المعتقلون قضية وليسوا ملفًا.. تلك هي المسألة!

المعتقلون قضية وليسوا ملفًا.. تلك هي المسألة!

من مظاهرة باريس في 11 حزيران/يونيو 2016

دائمًا تجد قضية المعتقلين السوريين ما يعيدها إلى الواجهة، مرةً عبر تسريب صور مروّعة، وأخرى عبر إضراب السّجناء في "سجن حماة المركزي"... إلخ، والآن يعيد الفنان فارس الحلو تسليط الضوء عليها من خلال مبادرة "ناجون من المُعتقل في سوريا"، التي قامت بعدة مظاهرات في مدن أوروبية مختلفة، حملت عنوان "المعتقلون أولًا"، اقتداء بمظاهرة انطلقت يوم 11 حزيران/يونيو من ساحة الباستيل في باريس، حمل فيها المتظاهرون ألف صورة من صور المعتقلين، وقرؤوا أسماء كثيرين منهم، إلى جانب أعمال فنية عبّرت عن وحشية الاعتقال وممارسيه.

هناك ما يزيد عن مائتي ألف معتقل، تواصل أجهزة الغستابو السورية اعتقالهم في أقبيتها الجحيمية

من المعروف أن هناك ما يزيد عن مائتي ألف معتقل، تواصل أجهزة الغاستابو السورية اعتقالهم في أقبيتها الجحيمية، إلى جانب ما لا يقل عن 12 ألف فلسطيني سوري يعانون المأساة ذاتها. ورغم أنّ الأخبار ما انفكت تنقل لنا أهوال الدمار السوري، إلا أنها تصمت كليًا في ما يخصّ قضية المعتقلين والمفقودين والمخطوفين في سجون النظام، وكذلك لدى البعض من فصائل المعارضة المقاتلة، مثل قضية المخطوفين الأربعة، رزان زيتونة ورفاقها سميرة وناظم ووائل، في سجون "جيش الإسلام" في الغوطة الشرقية، بالإضافة إلى ضحايا ميليشيات الاختطاف التي نشأت في الكثير من المناطق وراحت تعتقل الناس طلبًا للفدية؛ ذلك كله يعدنا بمأساة مستقبلية لا ندري متى ستتفجر، إلى درجة ستبدو فيها تسريبات الصور الإحدى عشر ألفًا، على سبيل المثال، مجرد تفصيل صغير. إذا كانت المعلومات المتاحة تقول لنا حجم الوحشية التي يعيشها السوريون من تحويل أرضهم إلى جحيم على يد قوات الأسد، أو على أيدي داعش والنصرة وأشباههم، فإن قضية المعتقلين التي توازي عمر هذا النظام نفسه، تؤكّد أن سوريا لم تكن يومًا وطنًا على الإطلاق، بل كانت معتقلًا ساديًا، يدمرون فيه الإنسان ويجعلون أحلامه تتضاءل وتصغر، ويحولون الحق بالتعبير عن الإنسان إلى لعنة على جنس البشر.

اقرأ/ي أيضًا: ألو جدة: بن علي سيعود

كلما ازدادت تعقيدات القضية السورية ازداد معها غموض قضية المعتقلين، وكلما ازدادت أعداد المعتقلين ازدادت معها السرية والكتمان. في الوقت نفسه، لا تتوقف معاناة آلاف العائلات على غياب أبنائهم فحسب، بل تمتد المسألة إلى الخوف الرهيب الذي يصيب الباقين، وحجم الابتزاز الذي لا يوصف الذي يتعرضون له باستمرار، فثمة قوى وتيارات داخل النظام تثري على حساب هذا الملف، طبعًا لا جديد في هذا فقد سردت لنا رواية "القوقعة" بعضًا من تفاصيل مؤسسة الغولاج الأسدية، وآليات صناعة عالم الديستوبيا الأوريلي، وطرق الاتجار بالاعتقال والمعتقلين، ناهيك عن إطلاق سراح سجناء مقابل انضمامهم للقتال في صفوف النظام، كما ورد في تصريح لرئيس الائتلاف السوري المعارض.

بين كل ما يعانيه الناس تظهر بين حين وآخر قوائم ولوائح على صفحات فيسبوكية مجهولة، تعلن عن معلومات وأسماء معتقلين ينتظر أهلهم أي خبر عنهم، رغم أن كثيرين منهم قد أعلنت وفاتهم. تقدم هذه الصفحات قوائم للمعتقلين في سجن صيدنايا الرهيب، مع الأحكام التي تلقاها كل منهم، دون أن يتوفّر هناك دليل واحد يوحي بتوثيق علمي للأمر، بل إن القوائم نفسها تحمل أسماء أشخاص وهميين على الأغلب.

فارس الحلو: المعتقلون "قضية" وليسوا "ملفًا"، فالملف قابل للتفاوض بينما القضية العادلة لا تقبل أية اشتراطات

لم يستطع الموثقون الذين يعملون بشروط علمية صارمة أن يجمعوا أكثر من 70 ألف اسم، أما الأرقام الباقية التي تصل في بعض توقعاتها إلى نصف مليون، فتظل مجرد تكهنات لا غير، ما دامت لم توثّق بالشكل الأمثل. والغريب حقاً أن تتصارع القوى السياسية والدولية على تحويل الاعتقال إلى ملف يمكن إدراجه كبند في إحدى موائد التفاوض، رغم أن المطلوب هو الإفراج الفوري، بلا قيد أو شرط، فمن ذا الذي يقبل بتحويل حق من حقوق الإنسان إلى مساحة للتفاوض أو الابتزاز.

اقرأ/ي أيضًا: لا أحد سينسى "الداندو"

من جهته، يتمسك النظام السوري بالمعتقلين أكثر من تمسكه بالأرض، رأينا ذلك عند سقوط تدمر على يد داعش، يومها تم نقل معتقلي السجن الصحراوي الشهير إلى سجون العاصمة، بعد القبول بتسليم المدينة. تلك الحادثة أهم العلامات على أن المعتقلين ورقة رابحة، يحاول النظام أن يديرها بكل ما يستطيعه من خبث. 

يبقى لنا أن نتخيل حال هؤلاء المعتقلين داخل سجون الموت ومقابر الأحياء، التي صنعها نظام قدم اقتراحات هائلة على صعيد تحويل الإنسان إلى شيء قابل لاختبار إبداعات عبقرية الإجرام، لأجل هذا بالذات يجب أن يسقط هذا النظام وسجونه.

رغم أهمية وضرورة الفنان الشجاع فارس الحلو، إلا أنه فعل أمرًا اصطلاحيًا لا يقل شجاعة ونباهة عن المبادرة ذاتها، حيث راح يؤكّد على أن المعتقلين "قضية" وليسوا "ملفًا"، وهذا التفريق المفهوميّ ينقل الأمر من فكرة الملف القابل للتفاوض السياسي، إلى حيز القضية العادلة التي لا تقبل في حلها أية اشتراطات. وتلك هي المسألة!

اقرأ/ي أيضًا:

الحكومة في الجزائر.. طوبى للفاشلين

عقلية المجتمع الذكورية: رامز جلال مثالاً