الطريق إلى الوطن (2).. حكايا سوريين ضاقت بهم بلاد اللجوء!

الطريق إلى الوطن (2).. حكايا سوريين ضاقت بهم بلاد اللجوء!

يمر العديد من السوريين عبر السودان في طريق عودتهم إلى سوريا (سالي هايدن/ irishtimes)

تُعتبَر الهجرة العكسية حركةً متناميةً، تتمثل في جهود اللاجئين السوريين في أوروبا للعودة إلى ديارهم. ولكن أولئك الذين يريدون الرجوع يواجهون كُتلًا من العقبات القانونية والعملية والمالية، والكثير من الذين استطاعوا العودة، يواجهون التعذيب والتجنيد الإلزامي. في هذا التحقيق، المترجم عن صحيفة ذا آيريش تايمز، نسافر إلى ألمانيا والسودان وسوريا للقاء أولئك الذين يبحثون عن طريق العودة والتعرف على قصصهم. وبعد الجزء الأول الذي ركز على ندم البعض ونقل رغباتهم في العودة، يتعرض هذا الجزء الثاني لتجارب العودة في حد ذاتها، طرقها، اختلافاتها وصعوباتها.


العودة

كان سنغار في مهمة لإنقاذ أطفاله. مع تفاقم القتال في سوريا، فقد اتصلوا به من مدينة دير الزور، قائلين إنهم محاصرون؛ فقد كان تنظيم الدولة (داعش) في مكانٍ قريب، ولم يتمكنوا من مغادرة المنزل وكانوا جوعى.

أصبحت سالونيك الآن مركزًا للاجئين السوريين العائدين إلى الشرق الأوسط. وتتوفر على فيسبوك مجموعة ينسق فيها السوريون عن المدينة وتحركاتهم

ولا يحمل أي من المراهقين الأربعة، ولا الأم، جواز سفر. وحتى لو كان لديهم، فلا سبيل لهم للوصول إلى السفارة الألمانية، لاستكمال عملية لم شمل الأسرة التي يمكن من خلالها لسنغار جلبهم إلى أوروبا. إنهم لا يستطيعون الانتقال من الشارع الذي يسكنون فيه إلى الشارع المجاور. فهناك ألغام على طول الطريق في الخارج. وحتى وهم داخل منازلهم لا يزال الخطر يحدق بهم. فقد أُصيِب منزلهم من قبل بصاروخين مما أثار الفزع بأحد أبناء سنغار حتى أن أسنانه كُسرت.

جاء سنغار، البالغ من العمر 49 عامًا، ذي الشعر الرمادي والسترة الجلدية إلى ألمانيا في عام 2015. ذهب قُدمًا في تلك الرحلة لأن الأسرة لم يمكن لها إلا تحمل تكاليف سفر شخص واحد. يقول سنغار: "لقد كنت أهرب من موقف إلى آخر"، إذ قد واجه مشاكل بمجرد وصوله، بما في ذلك الصدمة التي تفاجأ بها لمدى صعوبة اللغة الألمانية.

سنغار (سالي هايدن/ irishtimes)

ومع ذلك، حصل على أوراق اللجوء، وفي بداية عام 2017، منحته السلطات الألمانية منحةً لشراء بعض الأثاث. هذا المال جعله يغير رأيه: لماذا عليه أن يُؤثِّث شقته بهذا المال في حين أنه يمكنه استخدامه لإنقاذ أولاده؟

التقينا في شارع في برلين يعرف باسم "شارع العرب"، والذي امتلأ بحانات الشيشة ومطاعم الشرق الأوسط. وبينما كنا نتحدث استخدم سنغار قداحته، وهاتفه وعلبة السكر لرسم الطريق الذي سلكه إلى سوريا.

اقرأ/ي أيضًا: الطريق إلى الوطن (1).. حكايا سوريين ضاقت بهم بلاد اللجوء!

أولاً، استقل القطار إلى بودابست. ثم طار إلى أثينا. ومن هناك ذهب إلى سالونيك وهناك استقل حافلة أوصلته حتى الحدود التركية، ثم سار حتى وصل إلى جزءٍ لم يكن عليه حُرّاس. ولأن الحكومة الألمانية كانت تحجز جوازه، استعمل مهربًا وجوازًا سوريًا مزورًا ليعبر الحدود التركية إلى إدلب التي تسيطر عليها المعارضة السورية، ثم تمكن من وصولها بعد انتظار طويل ودفع رشوة لحراس الحدود. بلغت تكلفة رحلة سنغار 2500 يورو، مما جعله مديونًا.

وبمجرد أن كان داخل سوريا، أخبرته المعارضة السورية أن يعود، قائلين: "لا تذهب إلى دير الزور، لأن داعش يسيطر عليها. وإذا أدركوا أنك قادمٌ من أوروبا فسوف يقطعون رأسك".

