تورية الشّعر: حجة المَلهاة

تورية الشّعر: حجة المَلهاة

ندى ظرفساز/ إيران

1

الشّعر لا يُنقذ أحدًا

إنها كذبةٌ

الشّعر يد بأظافر طويلة حادة

تضعهُ على جلدكَ

يحكّ الحبوب/ البثور

يلعب بها

حتى تنفجر

دُمَلٌ.

خُراج الجلدِ

 

هذا هو الشّعر.

 

2

جرحٌ مفتوح دائم، هو الشّعر.

 

3

لم ينقذني الشعر، وإن كنتُ قد أعلنتها قبل ذلك بأنه أنقذني.

إنها محض كلماتٍ نرددها عادة نحن الشعراء، الكتّاب في ساعات راحتنا عن أن الشعر منقذنا. إذ نحوّل الشعر، القصص، الحكايات، والكتب لمادة خاصة بنا، أشبه بغرضٍ شخصيّ: فرشاة أسنان، مشط، أو دمية حصلنا عليها في سنتنا الأولى من الإدراك وخشينا خسارتها.

 

إلى س. م

الشّعر ملهاة حياة الأرواح الصارخة، في زمن لا معلوم سابق أو آتٍ، تصرخ، تنادي: أن هبْ لنا الجسد حتى نقبض على الشيء، أن يتحوّل الطيف اللا مرئي، لشيء مرئيّ.

فكان ما شاءتْ، إذ شاءَت ورغبت. فصار الجسد. نسيج متجانس، ملتحم الخلايا، مغطى بالجلد، في صورة البدلة للروح، شيئية الشيء.

جرحُ سكين المطبخ لليدِ لا يوجع البدلة، الجسد؛ إذ يُفزع الروح الحاصلة على بدلتها الخاصة بعد الصياح المتكرر. خدوش الجسد لا تُرقعُّ، تُدهنُ بالشعرِ: ضع طبقة من مرهم الشّعر على الجرحِ، الخدش. ما الشّعر؟

لا الكلمات..

جاء رجلٌ بثيابٍ رثّة متّسخة، وله سبعة أقدام، لا ينتعل خفًا ولا نعلًا، وضخامة رأس، ومفردة عين، وله عشرة أذرع طويلة، في كل ذراع يد، وفي كل يد ثلاثة أصابع، وبطن كلما مشى انتفخ، وانكمش إذا رقد، يطرقُ الباب في الليلة الظلماء، من يفتح له الباب يُصبه بنفثِ هواء من فمه، فيمرضُ، وإذ يمرضُ ويعرفُ علّته، وتبين أدوية سقمه أمامه، تُصاب يده بالشللِ، فيمدّ يده إذ يمدّ فلا تصل لدوائه. ويُراقب يده في ذهول، فلا حركة فيها، ولا حياة. هبْ لنا قلمًا، تنهضُ.

يجلسُ الرجل الرث بثيابه المتسخة القرفصاء فوق كتفك، يُغني في أذنك، فتسمع الصفير، يرفع ذراعًا واحدة، فترفعُ يدك قلمها، اكْتب. ماذا أكتبُ؟ اكْتب الصفير. فتكتبُ يدك، وإذ تكتب لا تعثر على المفردة؛ بل ما يجانبها، ويقاربها، ويرادفها، فتقضي العمر باحثًا عنها، مفردتك الأولى، لتنكشف لك آن تسأم الروح الصارخة من لباسها الجسد؛ ضاق وخنقها، أو لعلّه صُوّرَ لها أنه يضيقُ عليها، وإذ تستذكر جملة الانسلاخ الأولى، والتحوّل، ينكشفُ لها البصر، والسّمع، فترى الرجل الرث بثيابه المتسخة، في صورته الحقيقية؛ ظلّ. ظل الطيف، ظل الروح الصارخة، في بطنها نورها، السّراج وزيته. الشّعرُ، اسمُ الرجل، وإذ تسعى الروح لتكتب ما رأتهُ، إذ رأت، تنغلقُ فتحةُ السّفر، شقّ الندبة، شقّ الخدش، أوّل الجرح، والتحوّل، فتنحبسُ الروح وتصرخُ أن حرروني، أعيدوني، هبني جسدًا. تُحملُ البَدلة بعد أن تمسح بالخرقة، وتُغسلُ بالماء، وما سال وانسكب، وظل جاريًا؛ لتُدفن في التراب، والروح ترفس، تصرخ، تئن: عرفتُ الحقيقة إذ عرفتُ، وبانت لي، سأكتبُ، أعيدوني. لتقضي نواحها أربعين ليلة، تحت شجرة غافٍ، فوق هضبة جبل، بجانب عمود إضاءة، أسفل سرير، في داخل دولاب، تحت حصاة، أو في مكانٍ آخر، ثمّ تطيرُ لتلحق من تقدّمها من الصارخات النائحات، تصرخ وتصيح، حتى تنشطر فيصير لها نصف جسد، أو تحصل مجددًا على جسد كامل، تام، وتدور الدائرة، والرّجل الرث مشطور من قبل ومن بعد، أو بعضًا من طول موجيّ لأشعة نور منعكسة، إذ سقط النور على المرآة فانكسر، انتشر، توزّع، ورأى ظلّ نفسه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أنا كفن

لولا الضوء