بعد ثورة يناير في مصر: إلى أين انصرف رموزها؟ (1)

بعد ثورة يناير في مصر: إلى أين انصرف رموزها؟ (1)

بعد رفع صورها وعلو صوتها أيام الثورة، سميرة إبراهيم تقترب من نظام السيسي (محمد حسام/أ.ف.ب)

في مصر، كان مصير الثورة العزوف والتخاذل من الكثيرين ممن شكلوا بوجودهم أضلعها، وكانوا ينقلونها للناس من خلال كتاباتهم أو تواجدهم في كل محافل المعارضة للنظام، التي أججت حماس الشباب في الشوارع. ورغم أن من أهم ملامح الثورة المصرية، أنها لم تكن ثورة البطل الواحد، إلا أن كثيرًا ممن تصدروا نشاطاتها، خذلوها فيما بعد، البعض خذلها بالصمت رغم عدم ارتمائهم بأحضان النظام، مثل وائل غنيم، الذي ابتعد تمامًا عن المشهد المصري، بعد كثير من محاولات التشويه والتخوين التي طالته، وكثيرون مثله اختاروا هذا الطريق وهو أقل الضررين.

الكثير ممن اعتبرهم المصريون رموزًا للثورة تحولوا إلى مناصرة النظام الذي خرجوا ضده في ثورة 25 يناير ومنهم بثينة كامل وسميرة إبراهيم

أما آخرون فقد سقطوا سقوطًا مدويًا فحدث ما أسماه  البعض "محرقة الرموز"، التي وقع فيها بعض من كانوا يحسبون أنفسهم على التيار الثوري في مصر. وأصبحوا يسطرون مع النظام الحالي التاريخ الجديد القبيح لمصر اليوم.

في جزأين نرصد هذا التحول وملامحه ونتتبع تاريخه لنفهم كيف يمكن للإنسان أن يكون الفكرة ونقيضها في حياته، وأن الثورات تحييها الأفكار لا الأشخاص.

اقرأ/ي أيضًا: المغتربون في ذكرى الثورة: الظلم في الوطن غُربة!

1 ـ وائل غنيم

كان الأمن يدجج قواته للبحث عن صاحب الصفحة، التي زارها مليونا شخص ووصل عدد أعضائها إلى 300 ألف عضو، كان يثير غيظ السلطات وقتها أن شخصًا واحدًا يقيم بالخارج يهدد نفوذهم وهيبتهم في الشارع وهي التي لم تهدد بهذا الشكل طيلة 30 عامًا متكلسة.

ترك الشاب عمله وهو الذي كان يعمل في واحدة من أهم الشركات في العالم، جوجل، وعاد إلى مصر ليشارك في حركة التمرد التي دعا لها، ولربما لم يكن يدور بخلد الفتى أنه سيتم اعتقاله ولن يعرف لأيام شيئًا عما يجري خارج قضبان زنزانته، وما نتج من إسقاط رؤوس واشتعال ثورة.

تمر السنوات السبع العجاف على الثورة وتتساقط الرموز، ويبدو موقف وائل غنيم وتصريحاته ثابتة ومعلنة، أسمته الصحف الرسمية والقنوات التي تدعمها بـ"مناضل الكيبورد"، وأنشئت صفحات ضده على فيسبوك مثل كارهي وائل غنيم، وهي الصفحات التي أخذت على عاتقها التشكيك فيه وشتمه ووضع كلامه في سياق شتم الجيش والشرطة وهي التهمة المعروفة.

تعرض وائل غنيم لعدة محن بعد ثورة 25 يناير لاحقته حتى العام الماضي، وكان منها رفع دعوى بإسقاط الجنسية المصرية عنه وقد فصل القضاء برفض هذه الدعوة. لكن بعد هذه الحادثة خاصة ابتعد وائل غنيم عن الساحة السياسية في مصر، ورُصد له إبان الدعوة لثورة "الغلابة" في مصر، قوله أن لا علاقة له بها، مع إشارته إلى أن "النفخ في بالون الفقر في مصر سينفجر في وجه من يغذيها بالغضب".

