جيل دولوز: الأغلبية والأقليات

جيل دولوز: الأغلبية والأقليات

غلاف الكتاب

ألترا صوت - فريق التحرير

"خارجَ الفلسفة.. نصوص مختارة" هو مجموعة من المساهمات الفلسفية، بين النصوص والمقابلات، من تراث الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، وقد قام بنقلها إلى العربية عبد السلام بنعبد العالي وعادل حدجامي، وسوف تصدر قريبًا عن منشورات المتوسط. هنا نص منها.


سيّان أن تقوم بعملية طرح أو تجعل الأمر في تحوّل، أن تحذف أو تدفع إلى التحوّل. ليس هناك فقر أو فائض يميزان اللغات الأقلية نسبة إلى لغةٍ أغلبيةٍ أو معيار. هناك زهد وتغيير هما نوع من المعاملة الأقلية مع اللغة المعيار، صيرورة أقلية للّغة الأغلبية. لا يكمن الإشكال في التمييز بين اللغة الأغلبية وبين اللّغة الأقلية، وإنما هو قائم في الصيرورة. ليست المسألة في إعادة التوطّن في لغة محلية أو لهجة، وإنما هي في إخراج اللغة الأغلبية عن توَطّنها. لا يرفع الزنوج الأمريكيون لغة الزنج ضد الإنجليزية، وإنما يجعلون من الأمريكية التي هي لغتهم إنجليزية زنوج. لا وجود في ذاته للغة الأقلية. بما أنها لا توجد إلا نسبةً للُغة أغلبية، فإنها تشكل استثمارات لهذه اللغة كي تغدوَ هي ذاتها أقلية.

سيتجه كل واحد نحو اللغة الأقلية، اللغة المحلية أو اللهجة، وينطلق منها بحيث يجعل من لغته الأغلبية لغةً أقليةً. تلك هي قوة المؤلفين الذين ندعوهم "أقليين"

سيتجه كل واحد نحو اللغة الأقلية، اللغة المحلية أو اللهجة، وينطلق منها بحيث يجعل من لغته الأغلبية لغةً أقليةً. تلك هي قوة المؤلفين الذين ندعوهم "أقليين"، والذين هم أعظم المؤلفين، بل هم وحدهم العظماء: يكون عليهم أن يكتسحوا لغتهم الخاصة، أي أن يدركوا درجة الزهد في استعمال اللغة الأغلبية، بحيث يجعلوها تتحول باستمرار (وهذا نقيض النزعة الإقليمية). إننا لا نكون مزدوجي اللغة أو متعدديها إلا في لغتنا. علينا اكتساح اللغة الأغلبية كي نعيّن عليها لغات أقلية لا زالت مجهولة. علينا استخدام اللغة الأقلية كي نعمل على استبعاد اللغة الأغلبية. المؤلف الأقلي هو ذاك الغريب في لغته. وإذا كان ابناً غير شرعي، إذا كان يرى نفسه كذلك ويحياه، فليس بفعل المزج بين اللغات والخلط بينها، وإنما بالأحرى بفعل الحذف وإدخال التحولات على لغته، وبفعل شدّ الحبل الذي يمارسه عليها.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لا يجب أن تموت الفلسفة؟

إن مفهوم الأقلية مفهوم شديد التعقيد، بإحالاته الموسيقية والأدبية واللغوية، وأيضًا القانونية والسياسية. لا يتعارض مفهوما الأقلية والأغلبية تعارضًا كميًا فحسب. تفترض الأغلبية ثابتًا، في التعبير والمحتوى، كقياسٍ معيار، تُقدَّر نسبةً إليه. لنفترض أن الثابت أو النموذج المعيار هو الرجل الأبيض الذكر كبير السن ساكن المدينة المتكلم للغة معيار، والأوروبي المؤمن بالجنسية المتخالفة (أوليس جويس أو عزرا باوند). فمن البدهي أنه سيكون لـ "الرجل الذكر" أغلبية، حتى وإن كان أقل عددًا من الحشرات والأطفال، والنساء والزنوج والفلاحين وأصحاب الجنسية المثلية ... إلخ. وذلك لأنه يظهر مرتين، مرةً في الثابت، وأخرى في المتغير الذي يستقي منه الثابت. تفترض الأغلبية حالة سلطة وهيمنة، وليس العكس. إنها هي التي تفترض المعيار النموذجي وليس العكس. حتى الماركسية نفسها قد "فهمت الهيمنة، على الدوام تقريبًا، من وجهة نظر عامل البلد ذي الكفاءة والذَّكر الذي يتجاوز سنه خمساً وثلاثين سنة" سيكون تحديدًا مخالفًا عندما يعتبر الثابت أقليًا، وهذا مهما كان العدد، أي أنه يُنظَر إليه كمنظومة صغرى، أو كخارج المنظومة. نتبين هذا بوضوح في مختلف عمليات الانتخابات وغيرها، حيث يترك لك الاختيار، شريطة أن يظل اختيارك مراعيًا لحدود الثابت ("لا يكون عليك أن تختار تغييرًا للمجتمع بأكمله...").

