قصة وثلاث قصائد

قصة وثلاث قصائد

ديفيد سي دريسكل/ أمريكا

الزهور

راحت ميوب تتقافز بخفة من قن الدجاج إلى حظيرة الخنازير إلى بيت النار، وخيّل إليها أن الأيام لم تكن يومًا جميلة كما كانت آنئذ. فها هي الريح تعبق بالإثارة، وتملأ خياشيمها رعشة وحماسة، بينما جعل حصاد الذرة والقطن والفول السوداني والقرع من كل يوم مفاجأة ذهبية تحرك فكّيها لذة.

طفلة في العاشرة من عمرها، ولا شيء أكثر إثارة من أغنيتها

كانت ميوب تحمل عصا ملأى بالعقد، تضرب بها عشوائيًا دجاجاتها التي تحب، جاعلة من طرقها على السور المعدني لحظيرة الخنازير هاتيك الأغنية. كانت تنعم بالخفة، وبشعور طيب في الشمس الدافئة.

طفلة في العاشرة من عمرها، ولا شيء أكثر إثارة من أغنيتها. أما عصاها فهي متشبثة بيدها السمراء الداكنة، والـ"تات-دي-تا-تا-تا" ترافقها. مولية ظهرها لصفائح مقصورة أهلها المرابعين الصدئة. 

مضت على طول السور إلى أن ركضت عبر مجرى أحدثه النبع الذي تحصل منه العائلة على مياه الشرب، ومن حوله قد نمت السراخس الفضية والزهور البرية، وعلى امتداد الضفاف الضحلة تمركزت الخنازير. أخذت تراقب الفقاعات البيضاء الصغيرة التي أفسدت قشرة التربة الرقيقة السوداء، والماء الذي أخذ يرتفع بصمت وينزلق بعيدًا أسفل الجدول. 

اكتشفت الغابة خلف منزلها مراتٍ عديدة، ففي الخريف الفائت كثيرًا ما اصطحبتها والدتها لجمع الجوز من على أوراق الشجر المتساقطة. أما اليوم فلقد شقت طريقها الخاص، وراحت تثبُ من مكان إلى آخر، متوخية الحذر من الأفاعي.

وجدت ميوب، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة وجميلة من الأوراق والسراخس، ملء الذراعين من أزهار زرقاء غريبة حوافها مخملية، وشجيرة صابون حلوة موشاة ببراعم عطرة بنية اللون. وإذ انتصف النهار، وذراعاها مثقلتان بأغصان اللُقى التي حظيت بها، كانت تبعد عن منزلها نحوًا من ميل أو أكثر، ومع أنها ابتعدت عن منزلها بهذا القدر سابقًا، إلا أن غرابة الأرض لم تجعلها لطيفة كما كانت في جولاتها السابقة. كان الجو معتمًا وموحشًا في الخليج الصغير الذي سلكته، وكان الهواء رطبًا، والصمت مطبقًا وعميقًا.

استدرات لتعود أدراجها نحو الصباح المسالم، لحظتها صفعتها عيناه، فانغرز كعبها في النتوء المكسور ما بين الحاجب والأنف، وانحنت مسرعة بلا وجل لتحرر نفسها. ولقد ندّت عنها صرخة حادة ممزوجة بالدهشة حين رأت تكشيرته العارية. كان رجلاً طويلاً، استلزم جسده مسافة طويلة كي يتمدد من الأقدام للرقبة، بينما كان رأسه موضوعًا بجانبه.

عندما دفعت الأغصان وطبقات الأرض والحطام جانبًا، لاحظت أنّ له أسنانًا بيضاء كبيرة، جميعها متصدعة أو مكسورة، أصابع طويلة، وعظامًا كبيرة جدًا، وكانت ثيابه قد بليت جميعها ما عدا بضعة خيوط من وزرة عمله الزرقاء، وقد استحالت أبازيم الوزرة إلى اللون الأخضر.

