تحقيقٌ استقصائيٌّ حول الريح

تحقيقٌ استقصائيٌّ حول الريح

فوتوغرافيا لـ غطفان غنوم/ سوريا

1

أأنتِ من لفحتْ وجهَ الراعي في القصّة المدرسيّة؟

أم من قوّضتْ أركانَ سدوم وعمورة؟

أم أنتِ الشخصيةُ الحاسمةُ

التي صنعت الأرض والسماء،

في قصّة الخلق؟

 

ألكِ عمرٌ تموتين آخرَهَ؟

أم لعلّكِ استأثرتِ بالأبدية

وتركتِ لنا التلهّي بالقصص عنها؟

 

من أنتِ؟

ماذا تبتغين؟

هل أنتِ من سألتُهَا قبل دقائق،

أم أنّكِ ريحٌ أخرى،

يا ريحُ؟

 

2

لأنّها رافقتِ الأجساد أكثرَ من ملابسها، أكثرَ من أوراقها وريشها وصوفها، أكثر من عريّها؛ مثّلوا بكِ الروحَ حين توصّلوا إلى العبادة، وبعد قرونٍ من الصّلوات والقرابين لآلهة لا تجيد الطيران، خفّفوا حدّة المفارقة وأضافوا إلى أصنامهم أجنحةً.

 

كل ما يحدثُ تقليدٌ لها: المشي والركض، الغد، الأغاني

لا شيء خارجها

لا شيء من دونها.

 

ليست كتابًا وإلا لمَ لمْ يأت قرّاؤها؟

ليست طعامًا وإلا لمَ لمْ يلتهمها الجوعى؟

ليست مسرحًا وإلا لمَ لمْ نقوَ يومًا على الرقص فوقها؟

 

هي البرهانُ،

لم ترفعِ السماء على أكتافها

فالسماء، وكذلك الأرض ونحن،

ظلالٌ تحتها.

 

هي الميزانُ،

ما من أشياء تعادلها في الموازين: الماء يأسنُ، يهرب، يجفّ.. حين تقرّر وصلًّا أو صدًّا. النار أقلّ من أن توضع إلى جنبها، فلولاها ما اشتعلت بين الأيدي شرارةٌ. الترابُ عبدها المأمور ينتظر أن تمدّه بالماء أو بالنار، أو بهما معًا، ليصير مساكب للخضار أو حجارةً، أحيانًا تنثره رمالًا على مساحاتٍ سرّية لجنونها، تسمّيها الصحراء.

 

أجمع أقوالًا فيها:

- أين تنام؟

- نحن سريرها.

 

- ماذا تأكل؟

- تُفطر أحلامًا وتتعشّى كوابيس

بينهما تتحلّى بأحلام اليقظة.

 

- أين تعلّمتْ؟

- في انفجار الكواكب.

 

- هل تزوّجت؟

- لا ندري!! لكنها، بكل تأكيد،

تترمّل كلَّ يوم.

 

3

في بريّة يتسيّدها راعٍ صغير يلاعب خرافه، توقّفتُ أسأله شربة ماء فمدّني بها، وفي لحظة زهوٍ بريء عرض عليّ مخطوطة وجدها في خرائب عندما راح يبحث عن أعزّ حملانه.

 

قال الفتى: "لستُ بقارئٍ

هلّا تلوْتَ عليَّ هذي الصحائف!".

 

يروي الكتاب القديم الوقائعَ الأخيرة في مدينةٍ تنتظر غزاةً، كتبها شيخٌ بمنطق الشاهد.

يروي الكتاب القديم حملةَ الضرائب شرعَ فيها جباةُ الوالي لتجهيز جيش يواجه الغازين خارج أسوار المدينة، لكنّ الجنود الذين لم يصمدوا أكثر من ساعةٍ في المعركة عادت أجسامهم قذائف من منجنيقات الغزاة، وفيما راح الأهل يجمعون أشلاء أولادهم من سطوح البيوت هربَ الوالي وأعوانه بما استطاعوا من ذهبٍ وخيول.

يروي الكتاب القديم، بأخطاء كثيرة لشدّة ذعر كاتبه، كيف انفتحت بوّابة المدينة ودلف الجيش الغازي ليحرق دكاكينها وأسواقها، ويأخذ سكانها أسرى.