ولكن، عند هذه الدرجة ينقلب الكل. فبما أن الأغلبية، من حيث إنها تدخل ضمن النموذج المجرد، فإنها لا تكون قطّ أحدًا. إنها دائمًا لاأحد - أُولِيس -، في حين أن الأقلية، هي صيرورة الجميع، صيرورتهم الممكنة من حيث إنها تبتعد عن النموذج وتنحرف عنه. هناك "واقع" أغلبي، إلا أنه الواقع التحليلي لِلاَأحد، الذي يقابل الصيرورة الأقلية للجميع. لذا علينا أن نميز بين الأغلبي كمنظومة متناسقة وثابتة، وبين الأقليات كمنظومات صغرى، وبين الأقلي كصيرورة ممكنة مبتدَعة وخلاَّقة.

لا تكمن المسألة قط في التمكّن من الأغلبية، حتى ولو بفرض ثابت جديد. لا وجود لصيرورة أغلبية. لا تكون الأغلبية قط صيرورة. لا صيرورة إلّا للأقلي. النساء مهما كان عددهن، فهن أقلية قابلة للتحديد كمجموعة صغرى، مجموعة داخلة في مجموعة أوسع، إلا أنهن لا يبتدعن إلا إذا جعلن صيرورة ما ممكنة، وهي صيرورة لا يحتكرن ملكيتها، صيرورة عليهن هنَّ أنفسهن أن يقتحمنها، وهي صيرورة-امرأة التي تعني الإنسان بما هو رجل أو امرأة على السّواء.

الأمر عينه بالنسبة للغات الأقلية: فهي ليست مجرد لغات صغرى، لغات تدخل تحت لغات، لغات محلية ولهجات، وإنما هي عناصر فاعلة من شأنها أن تجعل اللغة الأغلبية تدخل في صيرورة أقلية في جميع أبعادها وعناصرها. نميز عن اللغات الأقلية اللغة الأغلبية والصيرورة الأقلية لِلُّغة الأغلبية. بطبيعة الحال، فإن الأقليات أحوال قابلة لأن تحدِّد موضوعيًا حالاتِ لغات وأجناس وجنسيات مع تحديداتها الأرضية المنغلقة. إلا أنها ينبغي أن تعتبر أيضًا كبذور وبلورات صيرورة لا قيمة لها إلا من حيث هي منبع حركات لا نتمكن من ضبطها وتعيين مصدر إخراج الأغلبية عن مراكز توطُّنها. لذا بيّن بازوليني أن الأهمَّ، وبالضبط في الخطاب اللامباشر الحر، لا يكمن لا في اللغة أ ولا في اللغة ب، و"إنما في لغة س، ليست هي إلا أ وهي تصير لغة ب بالفعل".

هناك صيرورة كونية للوعي الأقلي، كصيرورة للجميع، وهذه الصيرورة هي الإبداع. ولا يتمّ بلوغها بإدراك الأغلبية واللحاق بها

اقرأ/ي أيضًا: الفلسفة والتاريخ: العروي يتأمَّل نفسه

هناك صيرورة كونية للوعي الأقلي، كصيرورة للجميع، وهذه الصيرورة هي الإبداع. ولا يتمّ بلوغها بإدراك الأغلبية واللحاق بها. هذه الصورة هي بالضبط التحول المستمر، كسَعة لا تنفك تفيض وتتجاوز العتبة التي تمثل النموذج الأغلبي. عندما نقيم صورة وعي كوني أقلي، فإننا نتوجه نحو قُوى صيرورة تمتُّ بالصلة لمجال آخر غير مجال السلطة والهيمنة. إنه التحول الدائم هو الذي يشكل صيرورة-الأقلية للجميع، في مقابل الواقع الأغلبي لِلاأحد. تُسمى الصيرورة الأقلية كصورة كونية للوعي استقلالًا ذاتيًا. إننا لا نغدو ثوريين إن نحن استعملنا لغة أقلية كلهجة، أو إن تقوقعنا داخل نزعة إقليمية أو مكان منغلق، كما أننا لا نبتدع صيرورة نوعية مستقلة بذاتها بعيدة عن كل التوقعات، إلا باستعمالنا لكثير من عناصر الأقلية، عاملين على خلق الترابط فيما بينها وضمها بعضها إلى بعض.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نيتشه.. فلسفة التخفّي

الحياة العاطفية للفلاسفة