06-ديسمبر-2023
تدمير غزة بالذكاء الاصطناعي

لا يترك الذكاء الاصطناعي قتل الغزيين للفرصة (Wired)

كشف تحقيق استقصائي نشر مؤخرًا أن جيش الاحتلال الإسرائيلي في حربه الجارية على قطاع غزّة يتعمد استهداف المدنيين في القطاع، وذلك عبر توظيف تقانات متطورة وضعت خصيصًا لتوليد الأهداف وتلقيمها لأنظمة التوجيه في ترسانة أسلحة القتل الحديثة التي يملكها. أما النتيجة الحتميّة لذلك، فهي جعل كل غارة مجزرة محقّقة، وضمان وتيرة عالية من التدمير على مدى أطول فترة ممكنة.

ورغم أن أي حرب على غزّة، وبالنظر إلى طبيعة القطاع واكتظاظه بالسكّان وحقيقة كونه سجنًا كبيرًا بمن فيه، هي جريمة حرب ذات طبيعة إباديّة بالضرورة، إلا أن وتيرة القتل غير المسبوقة في هذه الحرب، والتي وصفها تحقيق آخر نشر في نيويورك تايمز الأمريكية بأنها "وتيرة تاريخية"، قد دفعت معدّي هذا التقرير إلى البحث في الآليات التي يعتمد عليها الجيش الإسرائيلي، والتي تساعد على توجيه ضرباته على هذا النحو الذي ينزع عنها العشوائية، ويثبت بما لا يدع مجالًا للشكّ تقصّد إبادة الحياة في المجتمع الفلسطيني في غزّة، ويجعل هذا التقنيات جزءًا من "مكنة للاغتيالات الجماعية" بحسب وصف التحقيق الذي أثار جدلًا واسعًا خلال الأيام الماضية بين ناشطين وحقوقيين، رغم تجاهله من قبل وسائل إعلام غربية مهيمنة.

 ننقل هنا الترجمة العربية مع شيء من التصرّف لغايات الاختصار والتوضيح، ويمكن الاطّلاع على أصله الإنجليزي عبر هذا الرابط


 

أجرى موقعا (972+) و(لوكال كول) تحقيقًا صحفيًا مشتركًا عن الحرب الإسرائيلية الجارية على قطاع غزة، يعزو الطابع التدميري للمراحل الأولية من الحرب إلى أمورٍ عديدة منها: التفويض الواسع للجيش الإسرائيلي لقصف أهداف غير عسكرية، وتراخي الضوابط التوجيهية فيما يخصّ أعداد الضحايا المدنيين المتوقعة من كل هجوم، والاعتماد المتزايد على أنظمة الذكاء الاصطناعي في إعداد الأهداف المحتملة. وقد تمخضت عن هذه العوامل، بحسب أعضاء سابقين وحاليين في المخابرات الإسرائيلية، حربٌ توصف بأنها من أكثر الحملات العسكرية دمويةً بحق الشعب الفلسطيني منذ نكبة عام 1948.

يعتمد هذا التحقيق على محادثات ونقاشات مع سبعة أعضاء سابقين وحاليين في دائرة المخابرات الإسرائيلية، منهم أفراد في المخابرات العسكرية والقوات الجوية ممن انخرطوا في العمليات الإسرائيلية ضمن القطاع المحاصر. ويحتوي التقرير كذلك على شهادات فلسطينية، وبيانات معلومات ووثائق مصدرها قطاع غزة، وتصريحات رسمية أدلى بها المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي ومؤسسات إسرائيلية أخرى.

تحدّثت مصادر عديدة إلى معدي التحقيق شريطة التكتم على هويتها، وأشارت إلى امتلاك الجيش الإسرائيلي ملفات عن السواد الأعظم من الأهداف المحتملة في غزة، ومنها منازل المدنيين

باشرت إسرائيل حربها الجارية على قطاع غزة بمسمى "عملية السيوف الحديدية" بعدما شنت حماس هجومًا على بلدات إسرائيلية مجاورة للقطاع بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول. وعند مقارنة هذه الحرب بالهجمات الإسرائيلية السابقة على غزة، فإن توسعًا كبيرًا قد طرأ في نطاق قصف الجيش الإسرائيلي، الذي طال أهدافًا ليست عسكرية على نحو واضح؛ والمقصود هنا المساكن الخاصة، والمباني العامة، والبنى التحتية، والأبراج السكنية. وبحسب المصادر فإنّ هذه الأهداف في نظر الجيش الإسرائيلي "مصادر قوة" أو "أهداف قوّة" (Power Targets).

