الشموع تحصد أرواح أطفال غزة..والسياسيون يتعاركون

الشموع تحصد أرواح أطفال غزة..والسياسيون يتعاركون

(Getty)

ليلتهم الأخيرة كانت يوم الجمعة الماضي، عاشوا فيها لحظات جميلة باللعب والمرح في ساحات ميناء غزة، وكأنهم يودعون غزة في أسوأ ظروفها، وبداخل المتنفس الوحيد لهم وهو البحر على الميناء. وعندما عادوا لبيتهم المظلم أشعلت الأم الشمعة التي تنير أحلامهم بين الظلام. والشمعة التي كانوا يستنجدون بها لتنير لهم الغرفة، خذلتهم كما خذلتهم الحكومات الفلسطينية السابقة والحالية وحرقتهم.

 في غزة، وبسبب الحصار،  لا يمر أسبوع واحد إلا وتحدث مشكلة في محطة توليد الطاقة، والمشاكل الفنية التي تصادفها مرارًا شركة الكهرباء في المدينة

وعند الساعة العاشرة والنصف وبينما كانت الكهرباء مقطوعة، خرجت النيران بين منازل المخيم الضيقة، وسارع السكان لإنقاذ الأطفال والأم في المنزل، لكنهم أخرجوا ناصر الرضيع "4 شهور" ورهف "3 سنوات" ويسرى "4سنوات ونصف" جثثًا متفحمة، وإخوتهم علي "5 سنوات" محروق من وجهه، مهند "6 سنوات" محروق من جميع أجزاء الجسم بحروق درجة ثالثة.

اقرأ/ي أيضًا: مصر..السلطات تطارد "أطفال شوارع" بسبب فيديو

وكانت الأم نداء الهندي 27 عامًا لحظة الحدث تُحضر الحليب لرضيعها من جارتها أم السباع، وعند عودتها وجدت الحريق التهم أطفالها في الغرفة الوحيدة في المنزل، وسارعت لتنقذهم، لكن دون جدوى واحترق جزء من وجهها ويدها، ومع حضور الأب محمد الهندي كان كل شيء قد انتهى، ومنزله تحول لرماد أسود، وكل الأفرشة متناثرة، وألعاب أطفاله محروقة بجانب أطفاله الضحايا.

ومن الأساس منزلهم لا يصلح منزل للسكن، وهو عبارة عن ممر منزل أو منزل درج كما يسموه أهالي غزة، ومكون من غرفة واحدة وممر وحمام ومطبخ لا يتجاوز 5 أمتار، غير ذالك فهو منزل بالإيجار، لأن الأب لا يقدر على دفع إيجار منزل جيد، إضافة إلى الرطوبة العالية نظرًا لوقوعهم بين أبنية سكنية تحجب الشمس والهواء عنه، وهذا ما جعل النيران تأخذ وقتها وهي تحرق أجساد الأطفال.

وتقول أم السباع أبو حاجب ( جارة العائلة التي أحضرت الحليب للأم) "عائلة الهندي فقيرة جدًا، وهم من أفقر الأسر في مخيم الشاطئ، وتعتمد الأم لإحضار الحليب والخبز في الغالب من الجيران"، وتشير أبو حاجب أن الأسبوع الحالي كان الأسوأ على الأسرة، وخلاله سُرقت الدراجة النارية للأب، والتي يعتمد عليها في عمله.

ويقول جار عائلة الهندي وليد بارود  " في ظل انقطاع الكهرباء كانت عائلة الهندي تخرج لتجلس على باب المنزل لأنهم لا يملكون المال لشراء كشافات كما يعتمد غالبية سكان غزة"، ونوه الهندي أن الدفاع المدني حضر بعد 45 دقيقة، وأن المنطقة الواقعين فيها شوارعها ضيقة وتعاني من صعوبة وصول السيارات والعربات فيها.

اقرأ/ي أيضًا: صحافة القاهرة..جولة ربح جديدة ضد الداخلية

لكن الغريب في الأمر أن الاتهامات أعلنت قبل أن تكشف كامل تفاصيل الحريق واتجهت هذه المرة للسلطة الفلسطينية في رام الله من القيادي في حركة حماس صلاح البردويل، قبل أن يوجه الاتهام لمن يحاصر غزة، وبالطبع مؤيدو السلطة لن يسكتوا على تصريحاته، وتناولت الأصوات الفتحاوية تحميل حماس أرواح الأطفال الثلاثة لأنها من تحكم غزة. وهكذا اشتعلت النيران بين المؤيدين للطرفين والكل يتهم الآخرين لكنهم لن يعيدوا أرواح الأطفال الثلاثة وروحهم في السماء لا تريد لروح الحزبية أن تصعد معها لأنها لا تمثلها.

إحدى الصفحات الساخرة الفلسطينية "مش هيك" وضعت تصريحات هنية وعباس كما أعلنوها، حيث يقول الأول "سنوفر عمل وراتب لوالد الأطفال المحروقين"، أما الثاني "سأتكفل بعائلة الهندي وسنوفر لهم راتب وشقة"، وبدورها الصفحة وضعت بالخط الأحمر عرض خاص!! احرق أولادك واحصل على عمل وراتب هدية!.

ومع صباح يوم الأحد، نشرت حركة حماس يافطة كبير أمام ساحة السرايا أهم الساحات في غزة، وتضع فيها صورة الرئيس عباس ورئيس الوزراء حمد الله، وعليها "دماؤنا في أعناقكم"، والآن تحولت القضية سياسة بحتة وندمت الشمعة على حرق الأطفال.

هذه الحادثة أشعلت الحزن في أطفال غزة، فهم لا يعرفون كيف ستكون نهايتهم في المدينة الصغيرة المحاصرة، ربما من عدوان جديد يرمي بهم بقذائف وصواريخ تودي بحياتهم، أو من شموع في ظل عدم انتهاء أزمة الكهرباء في غزة، لأنها أصبحت واضحة للجميع أنها سياسية أكثر من كونها إنسانية، أو من أمراض تنهش عظامهم وهم لن يستطيعوا الخروج من خلال المعابر المغلقة، والموت حتمي لهم في غزة إن أصابتهم مصيبة من الثلاث المذكورة.

ومع كل هذه المأساة أصبح القطاع مدينة أشباح، فلا يمر أسبوع واحد إلا وتحدث مشكلة في محطة توليد الطاقة، وبالإضافة إلى ضريبة البلو التي تذهب للسلطة في رام الله والمشاكل الفنية التي تصادفها مرارًا شركة الكهرباء الوحيدة في غزة، أصبحت الخطوط المصرية تتعطل بشكل مستمر، وهو ما أصبح الغزيون يسمعونه كحجة من حجج شركة الكهرباء وسلطة الطاقة في غزة، وإن انقطعت الخطوط المصرية يمكن لكامل القطاع أن يتأثر في واقع الكهرباء ويشاهدها فقط باليوم 4 أو 5 ساعات.

اقرأ/ي أيضًا:

أزمة الجمهوريين التي لا تتعلق بترامب

أمريكا وصفقة الجزر المصرية..أوان رد الفعل