الفنانة ديالا برصلي.. طائرة ورقية لأطفال يصنعون السماء

الفنانة ديالا برصلي.. طائرة ورقية لأطفال يصنعون السماء

من كتاب طائرة ورقية جيدة

ديالا برصلي رسامة سوريّة، تركت رسوماتها من جداريّات ولوحات أثرًا في كل مكان حلّت به. عملت ديالا في مخيمات اللجوء السوري في لبنان، كانت تشبه الساحر المعالج الذي يحرر قلوب الأطفال الصدمة، طابع عملها حرّ وتطلب من الأطفال أن يكونوا أحرارًا في ورشاها الصغيرة، يرسمون ما يشاؤون ويتفاعلون في الفرشاة والألوان كما يحبون.

تشبه ديالا برصلي الساحر المعالج الذي يحرّر قلوب الأطفال من الصدمة

وضعت ديالا برصلي كل موهبتها الفنية في خدمة تعليم اللاجئين والدعم النفسي عبر الرسم، فرسمت الأمل المجسد في شكل إشراقة شمس أو زهرة تطير في أمكنة تعاني الكثير من الظلم والتهميش، بألوانٍ دافئة وفاقعة لونت جدران المخيمات والمدارس والأماكن التي يرتادها الأطفال السوريون الذين هربوا من سواد الحرب في سوريا، وذلك لتقول بأن هناك دائمًا فسحة من الأمل.

اقرأ/ي أيضًا: دفتر رسم مستعمل

تعتبر ديالا برصلي اليوم واحدة من فنانات سوريّات عملنّ وما زلنّ على شخصية الطفل في رسوماتهنّ. يطير الأطفال في رسومات ديالا وتتركهم معلقين في الهواء، تضفي على أشكال أجسادهم بعض التغييرات لتجعل منهم فاعلين، فمثلًا يطير الطفل وهو يقرأ من كتاب، يطير وهو يرسم، ويطير مع طائرته الورقية. تحركها تلك الأفكار حتى لو غيرت الجغرافيا التي تعمل من أجلها.

عملت ديالا برصلي مع تيم كاننغهام، الناشط وممرض الطوارئ الأمريكي، على تأليف كتاب يحوي قصة مصورة بعنوان طائرة ورقية جيدة من كتابة كاننغهام ورسومات برصلي. يحكي الكتاب حكاية بعيدة عن سوريا جغرافيًا وقريبة منها في نواح عدة.

في لقاء خاص لـ"ألترا صوت" مع الفنانة ديالا برصلي خلال مشاركتها في مهرجان Les Grands Voisins في دورته الرابعة، وهو مهرجان فني ثقافي يهدف للتعريف بالثقافة السورية في باريس. قالت ديالا بأن التعريف والدعم كان السبب وراء إنتاج الكتاب، عدد الأطفال المصابين بمرض إيبولا في تزايد مستمر، وهذا لا يقل عنفًا عن الحرب، في كل الأحوال هي إبادة بشرية.

كتاب طائرة ورقية جيدة يحمل إهداءً إلى ديزموند، طفل من سيراليون مات بسبب مرض إيبولا الذي يتفشى بشكلٍ سريع، ويحصد أرواح الكثير من الأطفال في سيراليون، كينيا وليبيريا.

أزمة إيبولا التي تشبه أزمات كل من سوريا والعراق وجنوب السودان وفلسطين وميانمار، كما يقول الكاتب في صفحة التعريف عن الكتاب، تحدث خلالها ظواهر مرعبة ومفعمة بالأمل على حد سواء، الدمار يقابل المرونة. الأطفال غالبًا يكونون أول من يفقدون حقوقهم، أصواتهم، وغالبًا ما يفقدون حياتهم. وهم أيضًا من يعيدون طائراتهم الورقية إلى السماء يلعبون بها مرة أخرى عندما يصبح الوضع آمنًا. ويختم الكاتب: هنا نرى الأمل يحلق عاليًا كما الطائرات التي يطيرها الأطفال.