ويرمي استهداف مصادر القوة هذه في المقام الأول إلى الإضرار بالمجتمع المدني الفلسطيني، بحسب ما كشفت مصادر استخباراتية مطلعة، ممن لديها تجربة مباشرة في تطبيق هذا الإجراء على غزة سابقًا؛ فهذا القصف إنما يهدف لإيجاد "حالةٍ من الصدمة المجلجلة بين الناس"، ولدفع "المدنيين إلى الضغط على حركة حماس"، كما قال أحد المصادر.

وتحدّثت مصادر عديدة إلى معدي التحقيق شريطة التكتم على هويتها، وأشارت إلى امتلاك الجيش الإسرائيلي ملفات عن السواد الأعظم من الأهداف المحتملة في غزة، ومنها منازل المدنيين. وتُورِدُ هذه الملفات بجلاء عدد المدنيين المحتمل قتلُهم عند الهجوم على هدف معين؛ ومغزى ذلك أنّ العدد محسوب ومعلوم سلفًا لوحدات استخبارات الجيش الإسرائيلي، التي تعرف قبل تنفيذ القصف العددَ التقريبي للمدنيين المؤكد قتلهم في الهجوم.

وساقت المصادر خلال الحديث والنقاش مثالًا عن تلك الحالات؛ إذ أباحت القيادة العسكرية الإسرائيلية عمدًا قتل مئات المدنيين الفلسطينيين في محاولاتها لاغتيال قائد عسكري كبير في حركة حماس. وقال أحد المصادر: "ازدادت أعداد القتلى المدنيين المباح قتلهم ضمن الأضرار المصاحبة لإحدى الهجمات على مسؤول كبير من حماس؛ إذ ارتفع العدد من عشرات إلى مئات القتلى".

وقال مصدر آخر: "لا شيء يحدث عَرَضًا؛ فحينما تُقتَل فتاة عمرها 3 أعوام في منزلها بغزة فذلك يحدث لأن جنديًا استخف بحياتها، ورآها ثمنًا بخسًا لقصف هدف آخر. فنحن لسنا حماس ولا نستخدم صواريخ عشوائية، بل كل الأمور لدينا محسوبة ومتعمدة؛ إذ نعرف بدقة حجم الأضرار الجانبية المصاحبة في كلّ منزل".

ويتناول التحقيق السبب الآخر لعدد الأهداف الضخم، والأذى الفادح الذي أصاب حياة المدنيين في غزة، فيعزو ذلك إلى الاستخدام الواسع لنظام الحبسورا (Habsora)، الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ويستطيع "إعداد" الأهداف تلقائيًا بمعدل يفوق بكثير الطرق السابقة. وقد وصف ضابط مخابرات سابق هذا النظام بأنّه ييسر السبيل لبناء "مصنع للاغتيالات الجماعية".  

وتتطرق المصادر إلى الاستخدام المطرد لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل الحبسورا، ومدى أهميتها للجيش الإسرائيلي، فتقول إنها تساعده لقصف المنازل السكنية التي يقطنها عضو واحد في حماس على نطاق جماعي، بل وقصف المنازل التي يسكنها عناصر حماس الأدنى رتبة. بيد أنّ شهادات الفلسطينيين تناقض هذا الادعاء كليًا؛ إذ يقول أصحابها إنّ الجيش هاجم منذ 7 أكتوبر مساكن مدنية لا يقطنها عضو معروف أو بارز من حماس، ولا تقيم فيها عناصر من حركة مسلحة أخرى. وتؤكد المصادر أنّ هجمات من هذا النوع تودي عمدًا بحياة عائلات برمتها.

وتشير المصادر كذلك إلى خلو المساكن المدنية المستهدفة من أي نشاط عسكري في الغالبية العظمى لحالات القصف، ويستذكر أحدها هذه الممارسات منتقدًا إياها: "أتذكر أنني فكرّت في المسألة كأنّما "المسلحون الفلسطينيون" سيقصفون مساكن عائلاتنا حينما يعود "الجنود الإسرائيليون" للراحة والنوم في منازلهم خلال عطلة نهاية الأسبوع".

