الوحيدون

الوحيدون

سافو كورتيز/تشيباس-المكسيك

الوحيدون
شبيهون بما يتبقّى
من مذاق الولادة في الحنجرة.
الوحيدون
ذوُو الحركة المتعثّرة كورودٍ
غير واثقةٍ من كاتالوج التفتّح
الوحيدون، ذوو الأجنحة
مدسوسةً في الدّرج خوفا من الأقفاص.
الوحيدون كالماء
يتقطّر من جُرْح جبل،
الوحيدون إذ
يتأبطّون وحداتهم كقصبات الصّيد
بحثا عن سمكةِ النّار في غسقِ البحيرة.
الوحيدون كلوحات الرّسم التي
تبدأ السّرد بعد أن يختفي الزائرون
ويغلق المتحف أبوابَهُ، الوحيدون ما أغربهم
 ينفضون عن أثوابهم غبار الشَّيء
قبل الدخول إلى حرَمِ اللاشيء.
جيئوا لهم بالصّفات
جيئوا لهم بالنّجوم
جيئوا لهم بالتفاسير والألبسة
همُ الصمتُ
 خلف نوافذ مخدوشةٍ بأظافر الأمطار
همُ الزورق منسيّا على الرّمل،
همْ
ضحكةُ الأعشاب في بريّة اللاأحد.
الوحيدون ليسوا هنالك كي نلتقي
بهمُ هنالك،
لنشرب قهوةً معهم
ونحدّثهم عن الطقس،
والظُّلمِ، وفاتورة الكهرباء.
هم مرايا فقط،
لما ليس يظهر في جهاز الفحص
هم ورقٌ عالق في الهواء
لا سقوط على الأرض لا عودةٌ
 إلى الشجرِ، الوحيدون..همْ
وحدهم وحيدون
قليلون مثل النّيازِك، 
كثيرون كالضّجر في الأفراح.
تبّا لهمْ
مذِ اكتظّوا بفحيح الخلوات
تبّا لهم، يتيتّمون
كأغمادِ الخناجر
مذ أمست خناجرهم دموعاً تبكي المناديل شوقا إليها. 
الوحيدون...
إذ خذلوا الانتظار باللاانتظار،
خذلوا موجة الشاطئ مذ أدخلوا أيديَهم
في الجيوب، وركلوا النبوءات
سأحبّهم،
سأصلّي إلى جهةٍ ينظرون إليها
حينما يغمضون أعينهم
حينما تنتابهم حمّى السفرِ وقد أهملوا حقائبهم في المحطّات،
أحبّهم يحرجون اللغة
 إذ لا يفتحون لها الباب إلاّ آخر اللّيل
تبّا لهم إذ يطيرون
كأسماكٍ بزعانف من فضّة الضوء، لا يفهم البحرُ حماقاتهم
لا يفهم الوقت انحرافاتهم
خارج أرْوِقةِ الوقت،
لا تفهم الطرقُ
توقّفَهم جانبا للتأمّل في شروخ الطرُق،
أحسدهم
 على ألق السّهر  إذ يلمعون كالتماثيل في نعمة العراء
 أحسدهم على اللامبالاة
 بتفّاحة آدمَ تسقط في شَرَك الجاذبيّةِ،
أحسدهم على انخطافاتهم
إثر فراشةٍ تعبر بالقرب،
أحسدهم
 يجرحون بمجاذيف أنفاسهم سُباتَ النّهر،
أحسدهم ينزلون
 مع دلائهم في البئر دونما حاجةٍ إلى حبل اليقين،
وحيدون لا تفهمُ العتبةُ
 ترنّح أرواحِهم ككؤوس النبيذ 
قد ربطوا خيوط النّعالِ واستأنفوا المشي
قد أحبطوا تعاليم الوصول
وحيدون كنجمة اعتقلها الفجر،
كنمورٍ ضِجرة
 تظلّلهم صخرةُ البال،
أصدقاءُ الّليل منحوتا كملح المغارات
أصدقاء الورقة الأخيرة من كرمة التّين في الشتاء
أصدقاء القدحِ مترعةً بوميض الكواكب
أصدقاء الصَّدَفَة
منسيّةً في الجيب، 
ويْكَ،
أنّهم يتملّصون كالرّمل من قبضة الصّحوِ، ويْكَ
أنّهم  يسيّجون لازوردَ أجسادهم بالغيوم
وحيدون حدَّ الثّمالةِ، يعبرون اليقظة
كما تعبر نملةٌ بياضا قاحلا
ساخرين من العطْل في ميكانيكا الجماعةِ،
ساخرين من الجماعةِ في رُقعِ اللّغة
ساخرين من اللّغة في اصفرار المتون.
وحيدون مذ كفّ الحطّابُ عن تنظيف الغابة من عبء اليباس
مذ هم الفصل الخامس في السنةِ
سأحبّهم يذهبون
كأشعّةٍ في ذهول الزجاج،
 سأحبّهم
فيّاضين بالحيرةِ حدَّ الشَّرَق
فيّاضين كجروح
كعلامات استفهام 
كبقع الحبر في كراريس المدرسة
كمراراتٍ
ملفوفةٍ في ورق التّبغ، فيّاضين.
لا تنقص أقدامَهم خطوةٌ واحدةٌ
من بهاء التسكّع، لا تنقص أيّامَهم ساعةٌ
من ضجر الآلهةِ، لا تنقص آهاتِهم الزفرةُ الحجريةُ،
الوحيدون كسلالم خشبيّةٍ

سقط عنها الدربزان من الجهتين
سأحبّهم
يدفعون بقوّة ركُبِ النّمل
صخرةَ اللاانتماء.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تمتلكين القدرة على تغيير شكل الحدائق

فيسوافا شيمبورسكا: القليل عن الروح