تنصيب بايدن.. أمريكا كانت وعودًا

تنصيب بايدن.. أمريكا كانت وعودًا

كاريكاتير لـ ليوبولد مورير/ النمسا

ليس أدلّ على عمق الأزمة في أي مشهد سياسي أكثر من حشو خطابٍ، على أي منبر، بالإشارات إلى لحظات المجد في التاريخ، فلا شيء يقول إن اللحظة الراهنة بائسة مثلما يقولها هذا الحال.

علّمتنا التجارب أن الوجه المشرق للتاريخ لا يحضر عند أحد كما يحضر عند المهزومين، فهؤلاء الذين يموت أمامهم الحاضر لا يجدون حلًّا إلا بإحياء الماضي

علّمتنا التجارب أن الوجه المشرق للتاريخ لا يحضر عند أحد كما يحضر عند المهزومين، فهؤلاء الذين يموت أمامهم الحاضر لا يجدون حلًّا إلا بإحياء الماضي. ذلك مخرجهم النفسي الوحيد. لكن حين يأتي المنتصرون، أو الأقوياء، إلى المنصة ليفعلوا ذلك فالأمر يشير إلى ما هو أكثر من هزيمة. خاصة اننا نعرف أن عزاء الضعيف والمهزوم التشبث بالماضي، أما القوي حين يفعل ذلك فإنه ينهزم إلى الدرجة التي لم تتخيلها الهزيمة. إنه يعلن أنه ذاهب باتجاه التفكك.

اقرأ/ي أيضًا: حين يحترق الهواء في واشنطن

في حفل التنصيب، حضر مأزق الولايات المتحدة على المنصة من خلال عدة إشارات، في اختلاف عدد جمهور الحفل عن سوابقه بسبب كورونا، الذي حصد في أمريكا ما لم يحصده في مكان آخر، فبدا التباعد الكورونيّ شكلًا مجازيًا لتباعد آخر بين أنسجة الجسد الأمريكي الموشك على التمزق. كما حضر المأزق أيضًا في غياب الرئيس السابق، الذي ظهر بمزاج انتقاميّ وهو يعلن من مكان مغادرته للسلطة أنه عائد. وحضر في كلمات الرئيس الجديد، وفي قصيدة الشاعرة أماندا غورمان التي كُلفت بكتابتها للحفل، وأن تضمنها المقولات التي ينادي بها بايدن.

ليست هذه بالأزمة الجديدة. إنما هي استمرار ومُراكمة في اللاوعي الأمريكي العام القائم على الغلبة منذ لحظات التأسيس، فتفوّق البيض أصبح عند عتاة المتطرفين منهم، وهم جزء كبير من جمهور ترامب، أقرب إلى حقٍّ تاريخي منذ إبادة السكان الأصليين، إلى زمن العبودية، مرورًا بالحرب الأهلية التي لم تندمل جراحها، وصولًا إلى أزمات النظام الرأسمالي الذي بات يواجه جدارًا لا أمل في اختراقه، ليأتي فوق ذلك كله رئيس مجنون يتصرّف بغرائزه جاعلًا البلد "على بلاط"، كما يقول المثل الشعبي، ويضيف إلى خرابه تصعيدًا في خطاب العنف والكراهية، الذي سيصل بأنصاره إلى مهاجمة معاقل الدولة الرئيسية، في لحظة استثنائية راحت فيها الحضارة تفرز برابرتها من داخلها، دون أن تجلبهم من وراء أسوارها.

تحدّث جو بايدن في خطابه عن نصر الديمقراطية، وعن ضرورة التصدي لنزعة تفوّق العرق الأبيض، والإرهاب المحلي، وعن محاربة كورونا، ولكن ذلك كله يحتاج إلى وحدة أمريكية، كما قال.

لا يمرّ تعبير "الإرهاب المحلي" مرور الكرام هنا، وعلى ما يبدو أن أولئك الرعاع يُقدمون لنا، في الجانب الآخر من العالم، خدمةً جليلةً إذ ينزاح هذا المفهوم من دلالته الثابتة على المسلمين نحو آخرين، شاءت الصدفة والأهواء السياسية للرئيس الجديد أنهم من العرق الأبيض الذي ينتمي إليه، والذي ظلّ كل السياسيين المنحدرين منه مع إعلامهم مصرّين على وصم الإسلام بها.

تحدّث بايدن عن انتصار الديمقراطية، وهو يقصد انتصارها بالتحديد لكونها جلبته إلى الحكم، مع أنّ الديمقراطية نفسها جلبت ترامب من قبل

ولعل هذه هي المرة الثانية التي يستعمل فيها سياسي أبيض تعبير "الإرهاب" في وصف عنف صادر عن بيض، أما السابقة الأولى فجاءت في بيانات الإدانة الدولية عند مهاجمة مسجديْ نيوزيلندا عام 2019 التي وُصفت بـ"العمل الإرهابي".