وأورد مصدر آخر خبرًا عن ضابط كبيرٍ في المخابرات الإسرائيلية أعلم ضباطه، عقب هجوم السابع من أكتوبر، بأنّ الهدفَ هو "قتلُ أكبر عدد ممكن من عناصر حماس"، مما خفّف بكثيرٍ المعايير المرتبطة بإيذاء المدنيين الفلسطينيين. ويتابع المصدر كلامه قائلًا: "من هذا المنطلق حدثت حالات نقصف فيها اعتمادًا على خلية واسعة لمكان الهدف، فيقتل مدنيون فلسطينيون جرّاء ذلك. ويحدث هذا الأمر غالبًا لكسب الوقت عوضًا عن إجراء أبحاث إضافية لتحديد مكان الهدف بدقة أكبر".

تدمير غزة

أفضت هذه السياسات إلى خسائر فادحة في أوساط المدنيين، وأزهقت آلاف الأرواح منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول؛ إذ تسبب القصف الإسرائيلي بفقدان 300 عائلة فلسطينية لأزيدَ من 10 أفراد منها طوال الشهرين الماضيين، وهو رقم يفوق بنحو 15 مرة نظيره المسجل في حرب إسرائيل على غزة عام 2014، التي وصفت سابقًا بأنها أفتك الحروب المميتة على القطاع. ويناهز عدد القتلى في الحرب الحالية 15 ألف قتيل فلسطيني حتى وقت كتابة التقرير، وهو إلى ذلك مرشح للازدياد.

يقول أحد المصادر: "مجريات الحرب الحالية مخالفة للبروتوكول الذي اعتمده الجيش الإسرائيلي في السابق؛ فالشعور السائد أنّ مسؤولي الجيش الكبار يقرون بإخفاقهم في هجوم 7 أكتوبر، فشغلهم الشاغل الآن تقديم "صورة النصر" للجمهور الإسرائيلي صونًا لسمعتهم".

 

"ذريعةٌ للتدمير"

شنّت إسرائيل هجومها على قطاع غزة عقب هجوم من حماس على جنوبي إسرائيل صبيحة السابع من أكتوبر/تشرين الأول. ومنذ اللحظات الأولى التالية للهجوم، بادر أصحاب القرار الإسرائيليون بالقول إنّ الرد سيأتي بضخامة مغايرة للعمليات العسكرية السابقة في غزة، فكان القضاءُ التام على حماس هدفَهم المعلن. وفي يوم التاسع من أكتوبر/تشرين أول، قال دانيال هاغاري، المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي: "نولي تركيزنا حاليًا على إلحاق الأضرار دون توخي الدقة"، وسرعان ما ترجم الجيش الإسرائيلي هذه الأقوال إلى أفعال في غزة.

صنّفت المصادر الإسرائيلية، في سياق حديثها، الأهدافَ التي قصفتها المقاتلات الإسرائيلية إلى أربع فئات؛ أولاها "الأهداف التكتيكية" التي تتضمن الأهداف العسكرية الاعتيادية مثل الخلايا المسلحة، ومستودعات الأسلحة، وراجمات الصواريخ، والقذائف المضادة للدبابات، ومنصات الإطلاق، والمقرات العسكرية، ومراكز المراقبة وما شابهها. أما الفئة الثانية فهي "الأهداف السرية تحت الأرض"، لا سيما الأنفاق التي حفرتها حركة حماس في غزة؛ فالضربات الجوية الإسرائيلية على هذه الأهداف ربما تُدمِّر المباني المنتشرة فوق الأنفاق أو قربها.

وتعرف الفئة الثالثة بـ "مصادر القوة" التي تتضمن: العمارات الشاهقة، والأبراج السكنية في مراكز مدن القطاع، والمباني العامة مثل الجامعات والبنوك والمكاتب الحكومية. وفي هذا السياق تتحدث ثلاثة مصادر، ممن خططت لقصف هذه الأهداف سابقًا أو شاركت فيه، أنّ هذه الهجمات قائمة على الفكرة التالية: القصف المتعمد للبنى الأساسية للمجتمع الفلسطيني من أجل الضغط على حماس.

