بناة سوريا ومهدموها

بناة سوريا ومهدموها

حفل تدشين جسر على معبر الدبوسية في حمص

قلما تدخل مبنى عامًا في سوريا لا تجد قرب بابه حجر أساس يحكي عمن بناه، ومتى، وفي أية مناسبة عظيمة حدث ذلك. ولا تنجو المباني القديمة من الأمر ذاته، باختلاف أن المفردات التي تشير إلى البناء والتدشين تتحوّل إلى مفردات تتحدث عن الإصلاح والترميم وإعادة التأهيل.

قلما تجد مبنى عامًا في سوريا لا تقرأ قرب بابه حجر أساس يحكي عمن بناه، ومتى، وفي أية مناسبة عظيمة حدث ذلك

المستوصف، المدرسة، قسم الشرطة، مقر البلدية، المستشفى... إلخ، كلها تحمل أسماء الرفاق البعثيين الذين دشّنوها، سواء أكانوا في مناصب متدنية أو متوسطة أو رفيعة. وكلّه بالتأكيد يبدأ بعبارة "تحت رعاية رئيس الجمهورية" التي يضاف إليها عبارة مثل "قام الرفيق أمين فرع الحزب في (...) بوضع حجر الأساس لـ...". 

اقرأ/ي أيضًا: كيف تعد ابنك للحرب؟

ولا يخفي على أحد أن كل بناء يدخل حيّز التدشين يقام له احتفال وطنيّ، من خلال جمع طلاب مدارس المنطقة وموظفيها، ليستمعوا إلى خطب الرفاق البعثيين الذي يتبارون في إلهاب المشاعر بأن الوطن يُبنى ويشاد، وأنّ العلم ينتشر والجهل يتراجع، والصحة بأفضل حالاتها والأمراض على وشك الانقراض، وكلّه بفضل "القيادة الحكيمة".

كلما كبر المشروع تعلو أسماء رعاته وترتفع مناصبهم، ويزداد التواجد الأمني في منطقة الحدث، فيصبح لافتًا للغاية العددُ الهائل للسيارات الرسمية السوداء، والمرافقون المفتولو العضلات بنظاراتهم الشمسية. ذلك هو البلد الذي صنعه دكتاتور أطلق على نفسه لقب "باني سوريا الحديثة"، وكأنه يقول بأن هذا البلد وُلد أساسًا على يديه، فهو القابلة التي أشرفت على توليده بلدًا معاصرًا من بدن بلد قديم على وشك التآكل والانتهاء، مع أن نسبة النمو الكبرى في هذه الدولة "الحديثة" لم يتصدرها إلا الفساد، أما التنمية فالعشوائيات، قبل أي شيء آخر، هي المؤشر الأول عليها، هذا إذا لم نتحدث عن تسلط الأمن على حيوات الناس.

الغريب حقًا أن تجد أسماء كبيرة، بألقاب رنانة، تملأ مدخل مدرسة في قرية نائية، في ما يشبه تسجيل منّةً على الشعب، في حين أنك تتجوّل في أنحاء العالم وتجد إنجازات حقيقية على صعيد التعليم والصحة والنقل والجماليات، معاهد بلا عدد وجامعات لها قدسية المعابد ومشافي مزودة بمهابط لطائرات الإسعاف، لكنك لا تقرأ أي اسم، الإنجاز نفسه هو الاسم والتوقيع، اللهم إلا في حالات تتصل بمعمار ما يتصل بفنان ما، أو في بناء ذي بعد تاريخي.

لعل السؤال الذي يخطر على بال كثيرين منا هو: كم عدد المدارس والمشافي والمقار الرسمية التي سوّيت بالأرض مع لوحة مدشنيها خلال هذه السنوات؟ ألا توجد، إضافة إلى اسم "رئيس الجمهورية" أسماء قياديين في الحزب الحاكم، ووزراء، ومحافظين... إلخ، لهم يد أو قرار أو رأي في تهديم المبنى؟ 

تذكرنا سخرية الأمر بقصيدة "زهور" للراحل أمل دنقل، القصيدة التي تتحدث عن إرسال الناس باقات الزهور، "الميتة" أو "المُحتضرة" إلى المرضى، كي يتمنوا لهم من خلال تلك الجثث الملونة السلامة والصحة والعمر. تلك القصيدة تنتهي بعبارة تقول: "وعلى كل باقةْ/ اسم قاتلها في بطاقةْ".. أليست المباني السورية هي الزهور؟ أليست لوحات التدشين والترميم هي لوائح بأسماء القتلة؟

اقرأ/ي أيضًا:

إسرائيل كدولة لناس كثيرين ليسوا مواطنيها

الدرس الإسرائيلي و"الفائدة الدفينة"