يروي الكتاب القديم خطبة السلطان الجديد الملأى بالوعود والآمال، بينما جنوده يبيعون الأسرى جرعة الماء.

 

في هامشٍ خطُّهُ مختلف، أضاف شخصٌ ملاحظةً عن موت الشيخ، صاحب الصحائف، بعدما صعد إلى مئذنة مسجده ليدعو ربّه إرسال الرحمة للضعفاء فجاء الجواب على الفور صخرة منجنيق قصّت قامة المئذنة ودفنته تحت ركامها.

 

بكى الراعي الفتى

قال:

"هذه حكاية جدّي

سمعتها مرارًا

ولم أكن أعرف أنني أحملها

طوال حياتي

في جرابي".

ومضى راكضًا إلى الأفق

كي يصرخ به كما يليق بالرعاة.

 

في هامشٍ آخر، وبخطٍّ لا يشبه سابقَيْه، قرأتُ قصّة المجنونة الحبلى.

 

كتب صاحب الهامش:

"منذ فقدت عقلها تطوف الشّوارع صارخةً:

الريح دائرة ترسم نفسها هبوبًا يدور على هبوبٍ

الدائرة مركزها الصوت

محيطها الصدى

وفي دورانها تتناسخ دوائر

تقتلع اللغات من كل ناطقٍ:

الناس، البهائم، الطيور، الأنهر..

لتحيلها كتمانًا لا ملمح فيه

لا معنى له

سوى الصّفير".

 

كتب صاحب الهامش:

"شوهدتِ المجنونة عاريةً تفتح ساقيها على صخرةٍ يتقاطع فيها مسار الهواء بين جبلين، وظلّت تسلّم نفسها لهواءٍ يداعب أحشاءها ويدخلها حتى انتهت حبلى".

 

كتب صاحب الهامش:

"كَبُرَ بطنها، كَبُرَ حتى لم تعد تقوى على حمله، فجلستُ منفرجة الساقين تنتظر ساعة المخاض".

 

أضفتُ هامشًا يجب أن يُضاف في الصفحة الأخيرة:

"ولدتِ المجنونة الحبلى عاصفةً

العاصفةُ اقتلعتِ المدينة".

 

4

نمتُ في باب مغارة

من تعب المسير.

 

صحوتُ فوجدتُ نسرًا على حجر كبير يراقبني

"هل متُّ؟ هل جاء يأكل جثتي؟".

انتصبتُ لهرب لا رجاء فيه أمام جناحٍ يسخر من السرعة والمسافات

فصار النسر الأصلع رجلًا كاملًا شعره ريش.

 

"اهدأ" قال.

"أنتَ في بيتي" قال.

"المعذرةَ،

لم أنتهك البيت

نِمْتُ بالباب وحسب" قلتُ.

 

أجلسني جواره ورحتُ أحاول فهم الوشوم التي تغطي جلده

رآني فعلّق: "لن تفهمها حتى تفهم القوى العنيدة التي نحاكيها

لن تفهمها ما لم تدخلِ الغيبوبةَ لتصلحَ أخطاء العالم".

 

دلفنا المغارة وفي أعماقها شاهدتُ جداريته السرية. رأيتُ مشهد صيدٍ مرسومًا بعظام الفرائس ملوّنًا بدمها. خِفتُ من رسم المجزرة بالمجزرة، من جعل الجريمة حيّةً، فقال: "هكذا أصلّي للريح!".

 

سألتُ الرجلَ النسر: "ما الريح؟"

أجابني: "الريح نحن..

نحن الذين أضعنا صورتنا".

 

وبعد برهةٍ أضاف: "متاهةٌ تهيم فيها نظرات المخلوقات إلى ما بعد موتها، ودوّامةٌ تجذب الأفواه، واحدًا واحدًا، منذ انشقَّ الفم الأول في الوجه الأول، وحين يتقرّر إطلاق سراحها ستقول الأفواه: لأننا الريح نعرف اللغات كلها.. وتقول الأعين: لم نر غير الريح.. رأينا كلّ شيء".