ويشار إلى الفئة الرابعة من الأهداف بمصطلح "منازل العائلات" أو "منازل العناصر"؛ فالغرض المعلن للقصف هو تدميرها لاغتيال شخصٍ يشتبه بأنه عضو في حماس أو الجهاد الإسلامي. ومع ذلك تؤكد الشهادات الفلسطينية عدم وجود أي عنصر مسلح في بعض العائلات التي استهدفت وقتل أفرادها.

توضح المؤشرات خلال المراحل الأولى للحرب أنّ الجيش الإسرائيلي يولي عنايته بالفئتين الثالثة والرابعة من الأهداف؛ فعلى سبيل المثال أدلى المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي بتصريحات يوم 11 أكتوبر الفائت، وأظهر كلامه أنّ نصف الأهداف المقصوفة خلال الأيام الخمسة الأولى للهجوم تندرج ضمن فئة مصادر القوة (1،329 هدفًا من إجمالي 2،687 هدفًا قُصف في تلك المدة). 

وقال مصدر انخرط في هجمات إسرائيلية سابقة على غزّة: "يطلبون منّا البحث عن عمارات شاهقة فيها نصف طابق مرتبط بحماس... لقد أدركت حقًا أنّ كلمة طابق مجرد ذريعة حتّى يتسنى للجيش إيقاع دمار كبير في غزة".

واسترسل المصدر في حديثه: "لو أنهم أخبروا العالم بأنّ مكاتب "الجهاد الإسلامي" في الطابق العاشر ليست هدفًا مهمًا، وإنما مسوّغٌ لتدمير ذلك البرج الشاهق والضغط على العائلات المدنية حتى تضغط بدورها على المنظمات المسلحة، إذًا لوصف العالم هذا السلوك بالإرهاب، لذلك يمتنعون عن الكلام".

وتطرّقت مصادر متنوعة، ممن خدموا جميعًا في وحدات استخبارات الجيش الإسرائيلي، إلى بروتوكولات الجيش، وقالت إنّها أباحت قصف "مصادر القوة" حينما تخلو المباني من السكان وقت الغارة، وأشاروا إلى سريان هذا الأمر حتى الحرب الحالية. ومع ذلك تبين الشهادات والفيديوهات الواردة من غزة أنّ هذا الأمر مجافٍ للحقيقة، وأنّ بعض الأهداف قُصفت دون سابق إنذار لقاطنيها، فقتلت عائلات بأكملها.

ويتأتى الاستدلال على الاستهداف الواسع للمنازل السكنية من البيانات العامة والرسمية؛ فعلى سبيل المثال واصل المكتب الإعلامي الحكومي بغزة إحصاء القتلى والإعلان عنهم منذ توقف وزارة الصحة عن أداء هذه المهمة جرّاء انهيار الخدمات الصحية في القطاع بدءًا من 11 نوفمبر/تشرين الثاني. وترصد بيانات المكتب أعداد القتلى الفلسطينيين حتى سريان إطلاق النار المؤقت في 23 نوفمبر الماضي، إذ تشير إلى مقتل 14،800 فلسطيني في غزّة على يد الجيش الإسرائيلي؛ منهم 6،000 طفل تقريبًا ونحو 4،000 امرأة، فيشكلان معًا نسبة قدرها 67% من مجموع الضحايا. ولا تتباين أرقام وزارة الصحة والمكتب الإعلامي الحكومي عن التقديرات الإسرائيلية لأعداد القتلى، علمًا أنهما كليهما تبع لسلطة حركة حماس.

وصحيح أنّ وزارة الصحة بغزة لم تحدد عدد القتلى المنتمين إلى الأجنحة العسكرية لحماس أو الجهاد الإسلامي، غير أنّ تقديرات الجيش الإسرائيلي تشير إلى مقتل 1،000 إلى 3،000 مسلح فلسطيني. وتذكر تقارير إعلامية إسرائيلية أنّ بعض المسلحين القتلى مدفونون تحت الأنقاض، أو ضمن شبكة الأنفاق التابعة لحماس، لهذا لم تسجل أسماؤهم في الإحصائيات الرسمية.

