العلاقات الهندية الإسرائيلية.. كيف انتهى فجأة تاريخ من

العلاقات الهندية الإسرائيلية.. كيف انتهى فجأة تاريخ من "عدم الانحياز"؟

انقلبت نظرة الهند لإسرائيل منذ مطلع التسعينيات (Getty)

تلعب العلاقات الدبلوماسية سواء الدولية  أو سواء العلاقات مع المؤسسات الأممية، دورًا ضروريًا للحفاظ على شرعية الاستعمار، خاصة عندما يكون النقاش عن تجربة متأخرة من الاستعمار المباشر، مثل إسرائيل، مع نشوء الإعلام والإعلام الشعبي والمجموعات والمؤسسات الضاغطة ضد العنف والقوانين الدولية، بالإضافة إلى تشكل مفهوم الرأي العام العالمي نتيجة كل ذلك. بالتالي صار دور العلاقات الدبلوماسية والشرعية الدولية أكثر أهمية، وهذا ما كان جزءًا من الاهتمامات الأولى للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

 تبلور في إسرائيل في مطلع التسعينيات، مع أفول الحرب البادرة وانهيار الاتحاد السوفييتي، توجه جديد نحو تطوير العلاقات مع الدول الصاعدة

وقد تبلور في إسرائيل في مطلع التسعينات، مع أفول الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، توجه جديد نحو تطوير العلاقات مع الدول الصاعدة في العالم الثالث، حتى تلك التي كان موقفها التقليدي مناهضًا لإسرائيل. ومع أن العلاقة الإسرائيلية الهندية بدأت منذ الخمسينات، نتيجة افتتاح سفارات متبادلة والاعتراف الهندي بإسرائيل، لكنها لم تصل إلى مرحلة جدية من التبادل التجاري والدبلوماسي، إلا في العقد الأخير من القرن الماضي.

اقرأ/ي أيضًا: تاريخ صناعة السلاح في إسرائيل.. 3 مراحل و3 أهداف

لقد كانت المعادلة التقليدية في العلاقة العربية الهندية، حتى مطلع الثمانينات، تعتمد على فكرة أن الموقف الهندي من الصراع العربي الإسرائيلي هو الأساس، ضمن معادلة تكون فيها الهند إما عدوًا لإسرائيل وحليفًا للعرب أو العكس. وعلى ما يبدو فإنه مع نهاية فترة الثمانينات، لم يعد هذا التفسير صالحًا لفهم العلاقات الهندية الإسرائيلية، خاصة مع "انفلات" السياسة الخارجية في الهند من المحددات والمؤسسات الإقليمية القديمة.

لقد حاولت إسرائيل تعزيز علاقتها بالهند منذ فترة طويلة، لكن هذه المحاولات باءت في معظم الأحيان بالفشل، نتيجة لطبيعة الاستقطاب السياسي الذي كان يحكم السياسة الخارجية الهندية، حيث نظر حزب المؤتمر الحاكم، إلى الصراع مع إسرائيل باعتباره امتدادًا لحركات التحرر الوطني في العالم الثالث، بالإضافة إلى سيطرة مفاهيم التحرر وعدم الانحياز على العلاقات الإقليمية. ولم ينجح الدعم العسكري الإسرائيلي للهند في حروبها مع الصين وباكستان، في تغيير فتور العلاقة خلال مرحلة الستينات. ويمكن الحديث أن هذا الفتور استمر حتى عام 1992.

في عام 1992، بدأت العلاقات الهندية الإسرائيلية تصل إلى مرحلة غير مسبوقة، حيث تم الاتفاق على انتقال البلدين إلى مستوى العلاقات الدبلوماسية الكاملة، فيما كانت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، آرئيل شارون، إلى الهند، لحظة حاسمة في الإعلان بدون أي حرج عن هذه العلاقة.

التسعينات لحظة حاسمة.. لماذا؟

تعززت هذه العلاقة مع زيارات متبادلة بين عسكريين من الطرفين، وبدأت العلاقة بوضوح مع المبادرة الإسرائيلية بعرض مقترح للتعاون في مجال التعاون الجوي، وعقدت صفقات عديدة في مجالات مختلفة،  قبل أن تتدخل الشركات الخاصة الإسرائيلية، وتدخل في صفقات هي الأخرى، بنسب تتجاوز أكثر من نصف الدخل الإسرائيلي من صناعات الأسلحة. 

وقد كانت ثمة مجموعة من العوامل الأساسية التي جعلت العلاقة بين إسرائيل والهند تتنامى بشكل سريع وملحوظ وفي فترة قصيرة نسبيًا، وهناك مجموعة مختلفة من الآراء حول ذلك.

أولا: سقوط الاتحاد السوفييتي، والأثر الذي تركه على شكل الاستقطاب السياسي في العالم من جهة، والفراغ الذي شكله كدولة عظمى راعية ومصدر أساسي لتصدير السلاح. حيث حاولت إسرائيل تقديم نفسها كبديل، من خلال تسهيل عمليات التبادل العسكري مع الهند، سواء من خلال صفقات الأسلحة أو التدريب. وقد ساهم انتقال جزء من خبراء السلاح السوفييت إلى إسرائيل في منتصف التسعينات في الدخول في صفقات لصيانة وترميم المعدات العسكرية السوفييتية القديمة في الهند ودول أخرى. وشكل التبادل العسكري العتبة الأولى في العلاقات المشتركة بين الطرفين.