الموت والعودة من جديد

تقوم فكرة الكتاب  على مفهوم الطائرة الورقية، والتي نجدها في كل صفحة من صفحات الكتاب، تحمل ثقل الحكاية ومعانيها، يصنع الأولاد طائرات ورقية من الأكياس البلاستيكية، ويلعبون بها عندما تهب الرياح، تطير وتذهب لأماكن أخرى بعيدة، ربما تذهب إلى مكان يعاني فيه أطفال آخرون من إيبولا.

الأطفال أول من يفقدون حقوقهم، أصواتهم، وغالبًا ما يفقدون حياتهم، وهم أيضًا من يعيدون طائراتهم الورقية إلى السماء

تقول الحكاية: "الطائرة الجيدة تحتاج مساحة واسعة لتطير، الحقول هي أماكن مناسبة لتطيير الطائرة الورقية، إلاّ أن الحقول في سيراليون تحترق كل سنة والأعشاب تنمو من جديد بمساعدة الرماد الذي يخلفه الحريق، ولكن عندما يخمد الحريق ستعود الحقول مفتوحة أمام الأطفال للعب، وستعود طائراتهم الورقية للتحليق عاليًا مرة أخرى. ريثما يتناقص عددها وتُفقد بعض الطائرات التي كنا نراها محلقة معلنةً موت طفلٍ مصاب. لاحقًا تعود الطائرات تحلق من جديد وتخرج الأطفال إلى الحقول".

اقرأ/ي أيضًا: سنة طويلة في "سوريا الأسد"

أراد الكاتب أن يزاوج بين صورة حريق الحقل وموت طفل، نقصان عدد الطائرات يحمل دلالة لموت الطفل المصاب صاحب الطائرة، وعودتها مجددًا للتحليق في إشارة إلى أن الأمل موجود دائمًا. تحرق الأراضي في سيراليون بهدف تجديدها، فيموت طفل مصاب، ثم تعود الحياة للحقل، وتعود الطائرات للتحليق مجددًا. على الرغم من أن الممرض الذي كتب هذه الحكاية لم يتمكن من التغلب على مرض إيبولا ومنح الأطفال المصابين به الشفاء، إنّما استطاع أن يمنحهم موتًا كريمًا على حد وصفه، قاصدًا من تعبيره أن العناية والاهتمام بطفلٍ مصاب بمرضٍ قاتل هو أكثر ما يمكن أن تفعله له، ويصف كاننغهام أنه في كل مرة كان يتم إنقاذ طفل من المرض كان يحتفل مع فريقه بتلك النجاة.

تبدو تجربة العيش في سيراليون مع مرضٍ قاتل، كما نقلها كاننغهام وديالا برصلي، أشبه بتحدٍ للحياة نفسها، وتمسكًا دائمًا بالأمل على الرغم من ثقل المرض.

تأتي الطائرات الورقية كما رسمتها ديالا برصلي في الكتاب على هيئة أقنعة أفريقية مستوحاة من ثقافة المكان، وتأخذ شكل أشباح أو أثار للأشياء، وكأنها أرواح الأولاد الميتة التي مازالت موجودة في المكان. كما الكتاب على ذكر العديد من طقوس الموت المرتبطة بثقافة المكان، حيث يربط الناس قطعة قماش من ثياب الطفل الميت على شجرة مانجو كبيرة. لإيصال تلك الأفكار الأصيلة التي تعكس الحالة، رسمت ديالا أشباح تلك الأرواح باللون الأبيض لإظهار فكرة أشباح الأشياء وأشباح الناس، حيث كل شيء يموت يترك أثرًا على الأرض وعلى الشجر وفي الهواء.

عن مشروع ديالا برصلي

قدمت ديالا عددًا من القصص المصورة عبر الكلمات حينًا ومن خلال الرسم في أحيان كثيرة، مقتنعةً بأن للفنون تأثيرًا على الوعي خصوصًا في الأوقات الصعبة التي تصيب الناس بالصدمة والاكتئاب. تفضل أن تعمل مع شخص يكتب لتضع رسوماتها على الكلمات المكتوبة.

