"الرخيصة والرخيص" لعارف حجاوي.. قصص قصيرة حقًّا

عارف حجاوي (الجزيرة)

ما الذي يدفع كاتبًا لمواصلة الكتابة في جنس أدبي بعد أن يكتب فيه الكتاب والكتابين وأكثر؟ سؤال كبير. سأقترح سببًا: السعي للوصول إلى جوهر هذا الجنس الأدبي. الكتابة المستمرة في جنس أدبي محدد، رواية أو شعر أو قصة أو غيرها، هي محاولة مستمرة للوصول إلى حقيقته، إلى: ماذا تعني الرواية وماذا يعني الشعر والقصة والمسرح وغيرها. ثمة علاقة هنا بين الاستمرار وعدم الوصول. يفترض اقتراحي أن الوصول للجوهر يعني التوقف عن الكتابة.

الكتابة المستمرة في جنس أدبي محدد، رواية أو شعر أو قصة أو غيرها، هي محاولة مستمرة للوصول إلى حقيقته

هذا أول ما خطر لي وأنا أفرغ من قصة "الرخيصة والرخيص" وهي آخر قصة في مجموعة "الرخيصة والرخيص" (دار ميريت، القاهرة 2017) لعارف حجاوي. تسع وعشرون قصة قصيرة، قصيرة حقًّا لا كما يخدعنا كتّاب كثيرون، مضبوطة في 177 صفحة، منها الفهرس صفحة، وأربع صفحات أول الكتاب، واحدة لعنوانه والثانية لمعلومات النشر والثالثة للعنوان بخط كبير والرابعة فارغة، وصفحة للمقدمة، ويا ليتها لم تكن.

اقرأ/ي أيضًا: عارف حجّاوي: أخاف من الخائفين على اللغة العربية

إذن، لعارف حجاوي، الكاتب واللغوي وأستاذ الإعلام والصحفي والإذاعي والتلفزيّ والملحن الموسيقي والمحقق الشعريّ... إلخ، مجموعة قصصية. جميلة حقًّا. وعلى طريقة حجاوي، فأنا لست ناقدًا أدبيًّا أو قصصيًّا حتى أتجنب هذه التوصيفات، أو أورّط نفسي بتفسيرها عبر مناهج وأدوات. ما لدي هو انطباع قارئ فاجأته المجموعة القصصية التي لم يسمع عنها قبلًا، وقرأها بانتباه.

هذه المجموعة القصصية مثيرة، يخلع فيها الشخوص ملابسهم بكثرة، بل إن في المجموعة قصتين عن علاقات غرامية ثلاثية، واحدة لامرأة ورجلين، وأخرى لامرأتين ورجل. علاقة جنسية لا عاطفية وحسب، تصل إلى السرير حقيقة لا مجازًا، ولا لعبًا على أدوار الأنوثة والذكورة وتبدلاتها، فهذه لها في المجموعة عدة قصص، منها: امرأة تصير الرجل الذي انتظرته، ورجل يصير النساء اللواتي ترفّع عنهن بدواع مهنيّة بحتة، وسوزي التي تبحث لأنفها الإغريقي عن حبيب أجنبي وينتهي بها الأمر تتزوّجه، والهاء عائدة على الأنف.

الرجال في المجموعة كلها مفعول بهم. الحياة تفعل بهم، وتتجلى من خلال رموزها: الجنس والعمل والمال، والوقت الذي يمضي ويصير عمرًا. حتى انتصارات الرجال القليلة في قصص حجاوي هي هزائميّة الجوهر.

بلغة النقاد فلعارف حجاوي أسلوب في القصة القصيرة، أول عناصره، أن القصص قصص بالمعنى المتبادر لذهنك أول ما تسمع كلمة "قصة". فهي تبدأ وتمضي وتنتهي، هي قصة وافية، ليست مشاهد ولا خواطر ولا قصائد نثر كما نجد في كثير من مجموعات القصص القصيرة اليوم. وهي تقليدية من عدة أوجه، فيها شخوص واضحون وغالبًا بأسماء، وفيها راو، عليم أو شخصية في القصة. والأهم – برأيي كقارئ متفاجئ – أن سياقها الزمني طويل، يطال الحياة كلها أو شطرًا طويلًا منها. والاهتمام بالمآلات والانشغال بها واضح، نرى الحياة في صورتها القارة ثم بما تبدل عليها، وقد نبدأ بالتبدل، ثم نصل إلى الخواتيم. عمر طويل في كثير من القصص، وحشد عجائز وشيوخ وجلد مترهل وآخر ذابل.

