16-فبراير-2024
(Getty) يعاني المصريون من انهيار اقتصادي غير مسبوق

(Getty) يعاني المصريون من انهيار اقتصادي غير مسبوق

حاولت عالمة النفس الأمريكية السويسرية إليزابيث كيوبلر روس، في القرن الماضي، دراسة مفهوم "الحزن"، وكيف يتعامل الإنسان مع الصدمات، وما الذي يشعر به وما هي المراحل التي يمر بها خلاله. ومن أجل فهم أعمق لهذا الشعور العجيب الذي يغزو الإنسان حاولت روس تفكيك الحزن، وكانت النتيجة هي النموذج الأشهر المعروف بنموذج كيوبلر روس أو )مراحل الحزن الخمس – Five Stages of Grief) حيث يبدأ الأمر بمرحلة الإنكار، ومنها ينتقل الإنسان إلى الغضب، ثم المساومة مع الصدمة، حتى يغزوه شعور الاكتئاب في المرحلة الرابعة، وينتهي به الأمر بتقبل الواقع الجديد.

لم يعش المصريون الصدمة ولا الإنكار ولا الغضب ولا أُتيحت لهم فرصة التقبل، إنما اختبروا مرحلة جديدة كليًا، فقفزوا مباشرة إلى مرحلة الهلع والفزع، كمن دُفع سهوًا من شاهق ولم يملك الوقت لفهم أسباب الحدث ودوافعه، ويستمر في الصراخ قبل الاصطدام بالأرض، وما بيده حيلة.

ربما يحتاج علماء النفس والاجتماع لبراح من الزمان كي يفحصوا ويدرسوا مدققين ما عاشه المصريون في هذه الفترة الزمنية، وكيف لشعب كامل أن يعيش حالة من الفزع المفاجئ المبني بالأساس على مخاوف مستقبلية لها وجاهتها ومؤشراتها ومعطياتها، فيعيش المصريون في فزع الحيوان الذي يترقب نحره وينظر صاغرًا خانعًا خائفًا إلى سكين الجزار الملوّث بالدماء، ولن يفيده الرفس والركل وهو الضعيف الوحيد المكبّل بالأغلال.

يعاني الملايين من المصريين لتلبية احتياجاتهم الأساسية، أو تحمل تكاليف السلع الأساسية بسبب تصاعد نسب التضخم، ويبدو الأفق الاقتصادي المصري لعام 2024 على نفس الدرجة من القتامة

يعاني المصريون من انهيار اقتصادي غير مسبوق وارتفاع يومي مطرد في تكاليف المعيشة وأسعار السلع الأساسية، التي يصعب توفيرها بالأساس بسبب أزمات عدة في قدرة الدولة على توفير متطلبات السوق، من منتجات مثل السكر أو الأرز، بجانب انخفاض سريع في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار، في ظل قيود متتالية من البنك المركزي المصري في محاولات بائسة للسيطرة على السوق، وعجز من الحكومة لتوفير النقد الأجنبي.

الأمر الذي دفع برئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، الأسبوع الماضي، باتخاذ قرار برفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 50 % ليصل إلى 6000  جنيه مصري، بما يوازي قرابة 100 دولار أمريكي، حسب سعر السوق الموازي، في ظل أنباء وتوقعات بخفض جديد في قيمة الجنيه المصرية (تعويم العملة) خلال الأيام القادمة، وبالطبع قرار الحد الأدنى للأجور لا يستفاد منه السواد الأعظم من الشعب المصري الذي يعمل في القطاع الخاص أو العمالة غير المنتظمة، لتبقى الأغلبية في مواجهة مخاوفها من عدم القدرة على توفير تكاليف المعيشة الأساسية أو خسارة قيمة مدخراتها بالعملة المحلية يومًا بعد يوم.

نمر هذه الأيام بالذكرى الثالثة عشر لثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011 التي نادت بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وفي هذه الذكرى صدر بيان مشترك من 19 منظمة حقوقية دولية ومصرية يشير إلى "قمع غير مسبوق وعدم استقرار اقتصادي في مصر"، حيث فشلت حكومة السيسي في حماية حقوق المصريين الاقتصادية والاجتماعية، وأصبح الملايين من المصريين يعانون لتلبية احتياجاتهم الأساسية، أو تحمل تكاليف السلع الأساسية بسبب تصاعد نسب التضخم، ويبدو الأفق الاقتصادي المصري لعام 2024 على نفس الدرجة من القتامة.

أشار رواد الفلسفة الوجودية في بداية تشكيلها ونشأتها في خضم الحرب العالمية الثانية إلى مفهوم القلق الوجودي، عندما اضطر جيل كامل إلى مواجهة الحالة الإنسانية ومعطيات الموت والحرية واللامعنى المثيرة للقلق.

وفي كتاب القلق، لمؤلفيه موشي زيدنر وجيرالد ماثيوس، يفرّق الكاتبان بين مفهوم القلق ومفهوم الخوف، حيث يأتي الخوف من عدو واضح ومعلوم، بينما يكون شعور القلق تجاه عدو مجهول، كما فرّق المؤلفان بين نوعين من القلق، أحدهما خبيث بينما الآخر قلق حميد، وعلى مدار التاريخ الإنساني حفّز القلق البشرية باتجاه التطور في حسابات الاحتمالات التي تؤرقه، ومن ثم كان بإمكان البشرية اتخاذ خطوات استباقية لتفادي التهديدات والمخاطر المحدقة.

ما يواجهه المصريون اليوم، ربما يختلف قليلًا، فهو ليس قلقًا وجوديًا متأخرًا قرابة القرن عمّا واجهه المواطن الأوروبي في النصف الأول من القرن الماضي، وليس قلقًا حميدًا يحفّز العقل ويؤهله لحسابات المستقبل، إنما هو فزغ رهيب يدفع المجتمع إلى التخبط والاضطراب والخُطى غير المحسوبة.

ما يجب علينا إدراكه في هذه اللحظة، أن الفزع لن ينجينا مما هو محتوم، فإن رغبنا في إدراك الموقف الذي نحن بصدده، فعلينا تمالك أنفسنا، والخروج من دوامات الفزع، ومحاولة تغييره إلى قلق حميد يدفعنا إلى التفكير المنطقي في توابع الانهيار الاقتصادي المحتمل، والبحث عن فرص وحلول لتحصين حيواتنا وحماية أنفسنا.

البعض يلجأ إلى الخلاص الفردي كحل أخير، والبعض يرى ألا نجاة فردية سوى بالخلاص الجماعي، وفي كل الحالات، فإن كل لحظة تأخير تقربنا خطوة نحو الهاوية، ويبدو أن أصحاب السلطة والقرار لا يحملون همًا في هذا الشأن.