ما بعد الحداثة كبروباغندا للأنظمة

ما بعد الحداثة كبروباغندا للأنظمة

بات نقد ما بعد الحداثة دعايةً لبروباغندا الأنظمة (مايكل كلاينبست/ Pinterest)

يأخذ السجال حول خطورة "ما بعد الحداثة" في العالم الثالث، رواجًا غير قليل في الفترة الأخيرة، ولم يعد الحديث في هذه الخطورة مجرد تذمر تقليدي من الفذلكة أو السفسطة المبالغ فيهما. هناك وجهة نظر جدية، تقول إن نقد الحداثة في مجتمعات لم تصل إلى حداثتها لأمر مقلق، وكذا نقد العلم في مجتمعات يواجه الإنتاج العلمي فيها مشكلات كبيرة، أو نقد القومية في مجتمعات ما زالت تخوض حروبًا حول هوياتها الضيقة، والأهم من ذلك جميعه، نقد الديمقراطية في مجتمعات تعاني منذ عشرات السنين من الاستبداد.

السجال حول "خطورة" ما بعد الحداثة، أخذ رواجًا في مجتمعات العالم الثالث التي لم تصل لحداثتها بعد!

هناك من اعتبر أن مقولات بعد الحداثة، وبشكل ضبابي، تقع على الحد الفاصل بين نقد السلطة والوقوف مع السلطة، وبين نقد الحداثة والدفاع عن التخلف (ولو أنها أنكرت وجود هذه الثنائية)، وبين الوقوف ضد سلطة العلم، وبين الدفاع عن الشعوذة. هذه وجهة نظر صارت معروفة، حتى اعتبر بعض الحاقدين على النظرية أنها تحولت إلى عائق حقيقي أمام التطور الإنساني، ومبررًا للكسل وقلة الإنتاج الجماعية، وذهب عالم الأحياء البريطاني المعروف بتطرفه في هذه الجزئية، ريتشارد دوكينز، إلى اعتبار أن الدين وما بعد الحداثة هما العدوان الأخطر للعلم.

اقرأ/ي أيضًا: انتقام العقلانية

عربيًا، يبدو السؤال مركبًا أكثر، خاصة مع الاستخدام المختلف للنظرية وفي سياقات متعددة. أعطى مرة أحد زملائنا الإسلاميين، محاضرة استخدم فيها كل النقد المتوفر لما بعد الحداثة من أجل الهجوم على العلم، ومن أجل نفي اعتبار العلم حقيقة. جادل في ذلك من أجل نقد نظرية التطور ونفي صحتها والدفاع عن سردية الخلق بطبيعة الحال، وقال بالحرف الواحد: "إنه لا حقيقة. السلطة دائمًا تصنع الحقائق". فوجئت وقتها، وقلت له إنني أتفق معه، لكنني أستغرب من إصراره على نفي وجود الحقيقة، مع أنه كمتدين من أكثر المحتاجين لها.

يتكرر هذا كثيرًا على أية حال. ما يحدث أن كثيرين يستخدمون نقد "الحقيقة" من أجل نفي حقائق الآخرين، لكنهم لا يلتفتون إلى حقائقهم الخاصة ويرونها بعيدة عن هذا الاعتبار. أعرف شخصيًا أشخاصًا يتغنون يوميًا بتحطيم أصنام الدين والتراث، ولكنهم سيهاجمونك مع أي تعليق بسيط عن زعيم حزبهم.

مع ثورات الربيع العربي، عاد السؤال عن الديمقراطية نظريًا، وصار أكثر إلحاحًا. هناك من اعتبر أن الحدث العربي المركزي سيضيف إلى المفهوم، وإلى التنظير له. وهناك من أراد نقد مفهوم الديمقراطية، باعتباره بدعة ليبرالية، أو أوروبية، أو حقيقة تفرض على العالم من خلال أدوات العولمة والهيمنة... إلخ. وكل هذه الاستخدامات مشروعة في غير السياق الذي جاءت فيه.

