19-مايو-2019

المفكر السوري الطيب تيزيني (1934-2019)

كما ينبغي، انشغلت صحافة عربية وعالمية وكذلك مواقع التواصل برحيل المفكر السوري الطيب تيزيني (1934-2019) الذي توفي في مدينته حمص (وسط سوريا) مخلفًا إرثًا كبيرًا من الفكر والفلسفة في شؤون التراث ونقده وتقديم تصورات لإمكانية الاستفادة منه، من جزء منه في إحداث تغيير في البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية العربية. ناقش عبره الكثير من الأفكار والنظريات، وكذلك الكثير من المفكرين والفلاسفة في العالم العربي والعالم على حد سواء في نوع من الدقة المنهجية والاصطلاحية شهد له فيها خصومه وموافقوه.

الطيب تيزيني شأن المفكرين الكبار لم يشأ أن يعيش في الكتب والنظريات والأفكار بعيدًا عما يحدث في الواقع

تيزيني شأن المفكرين الكبار لم يشأ أن يعيش في الكتب والنظريات والأفكار بعيدًا عما يحدث في الواقع، بل انخرط بالحدث الأرضي غير عابئ بما تخاف منه الفلسفة عادة وهو التلوث بأرض الواقع وأوحاله، فقدم عبر ذلك نموذجًا ساطعًا لعمل الفكر والمفكر الذي يرى أن لا قيمة كبيرة لكل الأفكار إن لم تنطلق من/ وتصب في حركة المجتمع، وقد أحرق كل ريش الطاووس التي تنبت، عادة، على أجساد بعض المفكرين والفلاسفة، وهذا الأمر هو ما يهم هذه المقالة، أما البحث في فكره وتصوراته وتوسيعها ونقدها إلى ما هنالك فهذه متروكة لمرات قادمة ربما، ومتروكة بصفة خاصة لذوي الاختصاص.

اقرأ/ي أيضًا: طيب تيزيني.. ناقد الثقافة والاستبداد

الذاكرة الثقافية السورية تحفظ للراحل أنه مثلما حاضر في كبريات الصروح الثقافية والعلمية ومدرجاتها، حاضر أيضًا في قرى صغيرة لا مدرجات فيها ولا صروح، بل أحيانًا في غرفة تتسع لعشرة أشخاص، وعلى امتداد سوريا انطلاقًا من حمص، مدينته، مرورًا بحلب ودمشق والرقة ودير الزور ومدن وأرياف سورية أخرى، في نوع  يشبه التصوف المعرفي، والتصوف الاجتماعي، والتصوف الثقافي حيث الغاية هي إيصال الفكرة، ونقاشها، وتطويرها بين الناس جميعًا وليس فقط في أروقة الجامعات ومراكز البحوث.

تدخل الراحل في الشأن العام ليس فقط على مستوى الكتابة، بل واقعيًا حيث كان من الموقعين على البيان الذي عرف ببيان الـ 99، وشارك في تلك الظاهرة المهمة في التاريخ السوري وهي ربيع دمشق، لكن الحدث الأبرز هو مشاركته في الاعتصام أمام وزارة الداخلية السورية في 17 آذار/مارس 2011 لما تعرض له الفيلسوف من أذىً على يد عناصر الأمن السوري الذين حاصروا المعتصمين وفضوا الاعتصام بالقوة ونكّلوا بالطيب تيزيني وشحطوه على مرأى الناس ودفعوه إلى سيارتهم واعتقلوه لساعات. حدث هذا مع مفكر تم اختياره كأحد أهم مئة فيلسوف في العالم من قبل مؤسسة كونكورديا الفلسفية الألمانية- الفرنسية عام 1998. وهذا ما يجعل الذاكرة تستحضر بعض الفروق في النظر إلى/ والتعامل مع مفكرين وفلاسفة تصادموا مع أنظمة بلدانهم ومع قوانينها. فقد أثارت مواقف الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر من الحركة الطلابية 1968، ومن علاقة فرنسا مع الجزائر حفيظة الرئيس ديغول ومستشاريه لما أحدثته من اضطراب في المجتمع الفرنسي، فاقترح عليه مستشاروه أن يعتقل سارتر، لكنه رفض قائلًا: "إن فرنسا لا تعتقل فولتير". وتم سؤال ديغول عن ذلك بعد سنوات فقال: "سارتر كان يقوم بدوره... نعم لا يمكن وضع فولتير بالسجن. لقد سبب سارتر الكثير من الصداع للسلطات الفرنسية، لكن ليس هناك أكثر أهمية من أن تبقى حرية الفكر والتعبير مصانة".

الطيب تيزيني ليس صانع قيم فحسب، بل حارسها أيضًا على طول الوقت

وتستحضر الذاكرة العفو الرئاسي الفرنسي الذي أصدره فرانسوا ميتران عندما حكمت المحكمة على الفيلسوف الفرنسي لويس ألثوسير بالسجن بتهمة قتل زوجته، حيث كان مصابًا باضطراب عقلي، وبرر الرئيس الفرنسي ذلك بأنه: "لا ينبغي على فرنسا أن تسجن فلاسفتها". بينما في ظل الأسدية يُهان الفيلسوف ويُضرب ويُسحل في الشوارع على مرأى الناس ويُعتقل.

اقرأ/ي أيضًا: استشراق/استغراب.. الرقص على قدم واحدة

في 18 نيسان/أبريل 2011، شارك تيزيني في اعتصام الساعة في مدينته حمص. يروي كيف قتل النظام 1300 صبية وشابًا في ذلك الاعتصام ويبكي، في لقاء تلفزيزني، بكاء حادًا. وساهم في "اللقاء التشاوري" الذي عقد في دمشق في بدايات ثورة السوررين وطالب خلاله بـ: تفكيك الدولة الأمنية وإطلاق سراح المعتقلين كافة، وكان يهدف عبر ذلك، كما قال، إلى محاولة، ولو محاولة لتجنيب سوريا مصيرها الذي وصلت إليه بالفعل جراء توحش النظام في قمع الثورة.

ولم يتوقف تيزيني عن التعبير عن مواقفه على الرغم من كل المضايقات التي تعرض لها في سوريا وفي حمص، مدينته في شتى طرق التعبير ووسائله، كما ينبغي لمفكر كبير ذرف الكثير من الدموع لأجل بلده وومجتمعه.

تيزيني ليس صانع قيم فحسب، بل حارسها أيضًا على طول الوقت.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا لا يجب أن تموت الفلسفة؟

من أسلمة الحداثة إلى سلفنتها