2 ـ سميرة إبراهيم: من كشوف العذرية إلى مؤتمر الشباب

كانت شهادة سميرة إبراهيم محمد، البالغة من العمر وقتها 25 عامًا، أغرب وأجرأ شهادة سمعها الشعب المصري إبان أحداث ثورة 25 يناير، فهي التي قد فجرت قضية "كشوف العذرية" داخل أروقة السجن الحربي. كانت شهادة سميرة وقتها حادة وصادقة وإنسانية بشكل جعل العديد من المنظمات النسوية والمدنية بشكل عام تتضامن معها ومع قضيتها.

مع مرور الوقت، تحولت سميرة إبراهيم إلى ناشطة سياسية، وفي عام 2015، فوجئ الجميع بسميرة إبراهيم تترشح لانتخابات البرلمان، التي عُرفت وقتها بسوء سمعتها ومقاطعة الشباب لها على الهاشتاغ الشهير #بدل_ما_تنتخب وكانت نسب الإقبال عليها ضئيلة. وكانت سميرة وقتها تنافس على كرسي فردي للشباب في أسيوط.

ولم تتوقف سميرة إبراهيم عن مفاجأة الرأي العام، ففاجاتهم بدعوتها من قبل النظام إلى المؤتمر الوطني الأول للشباب كممثلة لإحدى مبادرات الشباب، وكانت ردة فعلها على الدعوة قولها إنها "فوجئت بها ولم تكن مستعدة لها لكنها سعيدة بذلك!".

اقرأ/ي أيضًا: أقرباء مبارك وبن علي.. للواجهة في يناير الثورة

تلا ثورة يناير فرز جديد في مصر لكثير من الفاعلين السياسيين والنشطاء أيضًا

3ـ بثينة كامل: الثورية إلى أجل مسمى

بثينة كامل لم تكن يومًا وجهًا ثوريًا معروفًا، كانت مذيعة لبرنامج اعترافات ليلية، يحظى بنسب استماع عالية في القطر المصري، لكن مع بدايات ثورة 25 يناير صارت مع الثورة، شوهدت وهي تحضر جلسات المحكمة في قضية سميرة إبراهيم ويتعكز على ذراعها الشاب أحمد حرارة، الذي فقد نور عينيه في أحداث الثورة.

كانت "بثينة كامل الثورية" النسوية الأنشط في مصر خلال سنوات الثورة الأولى، وكانت أول امرأة ترشح نفسها في سباق الانتخابات الرئاسية الذي أعقب الثورة. وبعد تاريخ من إدانة المجلس العسكري وممارساته ضد الدولة، وكشفها عن فضائح فساد كبيرة داخل ماسبيرو، وفضائح جنسية، وبعد غياب قليل عن المشهد السياسي في مصر، خرجت بثينة كامل لتعلن أن الرئيس عبد الفتاح السيسي هو رجل مصر الأول بحق، وهو رمز لمحاربة الإرهاب.

كما علقت على التفويض الشهير الذي طالب به السيسي الشعب لمواجهة الإرهاب باعتباره واجبًا لدعم "جيشنا أمام العالم".

هكذا تحولت فكريًا الكثير من الشخصيات التي اعتبرها المصريون رموزًا للثورة في 25 يناير، إلى مناصرة نفس المؤسسة السياسية التي خرجوا ضدها في ثورة الخامس والعشرين من يناير وكثير منهم صمد وتمت مصادرة حريته أو حقه في الحياة، وآخرون سقطوا في أعين الرأي العام الذي صدقهم في المرة الأولى. كان ما تلا ثورة يناير فرزًا جديدًا لكثير من الشخصيات التي سيتوالى ذكرها في جزء ثان سيلحق قريبًا. 

اقرأ/ي أيضًا:

عزمي بشارة.. الحفر في الثورة المصرية (1- 2)

عزمي بشارة... تحولات الثورة المصرية (2- 2)