كثيرًا ما يتكرر، أن يستخدم بعضهم نقد "الحقيقة" لنفي حقائق الآخرين، دون الالتفات إلى حقائقهم الخاصة ويرونها بعيدة عن النقد!

وهنا بالضبط، جاء دور "ما بعد الحداثة"، وكأنها نظرية من نظريات المؤامرة، وتم استخدامها مثل ما تم استخدام النظريات النقدية للعولمة ونظريات ما بعد الاستعمار، كحيلة للدفاع عن الموجود، وللوقوف ضد التغيير.

اقرأ/ي أيضًا: إيمان الأيديولوجيا

من الطريف فعلًا، أن منظري الأنظمة استخدموا نقد السلطة من أجل الدفاع عن السلطة. ليس هذا النمط غريبًا، لكنه يتجدد بعد الربيع العربي بطريقة مخيفة حقًا. قبل ذلك، كانت بعض الأحزاب الراديكالية العربية، مستلهمة النموذج السوفييتي البدائي، تصور الديمقراطية والعلمانية باعتبارهما دخيلًا ثقافيًا، وأكثر من ذلك باعتبارهما نموذجين يمثلان ركيزة الرأسمالية والإمبريالية الصرفة، لكن ما يحدث اليوم مختلف، إذ تتم المساجلة ضد الديمقراطية نفسها، وبإصرار وصل إلى مناطق لم يصل إليها إبان غزو العراق مثلًا، في وقت كانت فيه الديمقراطية حجة تافهة للتدخل العسكري.

لم يشعر منظرو المؤامرة، وهم "يفككون" سلطة أجهزة المخابرات الغربية، وقدراتها العجائبية على التحكم في الشعوب وإقناعها، وكذلك وهم ينتقدون سلطة "الخطاب" والمعجم الأوروبي؛ أن ثمة أي نوع من التناقض، لأنهم يفعلون ذلك من أجل الدفاع عن أجهزة مخابرات أخرى، وعن نوع أوضح من السلطة، فتحويل النقد إلى نوع من البروباغاندا يعمي أصحابه.

من أهم ما أنجزه الربيع العربي، أن معظم من حملوا موقفًا ضد الثورات لم يقفوا ضد هذه الجولة أو هذه الطريقة فقط من الديمقراطية، ولكنهم نظّروا ضد الديمقراطية نفسها، فصار الاصطفاف بيّنًا. هناك جهات واضحة اليوم يقف فيها ديمقراطيون، وجهات أخرى يقف فيها غير ديمقراطيين.

ومن المضحك وغير المفهوم، في غير سياقنا العربي، أن يتباهى ماركسي أنه غير ديمقراطي، وقد يقتبس ماركسيون ميشيل فوكو في سبيل ذلك، ويا سبحان الله. وقد سمعنا ذلك كثيرًا في الفترة الأخيرة. ومن غير المفهوم في غير سياقنا أيضًا أن يسخر تقدمي من المساواة "الأوروبية" بين المرأة والرجل، وكذلك أن يسوق إسلامي مبررات نظرية كبرى لتأطير وقوفه ضد المثليين.

أهم ما أنجزه الربيع العربي أنّه باتت هناك جهات واضحة يقف فيها الديمقراطيون وأُخرى يقف فيها غير الديمقراطيين

هنا بالضبط تقف نظريات ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار في زمن الثورات العربية، ويقف نقد الديمقراطية إجمالًا، على الحد الفاصل مع البروباغاندا، وهنا يبقى النقد مهيأً ليتحول عند الحاجة ومع أي لحظة، إلى دعاية فجة للأنظمة ولغير الديمقراطيين. إنه وقت قد يتحول فيه النقد، إلى ذريعة للدفاع عن المنقود.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الديمقراطية..على حافة الهاوية

مستقبل الديمقراطية والرأسمالية.. بربرية التضليل