"اليوتيوبرز" في الجزائر.. قوة المنصات الحرة الناعمة

اليوتيوبر الجزائري مهدي حاجي (الترا صوت)

في الجزائر، السنوات الأخيرة، بات عشرات الشّباب بأسماء حقيقية وأخرى مستعارة لكن معظمها لامعة ومعروفة، يُدخلون مصطلحاتٍ جديدةً إلى القاموس الشّعبي، مثلما فعل شمس الدّين عمراني المعروف بـ"دي زاد جوكر" قبيل الانتخابات التشريعية الأخيرة، من خلال فيديو حمل عنوان "ما نصوطيش" المحوّر من الكلمة الفرنسية "ما نفوطيش" أي لن أنتخب، وهو ما خلق حالة من الاستياء لدى الدّوائر الحكومية، حيث باتت هذه الكلمة سارية على ملايين الألسنة، ثم تجسدت يوم الانتخاب، في واحدة من أضعف نسب المشاركة الشّعبية منذ الاستقلال الوطني.

استغل بعض اليوتيوبرز الجزائريين نجاحهم السريع وانتشارهم خاصة في الأوساط الشبابية لينتقلوا إلى التلفزيون وهو ما انتقده الكثيرون واعتبروه تراجعًا عن توجهاتهم

استغلّ دي زاد جوكر هذا الألق، فانتقل إلى شاشة التلفزيون، من خلال الومضات الإشهارية لمنتجات تجارية، وبرنامج متخصّص في الكاميرا الخفية. وهو السّلوك الذي انتقده قطاع واسع من محبّيه، إذ رأوا فيه خيانة لخيار اليوتيوبر/ البودكاستر، الذي ينأى بنفسه وخطابه عن القنوات التقليدية، مثل شاشات التلفزيون.

هذه الأيام وفي موجة الانتخابات البلدية في الجزائر، كرّر التجربة أنس تينا أحد أشهر اليوتيوبرز في الجزائر، من خلال فيديو "راني زعفان"، أي أنا غاضب. باستثماره في العديد من الحوادث، التي شغلت الرّأي العام في الشهور الأخيرة، مثل المرأة الحامل، التي ماتت وجنينها عند عتبة المستشفى، لأنها لم تجد من يستقبلها فيه، وحذف البسملة من الكتب المدرسية.

اقرأ/ي أيضًا: ملصقات الانتخابات البلدية في الجزائر.. إخفاق في حرب الصورة

غير أن الفيديو قوبل ببرودة من طرف روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، لأنهم رأوا فيه تقليدًا واضحًا لفيديو "ما نصوطيش" لدي زاد جوكر. يقول الصحفي عبد الله بن مهل لـ"الترا صوت": "دي زاد جوكر خان خطابه بانتقاله إلى الشّاشة التقليدية، بصفتها منصّة رسمية بينما كانت شهرته ثمرة لليوتيوب بصفته منصّة حرّة، وأنس تينا خان خطابه بالتّقليد". ويضيف: "علينا أن نكون مبدعين، ونحن ننتقد غياب الإبداع لا العكس".

شهد عام 2016 حدثًا ساهم في رصد ملامح ظاهرة اليوتيوبر في الجزائر، وهو إقدام الكاتب والإعلامي يوسف بعلوج على إطلاق منصّة "بودكاست آرابيا". ورغم الحماس الذي بدأ به بعلوج مشروعه إلا أنه انتهى إلى قناعة مفادها أن الوجوه الموجودة فشلت في صناعة رأي عام جديد. يقول عن هذه التجربة لـ"الترا صوت": "سيستغرب الكثيرون إذ أقول إني لا أرى تأثيرًا هامًّا لليوتيوبر في يوميات الجزائري، وأراه بعيدًا عن مفهوم صناعة الرأي العام. فغالبية اليوتيوبرز في الجزائر اتخذوا من موقع اليوتيوب محطة عبور للتلفزيون، وليس لديهم اهتمام بالتعبير عن الرّأي فكيف بصناعته".

يشرح بعلوج فكرته: "تجربة مشروع "بودكاست آرابيا" سمحت لي بالاقتراب من هؤلاء الشباب أكثر، وأظن أن غالبيتهم يبحثون عن إثبات موهبة في مجال التمثيل. لهذا يميلون إلى التمثيليات القصيرة، وقد نجح عدد منهم في لفت انتباه المنتجين التلفزيونيين، بحيث ظهروا في مسلسلات وحملات إشهارية بعد ذلك. لقد لاحظت أن معظمهم يشترط مسبقًا، عند التواصل معه بغرض إجراء حوار، ألا يتضمّن نقدًا للوضع العام".