أما بيانات الأمم المتحدة لأعداد القتلى حتى 11 نوفمبر/تشرين الثاني، أي حينما قتلت إسرائيل وقتئذ 11،078 فلسطينيًا، فتذكر أنّ 312 عائلة فلسطينية فقدت أكثر من 10 أفرادٍ منها خلال العدوان الإسرائيلي الحالي، وهذا العدد شديد الضخامة مقارنة بعملية الجرف الصامد عام 2014؛ فآنذاك فقدت 20 عائلة غزّاوية 10 أفراد أو أكثر من أبنائها. ولا تتوقف بيانات الأمم المتحدة عند هذا الحد، بل توضح كذلك أنّ 189 عائلة فلسطينية فقدت ما بين 6-9 أفراد من أبنائها، في حين فقدت 549 عائلة ما بين 2-5 أشخاص من أبنائها. ولم تتوفر تفاصيل محدثة لأعداد الضحايا المنشورة منذ 11 نوفمبر.

تزامنت الهجمات الواسعة على مصادر القوة والمساكن الخاصة مع الدعوة التي وجهها الجيش الإسرائيلي بتاريخ 13 أكتوبر/تشرين الأول لسكان شمالي قطاع غزة البالغ عددهم 1.1 مليون نسمة (يقيم معظمهم في مدينة غزة)، والتي طالبهم فيها بترك منازلهم والرحيل إلى جنوبي القطاع. بيد أنّ الجيش الإسرائيلي قصف بحلول ذلك التاريخ عددًا قياسيًا من مصادر القوة، وقتل قرابة 1،000 فلسطيني منهم مئات الأطفال.

وتقول بيانات الأمم المتحدة إنّ التهجير لحق بـ 1.7 مليون فلسطيني داخل غزة منذ 7 أكتوبر. وادعى الجيش الإسرائيلي أنّ مطالبه بإخلاء شمال القطاع غايتُها حماية حياة المدنيين، لكن الفلسطينيين يرون التهجير الجماعي الحاليَ فصلًا من "نكبة جديدة"، ومحاولة لارتكاب تطهير عرقي في بعض الأرض الفلسطينية أو كلها.

 

"دمروا مبنى شاهقًا لأجل التدمير"

تفيد بيانات الجيش الإسرائيلي بأنّه ألقى على قطاع غزة 6،000 قنبلة خلال الأيام الخمسة الأولى للعدوان، وبلغ وزنها الإجمالي 4،000 طن تقريبًا. وذكرت وسائل الإعلام أن الجيش دمّر أحياء برمتها، وتحدث مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة عن هذه الهجمات، وقال إنها "ألحقت دمارًا كاملًا بالأحياء السكنية، ودمّرت البنية التحتية، وتسببت بالقتل الجماعي بالسكان".

ووثق مركز الميزان والصور الواردة من غزة عمليات القصف الإسرائيلية التي طالت الجامعة الإسلامية في غزة، ونقابة المحامين الفلسطينيين، ومبنى تابعًا للأمم المتحدة لتوفير برنامج تعليمي للطلاب المتفوقين، ومبنى لشركة الاتصالات الفلسطينية، ووزارة الداخلية الفلسطينية، ووزارة الاقتصاد، ووزارة الثقافة، والطرقات، وعشرات المباني والمساكن الشاهقة، لا سيما في الأحياء الشمالية من غزة.

وفي اليوم الخامس للعدوان، وزّع الناطق الرسمي للجيش الإسرائيلي على المراسلين العسكريين صورًا بالأقمار الصناعية لبعض الأحياء شمالي القطاع قبل قصفها وبعده، ومن بينها حيّا الشجاعية والفرقان في مدينة غزة. وأبانت الصور عن حجم الدمار الهائل الذي لحق بعشرات المنازل والمباني، وقال الجيش الإسرائيلي آنذاك إنّه قصف 182 هدفًا من "مصادر القوة" في حي الشجاعية، و312 هدفًا في حي الفرقان.

وتكلّم رئيس أركان القوى الجوية الإسرائيلية عمر تيشلر مع مراسلين عسكريين عن هذه الهجمات، وأخبرهم بوجود أهداف عسكرية مشروعة تسوغها بزعمه، غير أنّ أحياء برمتها قصفت "على نطاق شامل لا بطريقة دقيقة". وقال المتحدث الرسمي للجيش إنّ نصف الأهداف العسكرية حتى 11 أكتوبر كانت من "مصادر القوة"، وأخبر بتعرض "الأحياء التي تشكل أوكارًا إرهابية لحماس" للهجمات والقصف، وأن الأضرار أصابت "مقرات العمليات"، و"الأصول العملياتية"، و"المنشآت العملياتية"، و"الأصول التي تشغلها المنظمات الإرهابية داخل المباني السكنية". وفي اليوم التالي أعلن الجيش الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة من "كبار الأعضاء في حماس"، اثنان منهما منتميان للجناح السياسي للحركة.

