلسوف الأخيرة

صادق جلال العظم

انتشرت، في الآونة الأخيرة، أخبار حول تدهور الحالة الصحية للفيلسوف والمثقف السوري صادق جلال العظم. فقد أكدت الأكاديمية والكاتبة التونسية رجاء بن سلامة، المقرّبة من عائلة العظم، الأخبار على صفحتها في فيسبوك، صباح اليوم، بنشرها رسالة من ابني المثقف السوري، عمرو وإيفان، جاء فيها: "للأسف، علينا أن نعلمكم بأن وضع والدنا، صادق جلال العظم، اليوم، حرج جدًا؛ أصيب بورم خبيث في الدماغ منذ فترة ورغم محاولة استئصال هذا الورم، في مشافي برلين، فقد فشلت العملية. وضعه الصحي، الآن، في تدهور متسارع واقترب موعد وداعه لنا".

اشتُهر صادق جلال العظم في نقده اللاذع لأدونيس، وفي معارضة "استشراق" إدوارد سعيد

تخرّج العظم في قسم الفلسفة بالجامعة الأمريكية ببيروت عام 1957، ليقدم فيما بعد أطروحته لنيل الدكتوراه، عن الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون، إلى جامعة ييل العريقة ، في نيو هيفن بولاية كونيتيكت الأمريكية. ويأتي هذا ضمن اهتمام كبير حظي به برغسون من قِبل الفلاسفة في ستينيات القرن الماضي، حيث نشر وقتها الفيلسوف الفرنسي الشهير، جيل دولوز، كتابه "البرغسونية" (1966).

اقرأ/ي أيضًا: عبد الحميد الجلاصي.. حصاد السجن التونسي

وقد عمل المنظّر السوري في عدة جامعات، منها: الجامعة الأمريكية في بيروت، والجامعة الأردنية، وجامعة دمشق، وجامعات نيويورك وبرنستون وهارفارد الأمريكية.

اشتُهر عنه نقده اللاذع، سياسيًا وفكريًا، لمواطنه السوري، الشاعر أدونيس (علي أحمد سعيد)، وللمنظّر والناقد الأدبي الفلسطيني إدوارد سعيد. وقد عارض أطروحة الأخير حول "الاستشراق" (1978) كاتبًا "الاستشراق والاستشراق معكوسًا" (1981)، لينضم بذلك إلى عدد من المنظرين الماركسين الذين وقفوا ضد الطرح السعيدي حول الاستشراق، بنسب متفاوتة، من قبيل: المنظر الأدبي الهندي إعجاز أحمد، والفيلسوف اللبناني مهدي عامل (حسن عبد الله حمدان)، والاقتصادي المصري الفرنسي سمير أمين.

في معركة أخرى امتدت إلى ساحات المحاكم بُعيد صدور كتابه "نقد الفكر الديني" أواخر الستينيات، حرّك مفتي الجمهورية اللبنانية، حسن خالد، دعوى إلى المدعي العام ضد العظم، متهمًا الكتاب بـ "التحريض على إثارة النعرات الطائفية". وقد بادر آنئذ عدد كبير من المحامين اللبنانيين بالتطوع للدفاع عن حرية الكاتب وحقه في نشر أفكاره.

إثر ذلك، سُجن العظم مدة عشرة أيام، ثم انتهت المحكمة إلى تبرئة ساحته، ومما جاء في قرارها: "من الاطلاع على الفقرات التي ظن بموجبها قاضي التحقيق وعلى مجمل المقالات التي ضمها الكتاب موضوع الادعاء، تبين أنها أبحاث علمية فلسفية تتضمن نقدًا علميًا فلسفيًا، بحثًا في الفكر الديني دون أن يكون في نية الكاتب إثارة النعرات المذهبية والعنصرية أو الحض على النزاع بين مختلف طوائف الأمة أو تحقير الأديان".

جوزيف مسعد: لقد عمل العظم على دحض المفهوم الشائع عن شعراء الحب العذري

اقرأ/ي أيضًا: عن الفن.. اقتراح للخلاص من القشعريرة

جوزيف مسعد، أستاذ السياسة والفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك، يُشيد، في كتابه "اشتهاء العرب" (2007)، بمؤلَّف العظم "في الحب والحب العذري" (1968) قائلًا: "لقد عمل العظم على دحض المفهوم الشائع عن شعراء الحب العذري، فرأى أنهم لم يكونوا "عذريين" بأي حال، ورسم لهم صورة جديدة كعشاق حسيِّين كانوا يشتهون أجساد معشوقاتهم ويسعون نحو اللذة الجنسية، إلا أنهم كانوا يتجنبون النهاية المتمثلة في الزواج بمعشوقاتهم ويفضلون عوضًا عن ذلك الانفصال الدائم كشرط لاستمرار شهوتهم وعشقهم".

لكن فيما يتعلق بنقد العظم لأطروحة سعيد حول الاستشراق، يرى مسعد، في حوار أجرته معه صحيفة "الاتحاد" الإماراتية في أيلول/سبتمبر، أن "ما يريد العظم تسويقه، هو أن النظرة التعميمية والنمطية عن الغرب، التي يعتنقها عرب ومسلمون، ومنهم إدوارد سعيد، وفق زعم العظم، هي مرادفة للاستشراق، دون الالتفات إلى أن هذه النظرة ليست خطابًا سلطويًا وذراعًا لمؤسسات اقتصادية وعسكرية عربية أو إسلامية تستعمر، أو تصبو لاستعمار، الغرب".

نشر العظم أكثر من عشرة كتب، غير عدد كبير من الدراسات والمقالات، ويبلغ الآن من العمر 82 عامًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

علي بدر.. الرواية سباق مع الخراب

رياض الصالح الحسين.. بعيدًا عن التصفيق والتهليل