25-مارس-2024
إعلان زين (يوتيوب)

من إعلان زين (يوتيوب)

كما جرت العادة في كلّ رمضان، أطلقت شركة زين للاتصالات إعلانها لرمضان هذا العام، وقد جاء الإعلان بعنوان "مرافعة زين لرمضان 2024.. سنعود"، والملاحظ في الإعلان أنّه يأتي كبادرة تضامنية مع غزة وأحداثها، لكنّ بالتأمّل الدقيق في تفاصيل الإعلان نجد أنه في شقّ منه يَظهر فيه أطفال غزة يترافعون أمام مجلس دولي ويَعرضون أمامه قضيتهم وما يتعرضون له من الإبادة، وفي شقّ ثانٍ يَذهب إلى استعراض غزة وفلسطين في مرحلة ما بَعد الحرب، حيث تعود أجواء الفرح الفلسطينية، وما يرافقها من الدبكة والأثواب الفلسطينية المزركشة وغيرها من المظاهر الفلسطينية التراثية الأخرى.

المأخذ على هذا الإعلان أنّه يأتي والحرب الدموية لا تزال تدور في أرجاء القطاع، وأعمال الإبادة الجماعية فيها ما زالت قائمة ومستمرة بوتيرة متصاعدة، فالشقّ التفاؤلي في هذا الإعلان الذي من المتوقّع أن يكون إرثًا عينيًّا تشاهده الأجيال العربية القادمة يَطرح إلى الذهن بسؤالين وجيهين وهما: بأيْ عينٍ سترى الأجيال العربية القادمة هذا الإعلان وغيره؟ وما الذي سيتبقى من سردية الإبادة في غزة إذا كانت المواد البصرية والسمعية المنتجة عنها تأتي في أشكال غنائية احتفائية تقلّل من زخمها، وتُضفي عليها طابعًا صوريًا مبهجًا؟

تعيد فكرة استعادة سردية إبادة غزة في الذاكرة الجمعية العربية استعادة حكاية النكبة في الذاكرة ذاتها، فالمؤسسات الإعلامية العربية والفلسطينية ساهمت في كثير من الأحيان في تطبيع شكل استعادة معينة للنكبة في ذاكرة الأجيال العربية، وكانت استعادة مجتزأة تحيل النكبة إلى مجرّد استعادة لطقوس وعادات فلكلورية مثل: أنواع المأكولات والرقصات الشعبية والأمثال الشعبية.

تعيد فكرة استعادة سردية إبادة غزة في الذاكرة الجمعية العربية استعادة حكاية النكبة في الذاكرة ذاتها، فالمؤسسات الإعلامية العربية والفلسطينية ساهمت في كثير من الأحيان في تطبيع شكل استعادة معينة للنكبة في ذاكرة الأجيال

فما دامت النكبة التي تُستعاد في الذاكرة العربية هي الثوب الفلسطيني المطرّز والدبكة الفلسطينية وأكلة الفلافل، وغيرها من المظاهر التراثية الفلسطينية التي لا تعطي صورة حقيقية عن النكبة باعتبارها حَمَلت إلى فلسطين مشروعًا استعماريًا صهيونيًا له طابع إحلالي، وكان هدفه يتجاوز مسألة سلب الأرض الفلسطينية والاستيلاء عليها، إلى محاولة الإحلال السكاني فيها، أيْ استبدال الشعب الفلسطيني بشعب آخر ومحوه بالكلية.

لا عجب إذن وملامح النكبة تُستعاد في الذاكرة الجمعية العربية بهذا الشكل المجتزأ أن نجد أنّ بعض الأجيال العربية لا تعرف شيئًا عن فلسطين سوى مظاهرها التراثية، ولا تفقه شيئًا عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي فيها. لا عجب أيضًا أن نجد بعض الأجيال العربية تُشكّك في أعمال التطهير العرقي والتهجير القسري للفلسطينيين التي جرت إبان النكبة، ويجري على ألسنتها، بيقين العارفين، أنّ الفلسطينيين باعوا أرضهم.

الإبادة التي جرت إبان النكبة هي ذاتها التي تجري في غزة اليوم، يُشاهدها العالَم العربي من حولها، ويقف أمامها بمظهر المتفرج، يتضامن معها بفيديوهات غنائية ومقاطع بصرية وسمعية تَحجب من حقيقتها أكثر بكثير مما تُظهر.

الإبادة التي تجري في غزة اليوم والتي نجم عنها استشهاد أكثر من ثلاثين ألف شهيد فلسطيني، عليها أن تحضر في الذاكرة العربية كندب أبدي، لا كفيديوهات غنائية، ومقاطع بصرية ملونة، فالإبادة التي يتمّ توثيقها وسردها بشكل بصري زاهٍ ومشوّه لا بدّ أن تستعيدها الذاكرة الجمعية للأجيال اللاحقة بذات الشكل المشوّه، ولن يكون هناك من داعٍ للعجب إن ظهرت أجيال عربية تُشاهِد الأشكال التوثيقية الزاهية للإبادة الجارية في غزة فتُشكّك في حقيقة حدوثها أصلًا، وتقول: كعادة الفلسطينيين، فإنّ سرديتهم كضحية لا تخلو من المبالغات، لا يُعقل أن يكون هناك ثلاثون ألفًا منهم قُتلوا دفعة واحدة، ربّما قتل منهم عشرة آلاف أو خمسة وربّما أقل!