جمال سليمان: السوق لا يريد أن يتحدث عن سوريا

جمال سليمان: السوق لا يريد أن يتحدث عن سوريا

جمال سليمان

انطلاقًا من مواقفه النبيلة إزاء ما يحدث في سوريا، ومن مشاركته في مسلسل "العراب"، الذي حاول التأريخ للفساد هناك، ومسلسلات أخرى سبقت الثورة وشاركت في التأسيس لها ربما. اخترنا أن تكون المقابلة الثانية ضمن هذه السلسلة مع الفنان السوري جمال سليمان، متطرقين، كما كان المخطط من البدء، إلى انطباعاته العامة عن دراما الثورية السورية، كيف كانت وكيف يجب أن تكون، وتصوراته عن العلاقة المعقدة اليوم في سوريا بين الفن والسياسية والحدث.

جمال سليمان: كل شيء لا يؤدي إلى إنتاج دولة ديمقراطية حديثة ليس ثورة بالنسبة لي

  • بما أن هذه المقابلة تندرج ضمن سلسلة من مواد عن دراما الثورة السورية، نبدأ من السؤال عن وجود حقل يمكن تسميته "دراما الثورة السورية"، وعن استحقاقات الكتابة عن الثورة في وقت مثل هذا تحديدًا. ما هي الحدود وما هي الالتزامات إجمالًا التي يجب على العمل تلبيتها؟

إن تعبير "دراما الثورة السورية" يجب أن يكون لاحقًا لا سابقًا. بعد سنوات سيكون جائزًا إطلاق هذا التعبير على أعمال درامية كانت وثيقة الصِّلة بالثورة. وقد تكون هذه الأعمال قد سبقت قيام الثورة بعشر أو عشرين سنة. طبعًا كل ذلك يتوقف على مفهومنا لكلمة "ثورة"، لأن معانيها مختلفة عند السوريين اليوم. فكل شيء لا يؤدي -مثلًا- إلى إنتاج دولة ديموقراطية حديثة ليس ثورة بالنسبة لي. غيري له رأي آخر، وبالتالي ما أراه فنًا ثوريًا قد لا يراه هو كذلك. عندما كتب نزار قباني قصائده اعتبرها البعض انحطاطًا وتفسخًا، البعض الآخر اعتبرها ثورة.

اقرأ/ي أيضًا: رافي وهبي: العراب 2 كان للقضاء على مشروعي

  • كيف تقيم واقعية الدراما السورية في السنوات الخمس الأخيرة إزاء الحدث القائم في سوريا، وهل كانت هذه الأعمال – خاصة المصورة داخل سوريا – على صلة كافية بما يجري؟

شيء لافت ويستحق الاحترام أن تكون هناك محاولات لمقاربة ما جرى، إلا إننا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن ما جرى ويجري في سوريا لا يمكن الإحاطة به بسهولة، وإلا وقعنا في مطب السذاجة. الشيء الآخر الذي يجب مراعاته هو أن الفنان يكافح ضمن ظرفه ليقول بعض الحقيقة، إن لم يستطع قولها كاملة، هذا طبعًا إن كان لديه ما يكفي من المعطيات وكانت لديه الإمكانيات. إن ما حدث في سوريا ليس عابرًا ولا بسيطًا ذا بعد واحد. وبالتالي أظن أن الفن سيتناوله بطرق مختلفة، وبأزمنة متباعدة قد تطول. 

يجب أن نتذكر أن الدراما التلفزيونية العربية لم تنتج عملًا دراميًا تلفزيونيًا عن "قضية العرب المركزية" فلسطين حتى جاءت "التغريبة الفلسطينية" عام 2005. هناك الكثير من الروايات الرائعة والإنتاجات الشعرية العظيمة إلا أنه لم يكن هناك عمل تلفزيوني كبير ومؤثر يحكي للأجيال ما الذي جرى وكيف تم طرد شعب واغتصاب أرض. وأظن أن هذا قد ينطبق على ما حدث في سوريا. دعنا نتخيل أن واحدًا من الأطفال الذين فقدوا أهاليهم أمام أعينهم ويعيش اليوم مع جدّيه في أحد المخيمات، سيكبر يومًا وسيصبح كاتبًا أو مخرجًا أو منتجًا، وسيحكي هو الحكاية بعد ربع قرن من وقوعها. العالم ما زال حتى اليوم يقدم أفلامًا عن الحرب العالمية الثانية كان صناعها أطفالًا يوم وقعت، أو جاؤوا إلى دنيانا بعد ذلك بزمن طويل. 

