الوباء والأدب.. نبوءات ضائعة بين نجيب محفوظ وعباس بيضون

الوباء والأدب.. نبوءات ضائعة بين نجيب محفوظ وعباس بيضون

لوحة لـ مكرم حنين/ مصر

من المواقف التي لا يمكن نسيانها في حياتي: مرة استأجرنا شقة في شارع فلسطين ببغداد، أنا وأصدقائي. وذات يوم كنت ذاهبًا إلى لجامعة، وكانت في الشارع الذي نسكنه كتب ملقاة في القمامة، انتبهت لها مصادفة. أحدها كتاب بطبعة قديمة، رفعته لأراه؛ لعلّه كتاب للسحر، عساي أتعلمه وأصنع لنفسي بساطًا سحريًا، ينجيني، يأخذني للوهم الطويل، قلت: على الأقل لأهرب من وجودي. نفضت عنه الغبار، قلبته على الجهة الأخرى، التي تحمل العنوان واسم المؤلف، فخاب ظني مرة أخرى. الكتاب لا يُعنى بالسحر، تبًا، لكنه يستطيع أن يسحر القارئ. "الحرافيش" نعم، "الحرافيش" كان هذا عنوانه، أما نجيب محفوظ فكان قد أسند رأسه على يده حيرة، المسكن صار كتابه الذي حظي بنوبل يتوسد القمامة، على أي حال، قلت لا بأس، وما الضير من التجربة؟ الحرافيش بدلًا من السحر، أخذت الكتاب معي، قرأته، أغلقت الكتاب عام 2012 وشكرت طالبًا يدرس في كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد، كان خطه جميلًا، فقد ترك اسمه وتوقيعه كشيء للذكرى، على أول صفحة من صفحات الكتاب، كما لو كان كاتبًا كتب أمنية أو ترحيبًا أو امتنانًا، وأعطى كتابه لأحد أصدقائه أو قرائه أو معجبيه.

تروي رواية "الحرافيش" حكاية عائلة عاشور الناجي، ذلك الرجل الذي استطاع أن ينجو مع أسرته الصغيرة من الوباء

عدت إلى الكتاب وتذكرت بعض أحداثه وهي مصداق لما نعيش اليوم من هلع وخوف وحجر في البيوت، تذكرت عاشور الناجي الذي جالت به الدنيا، وعاشور حسب وصف محفوظ له: شاب ضخم تهابه الناس. انتقل لحارة أخرى بعد موت أبيه الذي تبناه حين كان رضيعًا ملقيًا في الشارع، وبعد تعسف درويش عمران وهو أخو الشيخ عفرة، مع عاشور وغمزه له بأنه لقيط، وعليه أن يعمل معه قاطع طريق أو أن يكون فتوة لما يمتاز به من صفات جسمانية تحسده عليه الفتوة، لكي يأكل خبزه بيده القوية، رفض الرجل ذلك المقترح، كان له من الخلق والشرف والتربية الحسِنة ما يمنعه من أن يكون سيئًا، كلما سعى لخطيئة تذكره وصايا الشيخ عفرة - إن سخر قوتك لخدمة الله والبشر لا الشيطان- سعى في مناكب الأرض حتى وقع على رجل استأمنه على بعض أعماله، ووثق به وزوجه ابنته زينب، وأهدى له حمارًا يرتزق منه، وبعد مرور سنين انتشر مرض وصار يأكل سكان الحارة.

اقرأ/ي أيضًا: اعترافات نجيب محفوظ في حوار مجهول

حلم صاحبنا بالشيخ عفرة عمران - الذي رباه وتبناه، وكان من المؤمنين- حلمه كان ينبئه أنْ اخرجْ وأهل بيتك من مكانك حتى يزول المرض، طرح الأمر على زوجته زينب وأبنائه فرفضوا الذهاب معه، لا سيما أن زينب صار في قلبها شيء من الغل عليه ذلك إثر زواجه من فلة - كانت تعمل في خمارة، مع عمران- أخذ زوجته الجديدة فلة وابنه شمس الدين وذهبوا بعيدًا، إلى الجبل، قضى عاشور وأسرته في الخلاء ما يقارب الستة أشهر، كان يفكر كثيرًا في حارته ويدعو لهم بالخير، ولكن ثمة فكرة تتسلل إليه خلال عباداته المتواصلة: بأن الإنسان يستحق ما يعانيه، وذات مرة سألته زوجته: لماذا ترك الله الموت يفتك في الناس؟ فأجابها بعنف من يدري لعلهم في حاجة إلى تأديب! فتذمر منها خوفًا من ولوج الشك إلى صدرها، بعد أن عاد إلى حارته، لم يجد أحدًا في الحارة، فسكن في دار لم تكن له.