عن تجربة الكتاب، تخبرنا ديالا عن التعاون الفني مع تيم كاننغهام. كتب تيم الحكاية وعمل مع ديالا على الرسم والتشكيل. ومن جهتها، حاولت ديالا إيجاد حلول منطقية لإظهار الحكاية من خلال الرسم دون الوقوع في فخ نقل العبارات كما هي من أفكار إلى صور، وإنما عملت على إظهار خصوصية البيئة التي تدور فيها أحداث الحكاية، ساعدتها في ذلك زيارتها إلى أوغندا، تعرفت هناك على أنماط العيش والثقافة واستقت منها حلولًا وأفكارًا لرسومات كتابها.

تروي رسومات ديالا برصلي عما يجري في سوريا، فلكل رسمه قصة مبنية على حدث معين

عن ذلك تقول ديالا برصلي: "أحاول دائمًا رسم الأفكار الموازية، كنوع من تجسيد آخر للحكاية المكتوبة، يأتي الرسم بعد كتابة القصة، ولاحقًا نزيل الكلمات المرسومة ونترك ما تبقى، لكيلا نقيد أفكار الشخص الذي يقرأ ويشاهد الرسومات". 

اقرأ/ي أيضًا: ستيف ديلون .. صانع خيالات "الكوميكس"

أخبرتنا ديالا برصلي بأنها الآن بصدد العمل على كتاب جديد يقوم على تعاون جديد أيضًا مع تيم كاننغهام الذي سيكتب قصة جديدة عن الأطفال المكسيكيين الذين تم فصلهم عن عائلاتهم خلال محاولتهم الهجرة.

ينظر كاننغهام دائمًا باتجاه الأطفال أصحاب الحكايات المهمشة، فبالإضافة لتقديم الدعم عبر المساعدة الطبية والفنون، حيث يعمل في منظمة مهرجون بلا حدود، يرى بأنه من الضروري كتابة حكايات الأطفال بطريقة فنية. الطريقة ذاتها التي تتبعها ديالا برصلي في عملها، فالفن بالنسبة لها هو طريقة أخرى للصحافة، وتعتمد الصحافة المصورة "Graphic Journalism" كنوع لتوثيق الحقيقة بطريقة فنية.

بدأت ديالا برصلي العمل على تلك الطريقة بهدف إخبار القصص عما يجري في سوريا، لكل رسمه قصة مبنية على حدث معين وهذا يلفت النظر اتجاه الأحداث. 

ضمن الطريقة ذاتها عملت ديالا على الصعوبات التي واجهها اللاجئون السوريون في لبنان، كتبت قصة مصورة بعنوان حياتنا في خيمة. عن تلك التجربة تخبرنا ديالا برصلي: "قابلت الناس وجمعت القصص، كتبت تحديدًا عن الصعوبات التي واجهها الرجل السوري في مخيمات اللجوء بسبب عدم القدرة على التنقل، لأنه لم يحصل على الأوراق الرسمية من الدولة التي تسمح له بالعمل. ولذلك كان على النساء والأطفال الخروج من المخيم للعمل. في المقابل، إنّ المؤسسات التي تتلقى الدعم لا تفكر إلاّ بالنساء والأطفال، هذا ضروري"، تضيف ديالا برصلي، و"لكن الرجل المعزول في المخيم غير القادر على التنقل، حياته معلقة لا يقدر على فعل أيّ شيء ولهذا هم بحاجة لدعم نفسي أيضًا لا يقل أهمية وضرورة عن دعم النساء والأطفال".

وتختم ديالا برصلي بقولها: "اليوم نحن في صدمة نحتاج جميعنا للدعم، عندما نقدم الدعم للنساء والأطفال فقط، نكون قد قمنا بنصف العمل المرجو، وسيكون بالضرورة أثره محدود، نحن نحتاج لدعم الأسرة كاملةً ليكون لذلك الدعم أثر ونفع. الحل هو بالعمل على توعية ودعم كل أفراد العائلة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

"حبكة" ليبية.. كوميكس ومانجا

سارة بوكسر: هاملت.. أمير الخنازير