اقرأ/ي أيضًا: كوشنر.. الدمية القاتلة

لنعد إلى المنصة. تحدّث بايدن عن انتصار الديمقراطية، وهو يقصد انتصارها بالتحديد لكونها جلبته إلى الحكم، مع أنّ الديمقراطية نفسها جلبت ترامب من قبل، وجلبت آل بوش، وهي ذاتها التي أقصت الأعراق الأمريكية: الأصليين والسود والمسلمين.. كما أقصت النساء عن المناصب الرفيعة، ولهذا سنرى بايدن محاولًا استعمال هذه الورقة: امرأة لمكتب نائب الرئيس، عابرة جنسيًّا لمنصب مساعد زير الصحة، شاعرة سوداء لتقرأ قصيدة في حفل التنصيب، امرأة لوزارة الخزانة. لكنّ ما لن يغيب عن العين أن هذه التركيبة المتنوعة يترأسها رجل مسيحي أبيض!

حينما يتحدّث عما يسميه "القصة العظيمة لأمتنا" سيقول إنه علينا أن نبدأ من جديد. أما نحن فعلينا أن نرى أن أمريكا التي تسير من سلَفٍ يريدها عظيمةً مرة أخرى، إلى خلَفٍ يريدها أن تبدأ، هي أمريكا منقسمة حتى لدى رؤسائها.

يذكّرني هذا بعبارة "أمريكا كانت وعودًا" للشاعر الأمريكي أرشبيلد ماكليش التي تتكرّر في قصيدة تحمل العنوان نفسه. ماكليش شاعر ورجل دولة، آمن أن لأمريكا دورًا يجب أن تلعبه في مصير العالم، وكان مهتمًا بما تعنيه أمريكا، وما يعنيه أن يكون الإنسان أمريكيًّا. أمريكا الشاعر المثالية مثل أمريكا الرئيس الجديد كانت وعودًا، مع أنها لا تزال تنقسم وتتفت، حول العرق والدين، حول المساواة السياسية والعدالة الاجتماعية.

أمريكا الشاعر والرئيس لا تبر بوعودها.

لنعد إلى منصة التنصيب ثانية. ولنفتح عيوننا على اتساعها أن على المنصة ومن حولها عدوان جاهزان: الإرهاب الأبيض والكورونا، ولعل من حسن حظ بايدن أن يدخل عهده الجديد مصحوبًا بأعداء جاهزين يستطيع أن يُعلّل كل إخفاق بهما، دون الاضطرار إلى إضاعة الوقت والطاقة في اختراع أعداء لفترة حكمه.

بايدن الآن بطل، لكن هل سيعالج جذور جروح الولايات المتحدة؟ أم سيواصل محاربة الأعراض فقط في مجتمعه المبني على الدم منذ البدايات؟

"الديمقراطية انتصرت". ربما لو فاز ترامب لقالها أيضًا. وعلى الرغم من كل ما يشوب الديمقراطية الأمريكية من عطب، خصوصًا في النظام القائم على فكرة المجمع الانتخابي، فليست هي من انتصرت أبدًا. من انتصرَ هو الخوف. انتُخب بايدن لئلا يُنتخب ترامب. إنه رئيس ضدّ، اختِير بفضل نعمة رغبة عدد كبير من الناخبين بإقصاء خصمه. وخير مثال في هذا هو الرؤساء الفرنسيون في العقود الأخيرة: ساركوزي رئيس لأنه ضد رويال، وهولاند لأنه ضد ساركوزي، وصولًا إلى ماكرون الرئيس لأنه ضد لوبان.

اقرأ/ي أيضًا: انقلاب فاشل.. ديمقراطيون وجمهوريون في مواجهة ترامب بعد أحداث "الأربعاء الأسود"

الرئيس الضدّ الذي وصل بعد تسونامي الملك المجنون دونالد ترامب لن يحقّق الشفاء الذي تحتاجه بلاده، فوجود مؤيدي ترامب لا يزال يقول إن هناك بركانًا مُهيّأً للانفجار، وحتى لو ذهب ترامب نفسه فإن الترامبية باقية، وهناك، كما يُقال، من هم جاهزون لكي يلعبوا دور القيادة فيها.

بايدن الآن بطل، لكن هل سيعالج جذور جروح الولايات المتحدة؟ أم سيواصل محاربة الأعراض فقط في مجتمعه المبني على الدم منذ البدايات؟

يروق بايدن لليبراليين البيض. إنه يعالج مسائل العدالة دون مسّ أناهم الهشة. كأنه التميمة التي تقول: انظروا.. كلنا متساوون. انظروا، إننا كبِيض، نحبّ الناس من جميع الألوان.