في نهاية المطاف، وصل سنغار مرةً أخرى، إلى ألمانيا. وهو الآن يعيش مشردًا وغارقًا في  الديون. ويعيش الآن على صدقة أحد السوريين المقيمين في برلين، والذي قد سمح له أن ينام في مطعمه، وتكفل بإعطائه السجائر والطعام الذي يحتاج إليه. يقول سنغار: "كثيرٌ من الناس يريدون العودة ولكنهم بحاجة إلى منطقة آمنة، ذهبت إلى هناك وحاولت، ولكن من المستحيل أن تصل".

سالونيك

كانت سالونيك منذ سنتين مركزًا للمهاجرين واللاجئين، الذين يصلون للمرة الأولى إلى أوروبا، فقد كانت نقطة الاحتفال ومكان التنسيق للرحلة داخل أوروبا. الوصول إلى هناك يعني أنك قد عبرت الحدود بالفعل، وتجنبت الشرطة المحلية التي تقوم بعمليات الإمساك بالمتسللين بطُرقٍ غير قانونية، واحتجاز اللاجئين ثم إعادة توطينهم في تركيا.

أصبحت سالونيك الآن مركزًا للاجئين العائدين إلى الشرق الأوسط. ويوجد على فيسبوك مجموعة تضم عشرات الآلاف من الأعضاء السوريين الذين ينشرون بوستات بانتظام عن المدينة. وكان آخر بوست هناك:"يا رفاق، أنا ذاهب من مدينة كولونيا في ألمانيا، إلى مدينة سالونيك، الشهر المقبل. إذا كان هناك شخص يريد الانضمام إليّ يمكننا أن نذهب معًا".

وكانت هناك عائلة أخرى مكونة من ستة أفراد، ذاهبةً إلى تركيا، وكانت تسأل إذا كان أي شخص يمكن أن ينضم إليهم. السفر في مجموعات يُقلِّل من تكلفة المهرب. وتصل بعض المجموعات إلى أعدادٍ كبيرة مثل 30 أو 40 فردًا.

أولئك الذين يغادرون ألمانيا يطيرون إلى سالونيك من خلال وثائق سفرهم الألمانية. ومن هناك يستقلون حافلة توصلهم إلى إحدى النقاط العديدة التي يُوصي بها المهربون على طول الحدود التركية، ومن هناك يكون لديهم خيارين، إما العثور على جسر عبور نهر ماريتسا، أو الاتصال بالمهربين المتمركزين بشكلٍ دائم هناك، والذين يمكن أن يأخذوهم على متن قارب بتكلفة تتراوح بين 100 دولار إلى 200 دولار. يقول لنا أحد المهربين: "لا تقلق، يا أخي، إن معارفي يتواجدون عند تلك النقطة".

وكما فعل الكثيرون في طريقهم إلى أوروبا، يأتمن المهاجرون العكسيون المهربين، الذين كثيرًا ما يضرون بسلامتهم. يقول رجل سافر من ألمانيا إلى تركيا لرؤية زوجته: "لا يهتم المهربون سوى بجني المال"، ويضيف: "ذهبت قبل 10 أيام، وضبطتني الشرطة اليونانية وضربتني وألقيت بكل شيء كان معي في النهر". وقال إن شرطة الحدود آذته وآلمته بشدة، فقد كسرت اثنين من أسنانه، وضربته حتى أفقدته الوعي.

بمجرد وصولهم إلى تركيا، قد يبيع السوريون الواثقون من قرارهم بالمغادرة وثائقهم الألمانية لسوريين آخرين بحوالي ثلاثة آلاف دولار

بمجرد وصولهم إلى تركيا، قد يبيع السوريون الواثقون من قرارهم بالمغادرة وثائقهم الألمانية لسوريين آخرين بحوالي ثلاثة آلاف دولار. يمكن أن يستخدم المشتري الوثائق للسفر إلى ألمانيا قبل أن يتقدم  بطلب للجوء عندما يصل بسلام إلى هناك.

وقد جاء في منشورٍ حديث: "إنني سأغادر ألمانيا وأذهب إلى تركيا. إذا وجدتم شخصًا يشبهني، يمكنه استخدام جواز سفري والعودة مرة أخرى". يكفل بيع الوثائق الأوروبية لكثير من السوريين تغطية مصروفات رحلة العودة.

اقرأ/ي أيضًا: أبرز التحديات التي تواجه الطلبة اللاجئين في أوروبا

يُوجَد نظريًا طريق قانوني ومجاني يمكّن اللاجئين من العودة إلى بلادهم. فعندما يطلب لاجئون من دولةٍ أخرى المغادرة، تتكفل منظمة الهجرة الدولية تغطية تكاليف الرحلة. حتى أن لديها خطًا هاتفيًا سريعًا بما في ذلك الخط المخصص لأيرلندا - وقد دشنوا في هذا العام موقعًا متخصصًا بالتعاون مع الحكومة الألمانية.

