31-مارس-2024
من كتاب Walls of Freedom

الصورة من كتاب "Walls of Freedom"

تعلمنا في طفولتنا أن الإنسان حين ينام يموت الموتة الصغرى، أما الموتة الكبرى فهي التي تغادر فيها الروح البدن لتصعد إلى بارئها وترحل إلى الأبد، ومن هذا المنطلق يمكن أن نحسب الموت بأنه فعل الغياب، وربما لذلك يقولون في الرثاء غيبه الموت.

 يقول الكاتب السوري خالد خليفة في رواية "الموت عمل شاق": "لم يعد الموت فعلًا يستدعي الانفعال، بل أصبح خلاصًا يثير حسد الأحياء".

أصبح الموت أمنية للأحياء الذين يعايشون صورًا متباينة لميتات أصغر ولا أقصد النوم الهانئ المريح، ففي هذا العصر كما تتلون الحرباء صار الموت يتشكل في قوالب مخادعة ويظهر لنا في سحنات ومحاكاة أليمة.

كتبت من المعتقل في وصف الحبس الاحتياطي والسجن السياسي أنه موت مؤقت، فالسجين في زنزانته معلق في الهواء بلا جاذبية، ينتظر من ينتشله من هناك ويترقب دوره في الخروج والعودة إلى الحياة، فالسجن كالبرزخ، تتوقف فيه الحياة، هو جسر بين حياتين، لا يتشابهان ولا يلتقيان.

ما يجعل السجن مشابهًا في بعض تفاصيله للموت هو النسيان، والسجين الذي يبدأ في الشعور أنه منسي، تتسرب إليه مشاعر مشابهة للموت، فما الموت إلا مرادف النسيان، وفي المنفى يتعرض الإنسان لمشاعر شبيهة، فهو صورة أخرى من صور الموت، تجد نفسك في مواجهة عالم جديد كليًا لا تتحدث لغته ولا تعرف ثقافته ولم تعايش ماضيه أو تمتلك أصدقاء أو عائلة، في الوقت الذي تبدأ الصور في الانمحاء من ذاكرتك، وتبتعد تدريجيًا عن كل معارفك وتقل بينكم المحادثات بعامل البُعد وعامل فرق التوقيت أحيانًا. يصف عبد الرحمن الأبنودي الغربة: "عارفة يا مرتي الراجل في الغربة يشبه ايه؟ عود درة وحداني في غيط كمون".

ما يجعل السجن مشابهًا في بعض تفاصيله للموت هو النسيان، والسجين الذي يبدأ في الشعور أنه منسي، تتسرب إليه مشاعر مشابهة للموت، فما الموت إلا مرادف النسيان

في حلقة White Christmas في الموسم الثاني من مسلسل Black Mirror، يتمتع المجرم المُدان بإطلاق سراح مشروط بعد تعاونه مع الشرطة، فيُمنح حريته خارج السجن لكنه يُعاقب بشرط أن يتم حجبه من المجتمع كليًا، والحجب هُنا بمعناه الحرفي، حيث تتمكن التكنولوجيا من جعل صور البشر مشوّشة في عينيه كأفراد تم قص صورهم بمشرط طبي من المشهد، فيرى البشر كهيكل هلامي غير محدد الملامح، ويسمع أصواتهم كأشخاص يتحدثون من عمق عشرة أمتار تحت الماء، فلا صوت ولا صورة، هكذا يرى الآخرين وهكذا يرونه، مع الفارق أن صورته تظهر للمجتمع حمراء كتنبيهٍ من الدولة لخطورة الرجل.

يُخلى سبيل البطل لكنه يُصبح منفيًا بالخارج، فهو حر الحركة لكنه لا يمكنه التواصل مع غيره بأي شكل، لا اللغة ولا الجسد ولا الصورة، وبالضد ينفر منه الناس ويبتعدون حذرين.

تكررت حوادث الوفاة في السنين الأخيرة بشكل ملحوظ لشباب مصريين من جيل ثورة يناير، تتراوح أعمارهم من منتصف العشرينات لمنتصف الثلاثينات، يعيشون في منفاهم القسري، بعدما تعرضوا للملاحقات والتحرشات والانتهاكات الأمنية في بلدهم بسبب عملهم الصحفي أو نشاطهم الحقوقي أو السياسي، فاختاروا المنفى بدلًا عن حياة قلقة مهددة في أي حين وبدلًا عن اعتقال سياسي يطول.

في نهاية عام 2022، توفى الزميل الصحفي محمد أبو الغيط، بعدما شُخّص بالسرطان، وفي بداية العام الحالي توفى الناشط السياسي باسم جاير في منفاه بماليزيا التي لجأ إليها بعد تجربة اعتقال، وتبعه منذ أيام المحامي الحقوقي الصديق محمد حافظ في منفاه بهولندا، التي لجأ إليها بعدما ضاق به الأمر في مصر من تحرشات ضباط الأمن الوطني بسبب دفاعه عن المعتقلين والمرافعة في محاكم ونيابات أمن الدولة.

ما يجمع هؤلاء هو الهرب من الاستبداد السياسي، ومن دولة المعتقلات المفتوحة التي صنعها النظام المصري الحالي.

توفى حافظ قهرًا وهو بعيد عن وطنه، وربما لازمته تلك المشاعر الملازمة للغربة الجبرية من وحدة وخوف وحزن وحنين، وربما الإحساس أنه في إحدى صور الموت، شكل آخر من الميتات الصغرى، لم يتحمل قلبه الحزن ورحل.

كان حافظ أحد الأشخاص الذين ساعدوني في مصر في بعض الجوانب القانونية قبيل تحضيراتي للسفر، ولم ينتظر أبدًا شكرًا أو عرفانًا، ولم يبخل أبدًا بالإجابة عن أي استشارة قانونية أو المبادرة بالمساعدة في حالات القبض والاعتقال. ظُلم كثيرًا من المقربين والزملاء قبل أن يُظلم من الدولة، ظُلم ممن كان في مقدرتهم المساعدة لكنهم ضنوا بها وأنكروه وهو الذي لم ينكر أحدًا في حياته.

كتب حافظ على صفحته الشخصية مقطع من قصيدة غنائية للشاعر سيد حجاب، غناها محمد ثروت في تتر المسلسل القديم "من الذي لا يحب فاطمة"، تبدو القصيدة مكتوبة لأجله، وفي كل مرة سأستمع للأغنية لن أتذكر سوى حافظ: "بين غربتك في ديار أهلك.. وغربتك في بلاد الله.. لو ضي قنديل زهزهلك.. مش ترمي كله وتجري وراه.. يا هل ترى يا نور يا بعيد.. أنت بصحيح ولا أنت سراب.. وهعيش معاك في الضي سعيد.. ولا غريب ما بين أغراب".

جاءت وفاة حافظ كصفعة على وجهي، خاصة أنه توفى بعد يوم واحد من انتقالي إلى دولة جديدة سأعيش فيها السنوات القادمة كمنفى اختياري، تمامًا كما توفى حافظ في منفاه!