جمال سليمان: لنتخيلْ أن واحدًا من أطفال المخيمات، سيكبر يومًا ويحكي هو الحكاية بعد ربع قرن من وقوعها

  • تبدو إشكالية تقديم موقف سياسي أكثر تعقيدًا في تجربة مثل تجربة الدراما السورية، هل تعتقد بإمكانية تقديم موقف سياسي من دون التأثير على بنية العمل وصياغته الفنية والجمالية؟

أولًا الاستقطاب هائل وكل الأطراف غير منفتحة على الحقائق. كلٌّ يريد من الفن أن يقول روايته هو، وأن ينتصر لوجهة نظره هو، ناسيًا أن الفن الحقيقي ليس بيانًا سياسيًا للاستهلاك الآنيّ. الفن الجيد ليس معنيًا بالملائكة والشياطين. الفن الجيد هو الفن الذي يتفحص طيف الألوان بين الأبيض والأسود. حكايتنا السورية أصبحت حكايات لها رواة مختلفون وشهود بعدد الحكايات، والشاهد الذي شاهد الحدث من شرفة منزله غير الشاهد الذي كان في الشارع. والشاهد الذي رأى الواقعة غير الشاهد الذي كان يتنصّت على هاتف فاعلها. 

اقرأ/ي أيضًا: دراما الثورة السورية (1).. سنعود بعد قليل

  • يعرف المتابع للدراما السورية في السنوات الأخيرة، أن معظم الأعمال المنتجة عن الثورة، ذهب باتجاه تقديم موقف شفاف، ومحايد في معظم الوقت، وفي أحسن الأحوال تهجمت بعض الأعمال على كل الأطراف المتصارعة. ألا تعتقد أن ما يحدث بحاجة إلى معالجة أكثر وضوحًا ومباشرة. وهل تسمح حدود السوق اليوم بوجود مثل هذه المعالجة؟

دعني أبدأ بالسوق وأقول بوضوح وصراحة: إن السوق لا يريد أعمالًا تتحدث عما يجري في سوريا، بصرف النظر عن منطلقاتها، وأين تقف وإلى ماذا ترمي. السوق يتجاهل كليًا وعامدًا ما جرى ويجري في سوريا. أما ما يتعلق بمذاهب واتجاهات الأعمال فهذا مرتبط بما أسلفت الحديث عنه. العمل الفني هو في الأول والآخر من صنع بشر لديهم مفاهيمهم ومعارفهم التي قد تكون ناقصة أو غير موضوعية، وكذلك هم يعملون ضمن ظروف معينة -مهما بلغت قوتهم- ويتأثرون بها. أضف إلى ذلك أنه لا يجوز لنا افتراض أن هناك حقائق كثيرة لا يرقى لها الشك ومتوفرة عند الفنان. لا تزال الحقائق موزّعة بين أجهزة استخبارات عديدة تعمل ليل نهار لمراجعتها واستكمالها. إن الدعاية المضللة هي سيدة الموقف حتى هذه اللحظة. سأضع نفسي مثالًا كي أبسّط الموضوع، فأنا من وجهة نظر بعض الموالين خائن وعميل، ومن وجهة نظر موالين آخرين معارض معتدل، ووطني. ولو انتقلنا إلى ضفة المعارضة فستجدني عند البعض خائنًا للثورة وأسعى إلى خدمة النظام القائم، وهناك معارضون آخرون يرونني معارضًا جادًا من المخلصين لمطالب الشعب السوري الثائر. فأي واحد من هؤلاء أنا؟! يمكنك أن تأخذ هذا المثال البسيط وتعممه لتكتشف كم هو أمر صعب في جو الدعاية الحمقاء أن ترى الحقائق. قيل بأن غبار الحروب ودخانها يحجبان معظم الحقائق، وهو قول صحيح لا يجوز تجاهله. 

جمال سليمان: حساسية نظرة بعض رجال الأمن فاقت في أحيان كثيرة حساسية نظرة كثير من المثقفين

  • من متابعتك، ومن تجربتك في الجزء الأول من مسلسل "العراب"، هل تعتقد أن بدء إنتاج مسلسلات من خارج سوريا، متحررة من سلطة الرقيب السوري على الأقل، قدم جديدًا للدراما السورية والعربية ككل؟ أم أن رقابة السوق (المنتج، قناة العرض.. إلخ) التي تتجاوز المكان الجغرافي، أجهضت مثل هذا التأثير؟

