31-يناير-2018

آلات موسيقية تقليدية

شريف في الثلاثينيات من عمره يملك بزقًا عتيقًا، تزوج بعد عناء وله ولدان. لم يكن يريد شريف أن يتزوج: ليس لأنه فوضوي ذو عقلية فرنسية، أو لأنه متأثر بأفكار والده الشيوعي، ولا لأنه في مجتمع يستطيع فيه مساكنة خليلته. ببساطة لأنه لا يجرؤ على التفكير في تكلفة الزواج وتراتيب العرس المادية. شاب يبحث وإخوته عن لقمة عيشهم، يبقى هادئًا حتى تسأله سؤالًا، وإذا سألته سيجيب إجابة مختصرة. ليس بالشخص الخجول، لكنه لا يحبذ الكلام الكثير.

شريف البسيط لا يحب الصراخ أو الضرب والشتم، لكن إن حدث وكان في أي موقف مقارب، تبان قوة وصلابة قلبه الميت منذ ولادته، منذ أن فقد والده عينه اليسرى حين كان في سنه في ستينيات القرن الماضي. عندما كان يقاتل من أجل حقوقه كفلاح وحقوق إخوته الآخرين وأبناء قريتهم التي هجروها لاحقًا، بعد أن جُرّدوا من أراضيهم لتُعطى لمُهجرين آخرين.

بدون أي مميزات خاصة هو مثل معظم الشباب في الحي وشباب المدينة المنسية، يعيش ما يعيشونه. يعمل كما يعملون. يقضي يومه خارج المنزل وحين يعود مع بضع الليرات من النقود التي يكون قد صرف نصفها من أجل علبة تبغ وجزء لشبح مأجور، يعترض طريقه كلما عاد إلى المنزل، وإن زاد منها شيء يضعها في يد أمه.

الشبح المأجور لا يختبئ. كلّ الناس تراه وتخافه، في يده عصا وعلى خصره سلاحٌ نادرًا ما يستعمله فرهبته تكفي دون استعماله. يظهر في كل شارع يسلكه شريف، حتى إذا غير طريقه يظهر له الشبح من جديد ليأخذ نصيبه مما جنى شريف. سأله أخوه الصغير، بأي حق يُعطى الشبح نقودًا كل يوم؟ فأخذ شريف وعدًا من أخيه أن لا يخبر أحدًا، أو يفكر بذلك مرّة أخرى دون أن يجد إجابة لسؤاله.

يحل الظلام ، تحلو كاس من الليموناضة مع النعناع والكثير من قطع الثلج، على أنغام أصوات البزق الرنان. معطرة برائحة الشمال، معتقة برائحة الثورة والهوية والتراث. في كل مساء، صيفيًا كان أو شتويًّا، طقس خاص من الطقوس الإلهية يُعمّر. كأس من الشاي تراقب رشفاته النجوم الكثيرة في غياب ضوء المدينة. وتبارك بسلام قلوب البشر هناك. لسنوات ظل المساء مارًا يلقي التحية ويروي قصص البيوت الطينية القديمة الى السماء. ولسنوات عانق الناس الذكريات وحاربوا الرياح باحثين عن حلمٍ ممزق.

على غفلة من ليالي الربيع ذي النسمات الباردة، حين تمتزج رائحة نار الاحتفال برائحة ندى الزهور. وقبل أن تحترق أجساد البشر في حقول الحصاد تحت أشعة اللهب الإلهية، تزوج شريف.

لم يجد مهربًا من شبحه الذي يناصفه لقمته إلا زواجًا ينسيه نهاره المتعب. لم يكن عليه أن يفكر كثيرًا بتكاليف عرسه، فكل شيء كان حسب ما أراد له أهله. تزوج ابنة عمه منهيًا شوطًا طويلًا من حياة العزوبية بأقل التكاليف. تزوج ليظل روتين حياته اليومية على ما هو عليه. يمتطي الدراجة النارية مع أخيه الأصغر في الصباح، ليعود مساء منهك الجسد يرتمي إلى حضن زوجته، يبكي بصمت، مخفيًا ذعر شبح الطرقات داخله.

في خيبة إحدى الأمسيات، الخالية من النقود. أوقف الشبح شريف وأخاه بصفارته المزعجة، وطلب منهم خمسة وعشرين ليرة، خمسة وعشرون دمعة، وقطرة عرق. لم يمتلكها شريف، لم يجد سوى عصاه يجرده منها ليساعده أخاه ويضربونه بها، منتقمًا من حياته التي عاشها جحيمًا، ومن الطرقات التي أنهكت شبابه دون أن تعطيه في المقابل. قرر أن ينهي شوط الخوف من شبحٍ يكتم على قلب المدينة بأكملها.

رافق شريف أخاه إلى سجن ظل فيها بعيدًا عن زوجته التي حملت بطفله الثاني لشهور. ليزيد من فقر عائلته. تاركًا العبء على إخوته الآخرين، وحين خرج شريف كان الوضع أسوأ، مع قدوم جيوش من الأشباح إلى المدينة.

اخترقت طلقاتٌ غادرةٌ سماء الصمت، معلنة بدء احتراق ذكريات شعب احتمى بالرياح لسنوات. أزالت كل صفات السلام من أزقة المدن وبيوتها الطينية. لم يمت الشرطي طالبُ الرشوة بل ازداد قوة بوجود حاكميه. تعين على شريف الرحيل والهرب ، تاركًا وراءه نار الربيع، نار الانتصار مخمدة دون صاحب. لكن لأن الفقراء لا يزدادون إلّا فقرًا ولا يذوقون إلّا من طعم المرار أمرًّا. لم يجد طريق الهرب إلى أي مكان. ولأن الفقراء هم من يجب أن يدافعوا عن الأرض، ولأنّ كلمة مقاتلي الجبال أصبحت الأقوى. أجبرت كل الطرق الشاب الأسمر الطويل، الذي أصبح أبًا الآن، أن ينضم إلى صفوف القتال، مدافعًا عن بلاده، مدافعًا عن ألوان الحرية.

ترك شريف وراءه الطفلين. ترك إخوته تائهين حاملين صرخات القتال. رحل والده إلى الموت فجعًا، دون أن تشفع له أيام كفاحه، ورايات نضاله الحمراء. لم تُعمَّر ليال الأنس من جديد ولم يعد لليموناضة طعم بنعناع أو بدونه. نشفت كؤوس الشاي. تهاوت بيوت الطين. غرقت الذكريات في النيران التي أحرقت معاني الهوية والثورة. نثرت أم شريف ورودًا وزغردت على ابنها الشهيد. والبسوا ابنه، شريف الصغير، جبة وبدلة مموهة. ليصمت بعدها البزق في زاوية البيت إلى الأبد... مات شريف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيت شوبن: قصة ساعة

قصة وثلاث قصائد