ثانيًأ: صعود الحزب الهندوسي بهارتيا غانتا في عام 1992 إلى السلطة. حيث كان هذا الحزب يحمل عداءً كبيرًا للأقلية المسلمة في الهند، التي تعتبر أكبر أقلية مسلمة في العالم. وصور هذا الحزب أن الموقف المناهض لإسرائيل، الذي تبناه القادة الهنود التقليديون، كان متأثرًا بالأقلية الإسلامية. وروجت إسرائيل فكرة التحديات المشتركة، من أجل تحسين العلاقات مع الهند، حيث دارت الاتفاقيات الأولى في هذه الفترة، حول ضرورة التعاون أمام المخاطر المشتركة التي تشكلها المجموعات الإسلامية. وقد تقاطع هذا الخطاب مع تصاعد مقولات لها علاقة بطبيعة الإسلام أو المسلمين العنيفة. وبالتالي فقد تم استعارة التحليل الثقافي الذي يستند بالأساس إلى قراءة استشراقية تضع المسلمين جميعهم في موقع واحد وصفة واحدة، متجاهلة ثقافاتهم وانتماءاتهم المختلفة. وفي حالة الهند مثلًا، فقد تم جمع المجموعات الإسلامية المتطرفة في الهند مع حماس وحزب الله، إضافة إلى الخطر الباكستاني الذي تصاعد مع تطور المشروع النووي. ولعبت هذه المخاوف المشتركة دورها الواضح مع وصول الحزب الهندوسي إلى السلطة، وانزعاجه من الأقلية الإسلامية التي كان هناك اتهام دائم لها بتسبيب العنف.

ثالثًا: التسوية السياسية التي تمثلت بتوقيع اتفاقيات السلام بين منظمة التحرير ودول عربية وبين إسرائيل، واستغلال الأخيرة لها للترويج لفكرة انتهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك التحول الذي جعل العلاقات مع إسرائيل أيسر وأكثر قبولًا، خاصة مع نشوء اتفاقيات دبلوماسية بين أنظمة عربية وتل أبيب. بالإضافة إلى ذلك، فقد حاول الخطاب الإسرائيلي في هذه الفترة تقديم الصهيونية كحركة تحرر وكجزء من حركات التحرر في العالم الثالث.

رابعا: تراجع دور النفط العربي، ورجوع كثير من العمالة الهندية في الوطن العربي إلى الهند بسبب حرب الخليج، وهي عوامل دفعت الهند إلى التخفف من الشروط العربية في نظرتها إلى إسرائيل، بالإضافة إلى المواقف العربية من الصراعات الهندية مع باكستان والصين وقضية كشمير.

اقرأ/ي أيضًا: تجارة الماس في إسرائيل.. أرقام مرعبة

خامسا: دخول الهند مرحلة الانفتاح الاقتصادي أو ما أطلق عليها عمليات الإصلاح، ما دفعها إلى تغيير مركزية القضايا السياسية في تحديد علاقاتها الدبلوماسية، مقابل إعطاء نوع من المركزية للاقتصاد، وأيضًا إعادة النظر في الموقف من أمريكا، وبالتالي إعادة النظر في الموقف من إسرائيل.

الدور الدبلوماسي لتصدير السلاح

ويجد المطلع أن التبادل في مجالات الأسلحة والدفاع وأنظمة الحماية، حاز على نسبة عالية من  حجم التبادل الاقتصادي بين إسرائيل والهند. فقد شكلت إسرائيل بديلًا سريعًا وفعالًا لتزويد الهند بالسلاح بعد سقوط الاتحاد السوفياتي،  وبعد خسارتها مزودها الأساسي. ولعل تردد مزودي السلاح الأوروبيين في تشكيل علاقة تجارية في مجالات الأسلحة مع دول العالم الثالث والدول الصاعدة، لأسباب مختلفة، جعل إسرائيل بديلًا فعالًا وواحدة من المزودين الأساسيين، وجعل السوق الهندي بالنسبة لإسرائيل السوق الأول والأكثر استيعابًا لمنتجاتها الأمنية.

يجد المطلع أن التبادل في مجالات الأسلحة والدفاع وأنظمة الحماية، حاز على نسبة عالية من  حجم التبادل الاقتصادي بين إسرائيل والهند

وتحتل الهند صدارة الأسواق المهمة لقطاع التجارة العسكرية الإسرائيلية، حيث إن البلد الذي يقع في جنوب آسيا يشتري أكبر كمية من صادرات الأسلحة الإسرائيلية مقارنة بأية دولة أخرى، وتقدر بنصف المبيعات الإسرائيلية في قطاع الأسلحة تقريبًا. فيما تعد إسرائيل أكبر حليف عسكري للهند من حيث التبادل والاستيراد بعد روسيا.

واستمرت العلاقات في القطاع العسكري بالتنامي، حتى أن الهند وقعت في عام 2017، مع شركة إسرائيلية خاصة، ما يقول الإعلام الإسرائيلي إنه أكبر صفقة في تاريخ قطاع الأسلحة الإسرائيلي. ومن الجدير بالذكر، أنه غالبًأ ما يتم التعتيم على النسب الحقيقية للسلاح من إجمالي التبادل التجاري بين الطرفين.

تبدو هذه الاستراتيجية واضحة في معظم علاقات إسرائيل مع دول العالم الثالث، حيث تستغل مناطق الحروب أو الدول المحظورة من استيراد السلاح، أو التي لا يصلها مزود السلاح الأوروبي، من أجل كسبها لصالحها. وهو ما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وما يحصل الآن في دول إفريقية عدة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المركز العربي يبحث العلاقات العربية الهندية.. تحولات العلاقة مع قوة ناشئة

"تجارة الأمن القومي".. صفقات السلاح تضخ المليارات في جيوب السيسي