ثالث عناصره، انتبه إلى تقليدية القصص من حيث مبناها فتلك كانت الثاني، وفرة الآراء النقدية عن الكتابة نفسها ومسار القصص ضمن السرد، لا أدري إن كان لهذه الطريقة اسم لدى النقاد وإن كانت تعتبر تجديدية، فكثير من القصص فيها تعليقات متصلة بالكتابة، إما لمزًا بسائد في الكتابة الأدبية، أو تعليقًا على عبثية أسلوب سردي وانعدام الحاجة له، أو لعبًا تحريريًا ومشاغبة للقارئ في إظهار البراعة والمعرفة اللغوية والأدبية، وفيها نقد لرائج يستسخفه حجاوي أو لا يعبأ به. ولهذا الكسر المفاجئ لتدفق القصة أثر كبير في الإمتاع الذي يبلغ حد التبسّم والضحك.

هذا العنصر مهم في أسلوب حجاوي، وهو مما قد يجعل كاتبًا أو مهتمًا بالكتابة يجد في "الرخيصة والرخيص" أكثر من مجموعة قصصية، وتظل تعن على باله الأفكار تلك وهو يكتب أو يقرأ أو يتحدث عن الكتابة. وبلا شك يقول هذا العنصر الأسلوبي عن معرفة عارف حجاوي في الأجناس الأدبية النثرية الكثير، ويؤهل المجموعة لتكون مادة تدارس في ورشات الكتابة الإبداعية.

فلنأت إلى ما يزعج الكتّاب ويحبه القرّاء ويعتاش عليه سواد النقاد، وهو ما يظهر من الكاتب حين يكتب. تدور القصص في دول عاش فيها حجاوي، الملامح واضحة ويسهل التقاط التلميح إن غاب التصريح. وبرشاقة يمرر ملاحظاته الاجتماعية عن علاقة الناس بأصولهم وعن تدينهم ومعتقداتهم وتصورهم عن أنفسهم ضمن سياق أوسع هو المجتمع والناس الآخرون.

المؤسسات والشركات الكبيرة، حيث مستويات إدارية مختلفة وعلاقات قوة بيّنة أو خفيّة، تشكّل فضاء كثير من قصص المجموعة، ويمكن لك أن تتعلم أشياء وتعتبرها خلاصات تجارب عن العمل في بيئات كتلك، تبذل منافعها لقاء الكثير مما يعز على الإنسان التخلي عنه، وإكراهه على الكثير مما لا يريد، ويجد العاملون فيها أنفسهم في صراعات طويلة فيها مدير شبق وموظفة طموحة ووصولي مركوب. وهذه ثيمة واضحة في قصص حجاوي وربما نظره في الحياة وتتقاطع مع أحاديثه الإعلامية الذاتية عن الخيارات بين إكراهات العمل والتوق إلى حرية الإبداع. وثمة أفكار عن الحياة كلها، تبدلاتها المفاجئة أو القادمة بثقة وعلى مهل، وكيف يفعل الإنسان إزاءها. وسبك كل هذا في قصة من عدة صفحات، يأخذ شكل الخلاصة المفتوحة على المعنى، بدل المفارقة التي يلهث خلفها كتّاب القصة القصيرة، وهي للنكت أليق.

في "الرخيصة والرخيص"، أوجد عارف حجاوي لكثير من منجزات الخيال الهوليودي ترجمة عربية لافتة، كالحادس وشرطة الطير والفرناس والصواهر باليورانيوم

وفي القصص تصريح بعلاقتها بحياة حجاوي، في قصة "صحوة بعد الأربعين" يقول: "ليست قصة قصيرة؟ بل هي كذلك... هي قصة عقلي". والمقدمة التي تمنيت لو أنها لم تكن، تقول: "مثلما لم يستطع مختبر خلق خلية، يعجز الكاتب عن خلق ولو شخصية. كل أبطالي أبناء الحياة الواقعية، فإذا ما كنت من صحبي فانظر، من تكون؟". سيجد صحب حجاوي أنفسهم مكشوفين أمام امتحانات الحياة، ما رغبوا وما رهبوا، كشخصيات قصصه. والأهم من صحب حجاوي، حجاوي نفسه الذي ينكشف موقعه كمراقب وراصد لقصص الأخرين، خاصة الشؤون الرجالية والنسائية الخاصة.

اقرأ/ي أيضًا: مكتبة عارف حجاوي

لا يكتب حجاوي تحت ضغط، إن وصلت الفكرة فهذا خير وإن لم تصل فلا مشكلة، ينهي القصة. ويمكن لقارئ متفاجئ أن يجد في هذا الإنهاء العبثي قيمة أهم من القصة كلها. لا يبدو أنه يريد قول شيء كبير أو صغير. لا يريد إثبات شيء ولا نفيه. وقصة "جوزوني" مثال على العبث الكثير في المجموعة.

