إيقاف برنامجين سياسيين ساخرين في الجزائر

إيقاف برنامجين سياسيين ساخرين في الجزائر

فريق برنامج ناس السطح (فيسبوك)

أوقفت السلطات الجزائرية برنامجين سياسيين ساخرين تبثهما قناة "كي بي سي"، التابعة للمجمع الإعلامي "الخبر" حيث داهمت قوات الدرك الوطني مقر استوديوهات تصوير برنامج "كي احنا كي الناس" و"ناس السطح" بالعاصمة الجزائرية ومنعت تسجيل البرنامجين بحجة أن التصوير يتم بطريقة غير قانونية.

أوقفت السلطات الجزائرية برنامجين سياسيين ساخرين تبثهما قناة "كي بي سي" بحجة أن التصوير يتم بطريقة غير قانونية

هل هي بداية حرب إعلامية جديدة؟ وهل الجزائر على عتبة حقبة جديدة من تعاطي الدول/النظام ع حريات الإعلام؟ وهل هي تصفية حسابات بعيدة كل البعد عن المهنية والاحترافية؟ أسئلة كثيرة تطرح اليوم في الساحة الإعلامية الجزائرية وحتى في الأوساط السياسية بعد كبح مساحة التعبير في برامج تبث في شهر رمضان.

اقرأ/ي أيضًا: إيقاف برنامج تلفزيوني يستفز الشارع الموريتاني

قبل ثلاث سنوات، أطل برنامج "جرنان القوسطو" على المشاهد الجزائري ثم تحول إلى "ناس السطح" مع الاحتفاظ بنفس التصميم والممثلين، حيث تقوم الفكرة بحسب المخرج عبد القادر جريو، خلال تصريحه لـ"ألترا صوت"، على أن "البرنامج يُشبه حال الجزائر بحال "السطح" وتعني الكلمة باللهجة الشعبية الجزائرية المكان الخالي في أعلى المنزل، و"ناس السطح" هم الجزائريون و"مول السطح" هو الرئيس و"خو مول السطح" هو مستشار رئيس الجمهورية وشقيقه".

ويستضيف البرنامج يوميًا شخصيات سياسية بارزة يؤدي أدوارها ممثلون شباب، مع تقليد صوت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وشقيقه وتقليد أصوات بعض القادة العسكريين في جرأة وبفكاهة منقطعة النظير ما جعله يحتل المراتب الأولى في نسب المشاهدة من ضمن برامج التي تعرض في رمضان في مختلف القنوات الجزائرية المحلية الخاصة.  

أما برنامج "كي احنا كي الناس" الذي يعرض أيضًا على قناة "كي بي سي" فيتطرق للواقع السياسي والأحداث اليومية ويستضيف وجوهًا حزبية ومن جمعيات المجتمع المدني وفيه الكثير من السخرية وبامتهان سقف عال من الجرأة، وهو بحسب معدي البرنامج ما أزعج السلطات الجزائرية.

ورغم أن بعض حلقات برنامج "كي حنا كي الناس" أثارت جدلًا كبيرًا على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي وسجالًا بين رواد فيسبوك وتويتر في الجزائر حول ما أسماه البعض "انزلاقًا أخلاقيًا" في التعبير، واستعمالًا لبعض الكلمات الخادشة للحياء، إلا أن جرأته الكبيرة في المقابل مكنته من احتلال مكانة لدى المشاهد الجزائري ويستقطب جمهورًا واسعًا، خاصة وأن الفكرة جديدة وتشرف عليها أسماء إعلامية بارزة في الساحة الجزائرية.  

اقرأ/ي أيضًا: صحفيون مغاربة: محاكمة سياسية لرئيس نقابة الصحفيين

الكثيرون يجزمون أن البرنامج الساخر "ناس السطح" تمكن من نيل شعبية كبيرة في أوساط الجمهور الجزائري، وتلقى اعترافًا أيضًا من المهنيين في قطاع التمثيل الساخر، نظرًا لتناوله قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تهم الشارع الجزائري دون استثناء وعرضها في قالب فكاهي وبسيط يفهمه العامة.