وصحيح أنّ القصف الإسرائيلي اتخذ طابعًا محمومًا في الأيام الأولى للعدوان، لكن الأضرار في البنية التحتية العسكرية لحماس بدت شديدة الضآلة؛ إذ ذكرت مصادر استخباراتية لمعدّي هذا التحقيق أنّ الأهداف العسكرية ضمن فئة مصادر القوة اتُخذت سابقًا ذريعةً لأذية السكان المدنيين. وقال مسؤول استخباراتي سابق: "تنتشر حماس في جميع أرجاء غزة، فلا يكاد يوجد مبنى خاوٍ منها. لذلك لن تعدم الوسيلة لتحويل مبنى شاهق إلى هدف محتمل". 

وتحدث مصدر استخباراتي آخر نفذ ضربات سابقة على مصادر قوة، فقال: "لن يقصفوا مبنى شاهقًا خاويًا مما يوصف بالهدف العسكري، فسيوجد دومًا طابق مرتبط بحماس ضمن ذلك المبنى. لكن في معظم الحالات المرتبطة بمصادر القوة، يبدو بجلاء أن ليس ثمة قيمة عسكرية تسوغ هجومًا كفيلًا بتدمير مبنى بأكمله وسط المدينة، وتسوغ استخدام ست طائرات حربية وقنابل وزنها بضعة أطنان".

وفي هذا الصدد عكفت بعص مصادر التحقيق على تجميع بيانات مصادر قوة خلال الحروب السابقة، وهي وإنْ قالت باحتواء ملف الهدف على صلة مزعومة بحماس أو بجماعة مسلحة أخرى، فإنّ القصف في المقام الأول "وسيلة مجدية لإلحاق الأذى بالمدنيين". وسرعان ما أدركت تلك المصادر لاحقًا، سواء بالمجاهرة أو بالتلميح، أنّ الغاية الحقيقية لهذه الهجمات هي الإضرار بالمدنيين.

وفي شهر مايو/أيار عام 2021، تعرضت إسرائيل لوابل من الانتقادات الشديدة لقصفها برج الجلاء، الذي تضم طوابقه مكاتب لمؤسسات إعلامية دولية منها قناة الجزيرة الإخبارية، ووكالة أسوشيتد برس، ووكالة فرانس برس. وادعى الجيش الإسرائيلي آنذاك وجود هدف عسكري لحماس ضمن المبنى، لكن المصادر الاستخباراتية أكدّت لموقع لمعدي هذا التقرير أنه كان على قائمة "مصادر القوة" المستهدفة.

وقال أحد أولئك المصادر: "التصور القائم أنّ تدمير المباني الشاهقة يؤذي حماس حقًا؛ لأنه يخلق ذعرًا أهليًا في قطاع غزة ويخيف السكان. لقد أرادوا أن يبثوا في نفوس السكان شعورًا بأن حماس لا تملك زمام الأمور، لذلك يدمرون تلك المباني ومنها مباني الخدمات البريدية والحكومية".

ولم يسبق للجيش الإسرائيلي أن قصف أكثر من 1،000 هدف قوة خلال خمسة أيام فقط، غير أنّ فكرة إحداث دمار شامل في المناطق المدنية لغايات استراتيجية تبلورت في العمليات العسكرية السابقة في غزة، وصقلتها ما يعرف باسم "عقيدة الضاحية" من حرب لبنان الثانية عام 2006.

تدمير غزة

وضع هذه الاستراتيجية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت، الذي يشغل حاليًا عضوية الكنيست ويشارك في حكومة الحرب الحالية. وتركز هذه الاستراتيجية على الحرب مع الجماعات المسلحة مثل حماس وحزب الله، وتنص على استخدام إسرائيل للقوة المفرطة والساحقة عند استهداف البنية التحتية المدنية والحكومية بما يحقق عنصر الردع، ويجبر المدنيين على ممارسة الضغوط على تلك الجماعات لإيقاف هجماتها. ويتأتى القول هنا إنّ مفهوم "مصادر القوة" ولد من رحم هذه العقيدة نفسها.