بيد أن سوريا ضمن ثلاثة بلدان تُصنّف بأنها خطيرة جدًا. وهو السبب وراء تعليق توفير رحلات العودة إليها في الوقت الحالي (البلدان الآخران هما ليبيا واليمن). تُجري سابين ليمان، التي تعمل لدى مكتب منظمة الهجرة الدولية في برلين، تقييمًا مستمرًا للوضع في سوريا. تقول ليمان: "ينبغي أن يكون السفر آمنًا في ذاته، كما يجب أن يكون الوضع هناك آمنًا".

عندما يطلب لاجئون من دولة أخرى المغادرة، تتكفل منظمة الهجرة الدولية بتغطية تكاليف الرحلة لكن سوريا من الدول التي تعلق رحلات العودة إليها حاليًا

على الرغم من هذا، تقول إنها تدرك أن كثيرًا من السوريين يجادلون بشأن العودة فيما بينهم. إذ تقول: "إنكم تشعرون بهذا في كل مكان. وأنا أيضًا. أنتم في حاجة إلى طُرقٍ قانونية للهجرة إلى كلتا الوجهتين". كما تحذر من أن اللاجئين يجب أن يدركوا العواقب. تضيف ليمان: "إذا غادرت ألمانيا، أنت تسحب طلب اللجوء".

يقول مسؤولو المكتب الألماني الاتحادي للهجرة واللاجئين إنهم لا يملكون طريقة لإحصاء عدد اللاجئين الذين عادوا إلى ديارهم (باستقلالية). فلن يرسل برنامج إعادة الإدماج والهجرة لطالبي اللجوء في ألمانيا (REAG) وبرنامج الإعادة إلى الوطن المدعمة حكوميًا (GARP) الأشخاص إلى سوريا، إلا أن العام الماضي شهد عودة 35 سوريًا إلى بلاد مجاورة عبر هذا البرنامج، حسبما يقول مسؤولو المكتب.

وتشير دراستنا إلى أن أعداد السوريين المغادرين إلى سوريا أو إلى البلاد المجاورة يبلغ أضعاف هذا الرقم.

طريق السودان وطريق إيران

يعتبر السودان أحد البلاد القليلة التي لا يتطلب دخولها تأشيرة بالنسبة للسوريين، وهي نقطة عبور معروفة للاجئين الراغبين في العودة إلى سوريا بدون المرور عبر اليونان. يمكن للسوريين الذين لا يزالون يملكون جوازات السفر الخاصة بهم أن يسافروا من ألمانيا إلى الخرطوم، ومن الخرطوم إلى دمشق مباشرةً. وخلال توقفهم في الخرطوم، يبيع بعضهم وثائقهم الألمانية. كتب أحد المعلقين: "لقد حصلت على وثيقة سفر إلى ألمانيا في السودان وأرغب في السفر إلى أوروبا، كيف الطريق إلى ذلك؟".

يخبرنا بعض السوريين أن السفارة السورية في ألمانيا تسهل العودة إلى سوريا عبر إيران. ينصح أحد المنشورات عبر الإنترنت: "إذا كان لديك جواز سفر سوري يمكنك الذهاب إلى السفارة السورية في برلين وإخبارهم أنك تريد العودة إلى سوريا. سوف يضعونك على رحلةٍ متجهة إلى طهران وستنتظر هناك ساعة حتى تصعد على متن طائرتك المتجهة إلى دمشق. ويقول لاجئ آخر إن عمه عاد إلى الوطن بهذه الطريقة. مع العلم أن مسؤولي السفارة السورية ألغوا مقابلة مع صحيفة "ذي آيريش تايمز" ولم يجيبوا على عديد من الطلبات التي قُدمت لهم للتعليق على الأمر.  

ورغم التأثيرات الكبيرة لهذه الرحلات والتي قد تغير حياة الأشخاص، فإن الأسئلة في المجموعات على الإنترنت بخصوص العودة تكون عادةً عن الجوانب العملية. وقالت إحدى الناشرات في شهر أيلول/ سبتمبر إن صديقتها رجعت إلى سوريا بعد عامين في ألمانيا، ولكنها لا تزال مضطرة أن تدفع عقد هاتفها الألماني. وعلق أحدهم: "أنا مصدوم أن الناس الذين يغادرون ألمانيا لا يزالون مضطرين أن يدفعوا عقد هواتفهم. نحن السوريون لا نخلف ديونًا وراءنا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

قناة DW عربي.. عن أيّ اندماج تتحدث؟

لاجئات سوريات يتحدين الظروف بأعمال تقهر الرجال!