هذا قادني لاستنتاج مرتبط بما يمكن اعتباره العنصر الرابع والأهم في أسلوب حجاوي في المجموعة. العلاقة بين السخرية (العادية والسوداء والعميقة والحكيمة) والقصة القصيرة تستحق الانتباه. ما الذي يبقى من القصص القصيرة بدون هذه السخرية؟ بلاغة لغوية؟ فلتكن شعرًا نثريًا. قدرة عالية على الوصف؟ فلتكن مشاهد أو لوحات. شخصيات لافتة؟ ليأتي ناقد ويمدحها بالقول إنها شخصيات روائية وينبسط القاص لهذا الوصف ويتحضر لكتابة روايته القادمة. بالمناسبة شخصيات عارف حجاوي ليست روائية قط، إنها "قصصيرية" تمامًا.

السخرية أساسية في المجموعة، في اللغة والتشبيهات والأفكار والتوصيفات، في تحريك الزمن، وجعل الأشياء الكبيرة تبدو صغيرة جدًا وتكبير الصغيرة حتى تبلغ حجم الحياة، وفي النهايات المشدودة إلى البدايات بتقصّد عال.

وعودة للبداية، يبدو أن عارف حجاوي بمجموعته هذه وصل لجوهر ما لفهمه الخاص للقصة القصيرة وحقيقتها. فجرى على المجموعة ما جرى على كثير من جهده المهني والإبداعي، يضع كتابًا على الرف، يقول فيه كل شيء عنّ له (الرجل لمّ قواعد اللغة العربية التي يراها مهمة اليوم في كتيّب جيب، وعزم على جمع جيد الشعر العربي في كتاب فخرج بالزبدة)، ثم يقفل على الجنس أو النوع أو المجال ويمضي إلى غيره، حتى بدون أن يتحدث عن كتابه. هل أخاطر هنا حين يبدو وكأنني أقول إنه لن يكتب مجموعة قصصية أخرى؟ اعتبروها مخاطرة.

ولأن على الناقد أن يقول ما الجيد والأجود وما غير الجيد، وأنا لست ناقدًا، يكفي أن أقول رأيي، كانت المجموعة لتكون أكمل، بدون قصة "يعطيك العافية"، أما قصة "سكوت صالح" فنابية عن جو المجموعة كلها وعن أسلوبها. في المجموعة قصة كأن حجاوي يطرحها هدية لمترجمي أفلام الخيال العلمي، فقد أوجد لكثير من منجزات الخيال الهوليودي ترجمة عربية لافتة، كالحادس وشرطة الطير والفرناس والصواهر باليورانيوم. وفي المجموعة تصرف بالدارج اللغوي وإيراده في هيئات غير مألوفة، وفي الوقت عينه غير متعالية. يأتيك حجاوي بالمفردة التي تعرفها ويستخدمها في صورة نادرة، فلا يفعل ككثيرين يتلقّطون المفردات من المعاجم ويرصونها في نثرهم ليقول الناس إن لغتهم عالية أو أدبيّة. وهذا يجعل في القراءة متعة لغوية مضافة. ومن أمثلته: الرجل الناقه (من النقاهة بعد مرض)، الشعر الذيلفئراني (لا أدري إن كانت متصلة هكذا أم أن المسافة سقطت خلال صف الكتاب، وهذا كثير في المجموعة، أرجو أن تكون متصلة فهذا أكثر اتساقًا مع الفكرة)، مفؤود، تشعّث، يغتلي، تعاور، دخاريق، تستخبر، انفتل الطبيب بمعنى استدار، حشية من صوف، فتاة "رسحاء، وهي التي ليس عندها شيء من وراء"، زبني مفرد زبانية، و"عبد الحق زبني من زبانية النظام البائد، وقد طالما نتف بيديه البيضاوين الناعمتين لحى الإسلاميين وهم يقولون لا إله إلا الله. واليوم أصبح يأكل رزقه من صفع الحلقاء على خدودهم"، و"آلي نمشاء طويلة الأسنان مع كَسَس محبب (أي أن أسنانها تندفع إلى داخل الفم)"، فحجاوي إن ذهب للمعجم ليأتي بمفردة يضع ذلك في قصته.

وفي المجموعة أيضًا مطلع قصة بديع: "لست ملك زيت الزيتون، ذاك سعيد المشاربي". لا أدري أهو الأجمل أم مطلع قصة "الأستاذ الكبير": "لا يهمني إن جاءت هيفاء ببنطلون جينز أو بتنورة، أو حتى لو جاءتني عارية، المهم أن تأتي بأصابعها معها". وفي "الشهوة الأخيرة لأسعد بيك" وصف لأسنان امرأة جميلة، هي في استقامتها "كأسنان حمار"، وفي "الرخيصة والرخيص" "مئة شيء آخر".

اقرأ/ي أيضًا:

إدواردو غاليانو: الحروب تكذب

5 مفاتيح أساسية لقراءة أعمال تشيخوف