دعنا نعد إلى الخلف ونتذكر أن مسلسلات كثيرة كانت تحفر عميقًا في شرعية ما هو قائم، و تساءلت بشك عن مدى إمكانية استمراره- ميشيل كيلو كتب مقالًا هامًا حول ذلك- لقد كان الهدوء سيد الموقف عندما قدمنا في منتصف التسعينيات مسلسل "خان الحرير". ربما لم يتنبه إلى ذلك كثيرون من ثوريي اليوم، إلا إن مسؤولًا أمنيًا كبيرًا قال لي: "نحن نريد أن نوقف عرض هذا المسلسل لأنه يضرب في جذور شرعية حكم البعث". مع الأسف أنا مضطر للقول إن حساسية نظرة بعض رجال الأمن فاقت في أحيان كثيرة حساسية نظرة كثير من المثقفين. "خان الحرير" - من وجهة نظري- عمل يستحق تصنيفه اليوم ضمن مفهوم دراما الثورة.

اقرأ/ي أيضًا: دراما الثورة السورية (2).. الولادة من الخاصرة

دعني أضف شيئًا آخر، اليوم وبسبب سخونة الدماء، كثيرون يَرَوْن أن الفن الثوري هو الفن الذي يواجه السلطة السياسية فقط، ويتحدث عن رموزها أو أولادهم كما في "غزلان في غابة الذئاب". و لكن ماذا عن سلطة المؤسسة الدينية ورجالها؟ ماذا عن سلطة الموروث الثقافي وما نسميه العادات والتقاليد؟ ماذا عن سلطة المال؟ من هذا المنطلق أعتبر مسلسلًا كـ"حارة القصر"، أو "الأجنحة"، مسلسلات ثورية لأنها تحدت سلطة المجتمع الذكوري المتخلف المختبئ وراء يافطة "عاداتنا وتقاليدنا".

في هذه الأيام بالذات أتذكر كثيرًا مسلسلًا كـ"الثريا" الذي طرح مقولة "نحن مسلمون أولًا أم سوريون أولًا؟"، ويحضرني أيضًا مسلسل كـ"صقر قريش" مع أنه تاريخي، هذا مسلسل يتفحص بصدق وجرأة مسألة الحكم وشريعة الإسلام الإلهية. الدراما السورية قدمت أعمالًا شجاعة وجريئة مسلسل "العرّاب" ليس إلا واحدًا منها. مسلسلات رغم صعوبة الظروف الرقابية، تحتاج اليوم إلى قراءة منصفة. 

جمال سليمان: العمل الذي لا يغوص في العمق، ويقلِّب في طبقات الرواية، ويعطي مساحة لتعدد الأصوات ليس فنًا

اقرأ/ي أيضًا: عن واقعية الدراما السورية بعد موسم مخيّب

  • قبل الموسم الأخير، كان هناك سؤال شاغل عن أسباب غياب جمال سليمان عن مسلسلات سورية لسنوات. وعاد هذا التساؤل مع الموسم الجديد. هل هناك علاقة، بين تغيبك عن الدراما السورية لفترة طويلة نسبيا، وبين الحدث السياسي في سوريا، أم أنه خيار منفصل؟

لا علاقة أبدًا بين حضوري أو غيابي في الدراما السورية وما يجري من أحداث سياسية. ثم إن غيابي عن الدراما السورية لم يكن انقطاعًا كاملًا أو مقصودًا، فمنذ أن ذهبت إلى مصر في عملي الأول هناك "حدائق الشيطان" عام 2006، قدّمت في الدراما السورية أعمالًا عدة هي "على حافة الهاوية" و"فنجان الدم" و"أهل الراية"، والفيلم الوثائقي "نوافذ الروح"، والسنة الماضية "وقت مستقطع"، و"العرّاب/ نادي الشرق"، وهو عدد لا بأس به بالنسبة لفنان يبحث عن أعمال يستطيع الدفاع عنها ويرى أنها تستحق جهد العمل فيها. 

  • هل سيعود جمال سليمان للمشاركة بأعمال لها صلة بالثورة السورية؟

بالتأكيد. ولكنني لا أحب الأعمال الدعائية حتى ولو سمّاها البعض "ثورية". الفن بالنسبة لي مسألة أخرى؛ العمل الذي لا يغوص في العمق، ويقلِّب في طبقات الرواية، ويعطي مساحة لتعدد الأصوات؛ ليس فنًا.

اقرأ/ي أيضًا:

أفراح القبة.. الدراما المصرية تعود إلى الواجهة

النظام السوريّ يحوّل "أبو عصام" إلى فيمينيست