تعرف إلى أهمية دور المونتاج في الفيلم السينمائي

تعرف إلى أهمية دور المونتاج في الفيلم السينمائي

بيبي أندرسون وليف أولمان في فيلم برسونا (Getty)

وفقًا للمخرج ألفريد هيتشكوك فالمونتاج ليس مجرد قطع للمشاهد ثم لصقها بطريقة أو بأخرى، لأنه عند قطع صورتين أو مشهدين ووضعهما إلى جانب بعضهما البعض هناك فكرة ثالثة تظهر إلى العلن، فاللقطة الأولى تحمل فكرة، واللقطة الثانية تحمل فكرة أخرى، وسينتج عن جمع الفكرة الأولى والفكرة الثانية وفق تسلسل محدد، سينتج فكرة ثالثة تكون هي الهدف من وراء عملية القطع ثم اللصق بالطريقة المحددة التي تمت بها.

لا تكمن قوة الفيلم في طبيعة لقطاته ومشهدياته وكادراته، إنما تصبح القوة مضاعفة مع كيفية تنسيق هذه اللقطات وقطعها ووصلها

لنتصور لقطة أولى: أم تلاعب طفلتها. ثم لقطة ثانية: رجل يراقبهما ويبستم. ستكون الفكرة الثالثة المتولدة: أنه رجل لطيف ومتعاطف. الآن لنتخيل صورة: فتاة ترتدي المايوه. ولقطة ثانية: الرجل نفسه يراقبها ثم يبتسم. ستكون الفكرة الثالثة الناتجة عن عملية المونتاج تلك: إنه رجل قذر.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "I’m Thinking of Ending Things".. حكاية سجينٍ في خياله

لنفكر في المسألة هندسيًا كالتالي: لدينا مثلث بثلاث أضلاع، والزاويتين عند القاعدة ينتج عن انحنائهما زاوية في رأس الهرم تكون هي الفكرة الثالثة. وكلما تبدلت منحنيات الزاويتين في القاعدة كلما تبدل شكل المثلث برمته! إنها عملية جمع عنصرين ينتج عنهما عنصر ثالث، وهذه العناصر ربما تكون أفكار أو مشاعر وأحاسيس وعواطف وتهيؤات وأحلام وعلاقات إنسانية وأمنيات وتصورات وأمكنة ومسافات ومساحات وأزمنة وغيرها.

وكما في الفلسفة حيث "الطريحة + النقيضة = الجميعة" فكذلك هو الأمر في المونتاج حيث إن الفكرة المتولدة عن الطرح الأساسي والفكرة المتولدة عن النقيض تؤديان إلى فكرة "الجميعة"، أي أنها فكرة نتجت عن مجاورة الطرح ونقضيه. والفكرة النهائية "الجميعة" تصبح بدورها من جديد فكرة طريحة وتلتقي بفكرة نقيضة وينتج عنهما فكرة جميعة. هذه العملية المتشابكة تدفع عجلة الفيلم إلى الأمام عبر خلق ظواهر جديدة داخل الفيلم باستمرار بفعل المشاهد الممنتجة.

بالتالي تصبح قوة الفيلم ليست فقط في طبيعة لقطاته ومشهدياته وكادراته، وإنما تصبح القوة مضاعفة مع كيفية تنسيق هذه اللقطات وقطعها ووصلها. وكذلك لا تصبح قوة اللقطة في مضمون اللقطة بذاتها، بل في مكان تواجد هذه اللقطة في سياق المشهد والطريقة التي تعرض فيها.

يسمح المونتاج كذلك بالقفز عبر الأمكنة والأزمنة المختلفة بسهولة أثناء سرد القصة، مما يحيل على خلق أفكار وأحاسيس جديدة تنتج عن عملية القفز الهادفة بصريًا. يضاف إلى ذلك، أن النص والحوار يغدوان ذوي طبيعة ثانوية إذا ما قورنا بالصورة التي تتقدم لتصنع المعنى للفيلم عبر التوليفة الكلية للقطات المركبة.

بمقدور المونتاج أن يخلق الاضطراب عند المشاهدين، وهي مشاعر وأحاسيس يتم تحفيزها واستثارتها بكثرة من قبل المخرجين. والاضطراب ينتج عن سرعة الحركة في عملية المونتاج أي السرعة في قطع ووصل المشاهد، وغالبًا ما تكون بعض المشاهد كأنها مقتطعة من الأحلام وهي ذات طبيعة مشوشة غير واضحة وغير مكتملة الملامح أو تحتوي امتزاج ألوان متعددة.

بمقدور المونتاج أن يخلق الاضطراب عند المشاهدين، وهي مشاعر وأحاسيس يتم تحفيزها واستثارتها بكثرة من قبل المخرجين

بذلك يشعر المتلقي بالحماس والتوتر والتشويق جراء ما يشاهده من تكثيف في سرعة الصور البصرية والأصوات، أو جراء تكرار المشهد ذاته عدة مرات متتالية، كما في فيلم Her للدلالة على أن البطل يرزح تحت وطأة أفكاره الماضية التي تطارده وتضغط على حياته الحاضرة دون القدرة على التخلص منها.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "كارديك".. الرغبة بتغيير العالم

ناهيك عن عنصر مهم جدًا ألا وهو "الجمالية" التي تؤديها عملية المونتاج فيما إذا كانت متقنة وحرفية، وارتباطًا لطبيعة المونتاج يتولد الجو العام للمشهد Atmosphere ومدى فعاليته في خدمة الفيلم ككل، وينتج عنه أيضًا التكثيف في الأفكار والعمق في الطرح.