 

أشار إلى الجبال من حولنا، وهو يقول إنّ في كل حجرٍ من حجارتها صورةً، وعلى الجميع، بشرًا وحيوانًا، البحث عن وجوههم هناك ليعرفوا المصائر المكتوبة. وهتف بسخريةٍ: "لكنّ ذلك درسًا لن يتعلمه أحدٌ قبلَ الطيور".

 

قال: "شاهدتُ وجهي، وعرفتُ ما لم أعرف عمّا مضى، وعرفتُ ما سأعرفه عما سيأتي حين يأتي. من الماضي عرفتُ أمي المثقلةَ بالعار. ولدتني على شكلِ عاصفةٍ هدمت مدينتها بعد الغزوّ مثلما يُجهز الجندي على صاحبه الجريح جرحًا لا أمل بشفائه. وحين أتمت العاصفة تهديم المدينة استقّرت في هذا الكهف فكنتُ، وكان مهدي وسيكون قبري".

 

قال: "أنا ابن الريح، كل ما أفعله ملاحقتها، ورغم أنني متأخرٌ عنها لكنني غنمتُ فضيلة الذهاب، وها أنذا أزور القبائل في مضاربها أو في قراها لأتلو عليهم الصلاة".

 

قلت: "ما الصلاة يا حكيم؟".

قال: "قلتُ لك قبل: غيبوبة".

 

في كهفه الذي قضيتُ أيامي فيه نائمًا، حلمتُ أنني النسرُ الحكيمُ، أقرأ رموز الصخور، أرسمُ مجازري على جدران الكهوف، أقلّدُ صوتَ الريح ورقصها في صلاة طويلة:

"يا مدرسةَ الطيور، مرقصَ الأشجار، حلباتِ الغيوم، معسكراتِ الصوت والصدى، مستودعَ اللهاث.. يا سؤالًا راود الناس ولم يحظوا بجوابٍ عنه غير العبور، وها هم يجْرون خلفكِ في طرق مرةً تعبرينها بأثر، ومرة تعبرينها لمحوه.. متى تقولين لهم إنك الجهات كلها؟"

 

"نولد لأنّ هناك ريحًا

نموت لأن هناك ريحًا..

 

الريح التي ولدتْ من لا شيء، ومن لا أحد،

لن تموت لأنها تأكل نفسها

وتشرب نفسها

وتتنفّسُ نفسها..

 

الريحُ تلك الريحُ دينُنَا".

 

5

أخيرًا ها نحن هنا وجهًا لوجهٍ

فيا ريحُ، إليكِ أسئلتي:

لماذا تحملينَ الضوء والظلام، رسائلَ الماضي، شهواتِ النبات؟

لماذا ترسمين الخرائط وتحرثين البحار وتكرّمين الجبال دون سواها؟

لماذا توزعين الأدوار بين الموت والحياة؟

لماذا لا يحكمكِ عمرٌ؟ أين شهادة ميلاد ريح الجنوب؟ وأين مهاد الخماسين؟

لماذا لا تنتهين إلى المقابر؟ أين أضرحة النسائم والزوابع والعواصف؟

ويا ريحُ، من أنتِ؟ ماذا تبتغين؟

 

صفرّتْ قليلًا

ثم هبَّ الجواب زوابع:

"تعرفون المكان شكلًا وطعمًا ورائحةً. تُدركون حدود البيوت، تشعرونَ ملمسَ الطّرق في الأقدام، لكنّ الزّمانَ لا تعرفونه ولا يعرفكم.

 

أنا من تحرّك الشّمسَ شروقًا وغروبًا،

أنا من تأمر الليل بالصعود والهبوط،

أنا أوّل الساعاتِ وآخرها،

ولهذا أريد تثبيت كلّ ما حدث مكانَ الحدث، كلّ ما جرى حيث جرى،

داخل طوابق الزّمان،

لأرى العالم دفعةً واحدةً مُكرَّرًا الأشياءَ

من أصغر الثواني إلى أطول الأيام

مثلما حدثت تمامًا

 

أريد أن أرى الوجود طوابقَ للزّمان والمكان

أريد أن أجلوَ وجه الزمان في المكان.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مسرى الأطلال

سورٌ حول الصحراء

:دلالات