اقرأ/ي أيضًا: 6 من أشهر شباب "الستاند أب كوميدي" السوريين

يعتبر بعض المساندين السابقين لتجربة اليوتيوبرز، أن هؤلاء فشلوا في صناعة الرأي العام وأن معظم التجارب حادت عن أهدافها الأولى

في اتجاه مخالف، يقول المدوّن والإعلامي أسامة حجّو إن المنصّات الرقمية بكل أنواعها كسرت الحصار عن الشباب المهمّشين في الجزائر، وأعطتهم فرصًا ذهبية لأن يعبّروا عن ذواتهم وهواجس محيطهم، "وموادهم المنشورة تتوفّر على جرعة لافتة من الإبداع والذكاء والرّفض والنقد والتطلّع إلى واقع يحكمه المنطق والعدل والجمال".

من هنا، يقول محدّث "الترا صوت"، "قرّرتُ أن أخوض تجربة في هذا الباب بأن أرصد القضايا الاجتماعية التي تشغل العامة وتشغلني قبلهم". يضيف حجّو: "من التعسّف أن نحكم على الظاهرة بالنجاح أو الفشل، قبل أن نعطيها الوقت الكافي لأن تتبلور فيه، ويقدّم وجوهها المعروفون وغير المعروفين ما لديهم، فكلّ واحد منهم  بصدد تشكيل الشخصية الخاصّة به للآن، وأرى أننا سنصل قريبًا إلى هوّية جزائرية في هذا الباب، بالمقارنة مع المَشاهد العربية والغربية الأخرى".

في هذا السياق، يسرد الممثل المسرحي مهدي حاجّي (مواليد 1997) تجربته في أن أصبح يوتيوبر وكيف استفاد من خبرته المسرحية: "في المرحلة الثانوية فكرت في خوض التجربة، من غير الوقوع في الهزل. إنني أفضّل الجدّية في هذا الباب، فأطلقت ثمانية فيديوهات تناولت فيها قضايا لصيقة بالإنسان الجزائري، مثل البرد الذي يشعر به الطلبة الجامعيون في المدرّجات والتلاميذ في المدارس".

غير أن فقداني للكاميرا، حيث سقطت مني في أحد التسجيلات، يقول محدّث "الترا صوت"، أحالني على التوقّف والبحث عن طريقة أحصل بها على آلة جديدة. كنت أدرس نهارًا وأشتغل ليلًا عند الخواص حتى جمعت مبلغًا أهلني لأن أشتري مصوّرة ولابتوب محترفين، وشرعت في تصيّد مواضيعي في الشارع. وقد لفت بعضها انتباه القائمين على الإذاعة المحلّية فقاموا ببثّها.

وجدت صعوبة في البداية مع تقبّل النّاس، يواصل مهدي حاجّي، الذي فضّل ألا يطلق على نفسه اسمًا مستعارًا، لكن إصراري كان أقوى من تحفّظاتهم، حتى صاروا هم أنفسهم يواجهونني بهذا السّؤال: "هل من جديد؟". وقد انضاف هذا السؤال إلى جملة المحفّزات، التي تجعلني أجتهد أكثر في تقديم ما ينفع ويمتع.

كنت أول بودكاستر أطلق فيديو في ولاية البيّض، 700 كيلومتر إلى الغرب من الجزائر العاصمة، وقد بتّ أدعى من طرف العشرات لأساعدهم على أن يكوّنوا أنفسهم في هذا الباب. ويختم حجيثه لـ"الترا صوت": "لقد رفضت الأنظمة السّياسية والإعلامية والثقافية في بلادنا أن تتطوّر وتتفتّح على شرائح المجتمع، بعيدًا عن التعتيم والتزوير ولغة الخشب، وهي المهمّة التي سنتولّاها نحن اليوتيوبرز".

وبعيدًا عن الأحكام المسبقة، بتأكيد النجاح الباهر أو الفشل الذريع، تتعدد التجارب في هذا الباب جزائريًا ولا يخلو بعضها من هنات أو من تغيير للأهداف الأصلية المعلنة من التجربة في حد ذاتها، لكن تحافظ معظمها على جانب من الطرافة والإبداع والتحرر، التي لا يلمسها الشباب الجزائري في وسائل الإعلام التقليدية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أطفال" الجزائر يرعبون النظام العجوز

إيقاف برنامجين سياسيين ساخرين في الجزائر