بدأت الحارة تحيي نفسها من جديد وعادت الحياة إليها، وصارت تزخر بسكان آخرين، ثم أصبح كبير الحارة، لُقّب بعدها عاشور الناجي لأنه الوحيد الذي لم يطله الموت أثناء الوباء أو المرض. سُجن الناجي عاما لأنه سكن دارًا ليست له وعند خروجه صار فتوة الحارة، وكان لا يأخذ الإتاوة إلا من الأغنياء وينفقها على فقراء الحارة.

هذا شيء مما تنبأ به نجيب محفوظ، الوباء الذي يهلك الناس ويأكلها ويبعد الحبيب عن حبيبه خوفًا من العدوى، حيث تتغير الطباع وتختلف وينفر القريب من قريبه. إنه الموت أيها السادة، وحده القادر على فض الرضيع من ثدي أمه.

هذا الرواية وروايات أخرى استلهمت بعض ذكرى الأمراض التي أصابت البشرية، ووضع كتّابها نبوءاتهم فيها، حتى اكتشفوا الأمراض وتنبأوا بأفعالهم قبل مجيئها، وهنا تظهر قدرة الكاتب وديمومة وخلود نصه مهما مر عليها الزمن.

الأدب ليس متعة وإدهاشًا وحسب، إنما أرشفة لحياة كاملة أيضًا، هو باب على السابق واللاحق، ومن خلاله نعرف كيف كانت الحياة وكيف ستكون

الأدب ليس متعة وإدهاشًا وحسب، إنما أرشفة لحياة كاملة أيضًا، هو باب تفتح على السابق وعلى اللاحق، ومن خلال ذلك الباب ستعرف ما كانت الحياة عليه وعلى ماذا ستكون، وستعرف ذلك بجمال ومتعة، وإن كانت مؤلمة.

اقرأ/ي أيضًا: استسلام الشعر

الشاعر عباس بيضون يؤرشف حياتنا اليوم، حياتنا في زمن الكورونا، ويروي لنا من خلال قصيدته كيف كان يحتمي أو يتجنب ذلك المرض، وكلّ هذا بطريقة أدبية - شعرية خالصة- وهذه من سمات قصيدة النثر، وهي أن تواكب الحياة والأحداث وتستمر معها، هذه القصيدة من النصوص العابرة للأزمان، ربما سيأتي مرض آخر بعد أعوام طويلة فتكون قصيدة بيضون مصداقًا له كما كانت "الحرافيش" مصداقًا للكورونا، ولنقرأ القصيدة الجديدة للشاعر عباس بيضون:

 

في الحجر يوم آخر فوق يوم آخر

أشياء قليلة ولكن أخرى

ليس أمام القراءة والتليفزيون والأكل والنوم

سوى قراءة وتليفزيون آخرين

إنها بارحة مقيمة

حياة من زوائد وأخريات

الوقت شخصيًا على شرفة منزلي

بذاره يغطي الفضاء

الثواني تخرج من الساعات

الساعة، بكامل حضورها، تحتاج الى ستمائة خطوة

أعدها

مائة بعد مائة

أغسل يدي حتى الثلاثين

وأفرك رأسي عشرين مرة

هكذا أكون آمنًا في الحمام والمطبخ والشرفة

تكون مواعيدي وانتظاراتي آمنة

إذا أحسنت عدها

إذا تجاوزت رقمًا فهذا سقوط

يمكن أيضًا حسابه

للنوم أيضًا رقم

هناك من يعد عنا

من يسلمنا أعمارنا بالعدد

إننا نسوس هكذا الأشياء

ونتركها تحت السيطرة

لكننا، مع ذلك، نبقى تحت رقابة الواحد

وتحت رحمته

في البدء كان العدد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل كتب نجيب محفوظ قصة العالم؟

صمود الشعر في عالم يتهاوى.. لا تتبعوا الشعراء لكن صدّقوهم