حملقت ميوب حول البقعة باهتمام بالغ، ورأت زهرة برية قرنفلية اللون قد نمت على مقربة من الرأس. وبينما كانت تقطف تلك الزهرة القرنفلية لتضيفها إلى حزمتها، لاحظت كومة مرتفعة، حلقة، حول جذور الزهرة. لقد كانت بقايا حبل مشنقة متعفن وقطعة منه ممزوجة بآثار حرث أرض. وفي الجوار على فرع شجرة بلوط هائلة تدلت قطعة أخرى من الحبل بالية، متعفنة، قد حال لونها وتهرأت حتى باتت بالكاد تبين، ولكنها تدور بلا توقف في النسيم.

طرحت ميوب زهورها أرضًا، وكان الصيف قد انقضى.


رماديْ

صديقتي شابت
وليس شعرها وحده من أصبح رماديًا 
ولا أعلم حقًا لماذا غدت هكذا!
هل هو نقص بفيتامين "إي"
 أو "بي 5" أو"بي 12"؟
أو ربما لكونها مضطربة،

ووحيدة؟
أسألها:
 "كم من الوقت يلزمكِ لتحبي أحدهم؟"

فتجيب: في لحظة ساخنة

وكم يستمر هذا الحب؟

- آه، ربما لعدة شهور

وكم يستغرقكِ لتحرري نفسكِ من حبهم؟

- ثلاثة أسابيع، كحدٍّ أقصى..

هل قلتُ لكم أنني قد شبتُ أيضًا؟

لأنني مغرمة بامرأة كهذه
تفكر بالحب على طريقتها!

أقولُ للشِّعر

أقول للشعر: 
"ها قد انتهينا".
أوشكتُ أن أموت

قبل أن يأتيني متسللًا
ذاك الضوء الغريب 
وكان غير ممتعًا.

" لا أيها البديع، أشكرك، 

أنا بعيدة عن أي إلهام

وحاليًا أنعم بأوقات طيبة

فثمة معاهدة بيننا تُحِلُّنا من المعاناة".

وتمدّد الشعر
متظاهرًا بالموت..

وحتى هذا الصباح

لم ينتبني حزن، أو أية مشاعر أخرى

فقط لم أكن على ما يرام..
يخاطبني الشعر:
 هل تذكرين الصحراء وكم كنتِ سعيدة

وأنتِ تمتلكين ولو عينًا واحدة تُمكنكُ من رؤيتها؟ 

هل تذكرين ذلك؟ لم يكن بعيدًا..

فأقول: لم أسمع ما تفوهتَ به، 

عدا أنها الخامسة صباحًا

ولن أصحو في هذه العتمة للحديث إليك!".

ويجيبني الشعر:

فقط فكري حينما رأيتِ نور القمر 

يفترشُ الوادي الصغير الذي تحبين 

أكثر من أي واد آخر 

وأي ذهول قد اعتراكِ حينما 

فاضَ ضوء القمر أخضر

وكان بإمكانك رؤية ذاك الجمال 

ولو بعين واحدة سليمة. 

فقط تذكري!

أجيبهُ بانفعال، 
وقد أوليتُ وجهي نحو الحائط:

"سألتحقُ بالكنيسة، 
سوف أتعلم الصلاة من جديد!"

قال الشعر: 
ولكن دعيني أسألكِ

ما الذي سوف يتبدى لكِ

حينما تصلين؟

وكانَ لي الشعر..
أقول: "لا ورقة في هذه الغرفة

وهذا القلم الذي ابتعتهُ مؤخرًا
 
يصدرُ صريرًا مضحكًا!".
"هراء!" 
يقول الشعر 
وأقول أنا "هراء!".. 

الرجال الكبار اعتادوا الغناء

الرجال الكبار اعتادوا الغناء

رافعين الأخ

بحذرٍ

يتخطون عتبة الباب.. 

لطالما اعتقدتُ 

أنهم ولدوا هكذا 

بِحرفية يأرجحون التابوت 

وبِخفّة يبدلون خطاهم. 

تجفُّ المآقي 

هم أكثر حرجًا مع الزهور 

مما هم مع الأرملة

وحول الجسد المُسجى
تحلّقوا 
منتظرين ببذلاتهم البُنية.. 

ترجمة: عبير عبد الواحد