ويمكن على سبيل العرض لأحد مشاهد الاغتصاب البسيطة والواضحة في فيلم عربي: المغتصب يتقدم للانقضاض على الضحية التي تبدأ بالصراخ، ثم يتم قطع المشهد والانتقال مباشرة إلى مشهد قطار يدخل في النفق المظلم، وهكذا يستنتج المشاهد أن جريمة الاغتصاب قد تمت، وبأن المغتصب ولج الضحية.

من أين تولدت الفكرة الثالثة علمًا أنها ليست موجودة البتة بصريًا في الفيلم؟ الإجابة: لأن المونتاج يحمل رموز يجب تفكيكها. بالمثل يمكن الذهاب إلى فيلم أكثر تعقيدًا بكثير لتفكيك رموزه وهو فيلم Eternal sunshine of the spotless mind لنجد أن كل عملية من عمليات المونتاج طيلة الفيلم بأسره تخدم فكرة وهدف ومعنى محدد.

انغمار برغمان استخدم المونتاج من أجل دمج صورتي بيبي أندرسون وليف أولمان لينتج عنهما شخصية ثالثة جديدة تشبه الممثلتين معًا. تركت مشهديات الفيلم بصمة كبيرة في السينما ولا زال حتى اليومي يعتبر فيلم برسونا (1966) لبرغمان تحفة فنية. وأما ألفريد هيتشكوك فقد استخدم تقنية المونتاج الصوتي لأحداث ماضية لتكثيف الأفكار التي تدور في عقل بطلة الفيلم أثناء قيادتها للسيارة في فيلم Psycho عام 1960. وفي عام 1970 استخدم فرانسيس فورد كوبولا المونتاج في مشهدية فذة في تحفته The God Father ليظهر للمشاهد ولادة أعنف رئيس عصابة "مايكل كوروليوني" في مفارقة مبدعة بين معمودية الطفل التي تشير إلى السلام والخير، وبين الجرائم والاغتيالات والشرور التي قام بها كوروليوني ولطخت يداه بالدماء.

المونتاج مصطلح فرنسي يعني "التجميع" أو "التحرير" ويستخدم أيضًا مصطلح "التوليف"

المونتاج مصطلح فرنسي يعني "التجميع" أو "التحرير" ويستخدم أيضًا مصطلح "التوليف". استخدمت هذه التقنية في بداياتها في عشرينيات القرن الماضي لدمج صورتين ثابتتين أو مشهدين متحركين سويًا فوق بعضهما البعض، بحيث يتحركان في الوقت ذاته ويمكن تتبع حركة كليهما. وفي الثلاثينيات اقترح أيزنشتاين نظرية جديدة قوامها "المونتاج العامودي" وعناصره "الصوت والصورة" حيث ترافق الصورة أصوات مغايرة متعارضة مع ما توحيه الصورة فيتولد عن ذلك معنى ومغزى جديد. أو تتبع الصورة إيقاع صوتي محدد كما في فيلم Whiplash.

اقرأ/ي أيضًا: 4 أفلام لبنانية.. في الحرب وخارجها

ومع بداية السبعينيات والثمانينيات صار المونتاج يستخدم تقريبًا في كل فيلم مهما كانت طبيعة الفيلم سواء رومانسيًا أم كوميديًا، وحتى أن المونتاج دخلت كتقنية في مجال استثارة المزيد من الضحك في الأفلام الكوميدية. وأشار المخرج السوفييتي سيرجي أيزنشتاين في "مقاربة جدلية/ديالكتيكية لشكل الفيلم" بالقول إن "المونتاج هو عصب السينما"، ويعتبر هيتشكوك أن "المونتاج العامود الفقري للسينما".

أما نظرية المونتاج السوفييتية فهي نظرية في السينما تتناسب مع المنظور الأيديولوجي الشامل في السياسة والمجتمع والفن والثقافة، اعتمدها صناع السينما السوفييت من أجل التأثير في الجماهير. في أحد أفلام سيرغي أيزنشتاين يتم عرض مشهد للعمال ثم يلي ذلك مشهد أخر لبقرة يتم نحرها لتكون الخلاصة التي يود أيزنشتاين إيصالها تنص على أن العمال يتم استغلالهم وذبحهم من قبل الطبقة البرجوازية الحاكمة.

هكذا تخدم تقنية المونتاج ثيمة "الاستعارة" الموجودة أصلًا في اللغة والأدب ونقلها إلى الصورة البصرية. ففي فيلم Battleship Potemkin الصادر عام 1925 لأيزنشتاين يظهر فيه أصابع جندي تلامس السيف تليها أصابع كاهن تلامس الصليب في إشارة تحالف منظومة الفساد في الدولة والكنيسة. فتلعب هذه التقنية جزءًا في مسار سرد القصة الكلية في الفيلم.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "Her".. هل يمكن أن تنشأ علاقة عاطفية بين الإنسان والآلة؟

أفلام غاسبار نوي.. التحرر المطلق من كل مألوف