هؤلاء البيض في الولايات المتحدة، وفي أمكنة أخرى من العالم أيضًا، لا يريدون مواجهة الحقيقة غير المريحة التي تقول إنهم يملكون الكثير لأن الآخرين يملكون القليل، والقليل جدًّا.

عنف الشرطة، على سبيل المثال، لا يكمن في أنه عدوانية عند عدد قليل من الرجال البيض، ولا تُحَلُّ هذه المشكلة بالإعلان أن هؤلاء على خطأ. ثمة حاجة إلى النظر في العقلية التي تجعلهم يتصرفون بشكل مفرط في العنف مع السود.

منذ بداياتها والولايات المتحدة مجتمع استعمار استيطاني راكمت الكثير من ثرواتها بسبب العبودية. اكتسبت أرضها من السكان الأصليين وعمالتها كانت على ظهر السود، ومن الناحية الأخلاقية يجري نكران ذلك كله. كما أن أوجه عدم المساواة في الوقت الحاضر لا تزال خارج النقاش الجدي، وذلك نتيجة حاسمة للكيفية التي بُني فيها هذا المجتمع، عبر قرون وأجيال من الاضطهاد والفقر وعدم الاحترام والصدمة، سيكون من الطبيعي أن تقول الإحصائيات إن السجن يطال عددًا أكبر من السود، كما يُغرق الفقر المدقع السكان الأصليين.

إذا كان بايدن يريد تغييرًا حقيقيًا فلا بد من أجل ذلك من التسبّب بأذى لمصالح الليبراليين البيض الذين يصفقون له الآن بحماس

في عام 2009، أقر مجلس الشيوخ الأمريكي اعتذارًا رسميًا لجميع الشعوب الأصلية في الولايات المتحدة، ووقّعه أوباما في كانون الأول/ديسمبر 2010. مشروع القانون تاريخي من ناحية، لكن فيه عيوبًا عميقةً من ناحية أخرى، إذ لم يتطرق إلى قبائل محددة، ولم يُسوي أو يدعم دعاوى قانونية، كما أنه يُقدّم "باسم شعب الولايات المتحدة"، وليس باسم الحكومة الأمريكية، والغريب أن البيت الأبيض لم يُعلن هذا الاعتذار رسميًّا.

اقرأ/ي أيضًا: حفل وداع ترامب.. جرد حساب ووعود بعودة

يُضاف إلى كل ذلك الإصرار على التعامل مع ملف السكان الأصليين كموضوع تاريخي مضى وانتهى، بينما على الأرض لا يزالون يتعرضون لمشروع محو مستمر، وسلب لأرضهم التي يتم تحويلها إلى حقول للنفايات النووية، وتصبح أجسادهم الضحية الأولى لـ"التقدم" ولـ"إله الحديد" كما كانت أجساد أجدادهم. وللمفارقة، ربما يتبنى الرئيس الجديد خطابًا بيئيًا أو "أخضر"، لكنه خطاب سيبقى موجهًا للطبقات الوسطى البيضاء.

نكران الإبادة ليس سوى مراعاة لحساسية البيض، الذين لا يزالون في غالبيتهم يُحجمون عن تحمل المسؤولية الجماعية عن استعباد وقتل وإفقار الملايين من الناس، إلا أنهم يمتلكون الجرأة الكاملة ليقولوا إن بلدهم هو أقدم ديمقراطيات العالم.

إذا كان بايدن يريد تغييرًا حقيقيًا فلا بد من أجل ذلك من التسبّب بأذى لمصالح الليبراليين البيض الذين يصفقون له الآن بحماس.

في مقال نشر عام 2014، طالب الروائي والصحفي تا - نيهيسي كوتس الحكومة الأمريكية بأن تدفع تعويضات عن قرون من العبودية والعنصرية المؤسسية وسياسات الإسكان التمييزية. إن مسألة التعويض عن الرق مسألة قديمة مثيرة للجدل. وعلى كل حال هناك فرصة لاختبار مُبكر لبايدن وهاريس، حينما يواجهان مشروع قانون التعويض للأمريكيين الأفارقة "H.R. 40" الذي سيفتح هذا النقاش علنًا.

تعمّقت مآزق أمريكا التي توارثها رؤساؤها من أنها لطالما أديرت بعقل أبيض، وها هي الآن حين يتسلّم جو بايدن زمام الحكم في بلد أنهكه رئيس بعقلية بيضاء إلى درجة الوقاحة، فكل ما عليه لكي يحقق الوحدة والبداية الجديدة، ولكي يؤكد انتصار الديمقراطية، هو ألا يكون أبيض، فهل يستطيع؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

أماندا غورمان.. شاعرة تنصيب بايدن

بركاتك يا بايدن