في هذا السياق، يقول المختص في الإعلام عمار بلقاسم لـ"ألترا صوت" أن "البرنامج بكل ما له وما عليه يقدم للمشاهد الجزائري مساحة ومتنفسًا في قراءة أوضاعه ويومياته وتسليط الضوء على مسؤوليه ويحاسبهم بطابع هزلي".   

المتتبعون للشأن السياسي في الجزائر يرون أن سقف الحريات مرتبط بالانفتاح الإعلامي، وهاهو هذا المكسب يشهد تراجعًا كبيرًا، بالنظر لما يحدث في قطاع السمعي البصري والتقويض الملحوظ لحرية التعبير في الجزائر، بعد أن طالت المقصلة هذه المرة أكبر البرامج السياسية الساخرة في خطوة وصفت بـ"الخطيرة".

ذهب الكثيرون في الجزائر إلى القول إن قرار الإيقاف بعيد كل البعد عن المهنية بل يتصل بمعاقبة السلطة لمجمع "الخبر" بعد القضية بينه وبين وزارة الاتصال

وفي هذا المنحى، ذهب الكثيرون في الجزائر إلى القول إن قرار الإيقاف بعيد كل البعد عن المهنية والاحترافية ودفتر الشروط، بل يتصل بمعاقبة السلطة لمجمع "الخبر" بسبب القضية التي رفعتها وزارة الاتصال ضد المجمع عقب بيعه لرجل الأعمال يسعد ربراب. وقد صدر القرار القضائي في حق المجمع بإيقاف صفقة البيع لفائدة أكبر رجال أعمال الجزائر، وهو المعروف بمعارضته للحكومة وعلاقته المتوترة مع النظام الحالي.

وهذا ما يذهب إليه المحلل السياسي محمد بن عمارة عند حديثه لـ"ألترا صوت"، مضيفًا أن "هناك  قطيعة كبرى بين ربراب والحكومة لأنه كان محسوبًا على جناح الجنرال محمد مدين المعروف باسم "توفيق"، والذي أقاله الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قبل أشهر وهو ما يوحي أن السلطة تحتكم لمبدأ "من ليس معي فهو ضدي"، موضحًا أن "آلة السلطة تتحرك لزحزحة كل من يعارضها في الوقت الحالي".

قرار التوقيف الذي طال البرنامجين برأي الكثيرين، "سياسي وتصفية حسابات بالدرجة الأولى" مع أصحاب مجمع "الخبر" بعد إثارة قضيتهم مع وزارة الاتصال. يرى الإعلامي مروان الوناس أن "هكذا قرارات تنبئ عن انزعاج السلطة من الأصوات المنتقدة لها في هذه الفترة"، لافتًا في تصريح لـ"ألترا صوت" إلى أن "الذين يعتقدون أن توقيف برنامج سياسي ساخر راجع إلى أنه رديء أو منحط أخلاقيًا، هم مخطئون، لأن القيم الأخلاقية ليست أولوية عندهم ولا تستدعي تدخلًا أصلاً لإيقاف برنامج أو آخر".

من جانبها، عزت السلطات عملية توقيف البرنامجين إلى عدم امتلاك المعنيين لتراخيص لتصوير برامج ذات طابع ثقافي، بحسب القائمين على "مجمع الخبر" وتحولهما إلى برامج سياسية تحتاج موافقة من السلطات المعنية، وهو ما يعني أن السلطة في الجزائر ترفض سقفًا أعلى من مكتسبات حرية التعبير، وهو ما كانت تطمح له بعض القنوات التلفزيونية في الجزائر، خاصة وقد ولدت في ظل عدم وجود قوانين تحكمها وتردعها.

اقرأ/ي أيضًا:

حريات الإعلام في لبنان.. رجعنا يا زمان

إيقاف أشهر برنامج إذاعي بموريتانيا