وقد جاهر الجيش الإسرائيلي بتحديد مصادر القوة في غزة للمرة الأولى في أواخر عملية الجرف الصامد عام 2014؛ ففي ذلك الوقت قصف الجيش أربعة مبانٍ خلال الأيام الأربعة الأخيرة من الحرب، منها 3 مبانٍ سكنية متعددة الطوابق في مدينة غزة، ومبنى شاهق في مدينة رفح. وأوضحت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية آنذاك غاياتها من تلك الهجمات، وقالت إنها تهدف لإعلام الفلسطينيين بغزة أنه لا "مكان محصنٌ من القصف بعد الآن"، وأنّ عليهم الضغط على حماس لقبول وقف إطلاق النار. وينسجم تقرير منظمة العفو الدولية مع هذا الكلام، إذ ورد فيه أنّ "الأدلة المتاحة تشير إلى التدمير الهائل المتعمد للمباني دون أي مسوغ عسكري".

وفي تصعيد عنيف آخر في شهر نوفمبر/تشرين الثاني عام 2018، استهدف الجيش مصادر القوة مرة أخرى؛ إذ قصفت إسرائيل وقتئذ المباني الشاهقة، ومراكز التسوق، ومبنى محطة تلفزيون الأقصى التابع لحماس. وصرّح ضابط من القوات الجوية آنذاك: "يترتب على استهداف مصادر القوة تأثيرات كبيرة على الطرف الآخر، فقد قصفنا تلك الأهداف دون أن نقتل أحدًا، وتأكدنا من إخلاء المبنى المستهدف والمناطق المحيطة".

وأبانت العمليات العسكرية السابقة أنّ قصف هذه الأهداف لا يسعى إلى تحطيم المعنويات لدى الفلسطينيين فحسب، بل يعزز الروح المعنوية داخل إسرائيل؛ فقد كشفت صحيفة هآرتس عن حادثة وقعت خلال عملية "حارس الجدار" عام 2021، وشاركت فيها وحدة المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي؛ إذ نفّذت تلك الوحدة عملية معنويّة على الإسرائيليين لتعزيز وعيهم بهجمات الجيش الإسرائيلي في غزة، والأضرار التي أصابت الفلسطينيين. واستخدم الجنود المشاركون في هذه الحملة حسابات زائفة في منصات التواصل الاجتماعي، وحمّلوا صورًا وفيديوهات تستعرض براعة الجيش الإسرائيلي وهجماته على غزة، ثم نشروها في فيسبوك، وتيك توك، وإنستغرام، وإكس (تويتر سابقًا).

وفي عدوان عام 2021، قصفت إسرائيل تسعة أهداف صنفت ضمن فئة مصادر القوة، وكانت جميعها مباني شاهقة. وتحدّث إلينا مصدر أمني عن تلك الحادثة قائلًا: "سعت تلك العملية إلى تدمير المباني الشاهقة بغرض الضغط على حماس، ولاستعراض صورة النصر على مرأى ومسمع من الجمهور الإسرائيلي".

وأردف المصدر قائلًا: "لم تفلح الخطة في تحقيق أهدافها. فأنا من المتابعين لأخبار حماس ونشاطاتها.. في بعض الأحيان يعثر الجيش على أشياء مرتبطة بحماس في مبنى شاهق، لكنه يستطيع قصفها وإصابتها بأسلحة ذات إمكانات تصويبية أكثر دقّة. ومغزى كلامي أنّهم دمروا مبنى شاهقًا لغاية الهدم نفسها لا أكثر".

 

"الجميع يبحثون عن أطفالهم بين الركام"

لا يقتصر التحول في مشهد الحرب الحالية على الاستهداف الكبير وغير المسبوق لمصادر القوة، وإنما يشهد تخلي الجيش عن سياساته السابقة التي هدفت إلى تفادي الإضرار بالمدنيين؛ إذ اقتضت الإجراءات الرسمية من الجيش سابقًا عدم مهاجمة مصادر القوة إلّا عقب إجلاء المدنيين عنها، لكن شهادات الفلسطينيين تدل على تغير هذه الإجراءات منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، فقد قصفت إسرائيل المباني الشاهقة وأهلها داخلها دون اتخاذ أي تدابير لإخلائها منهم، فقتل لذلك كثيرٌ من المدنيين.

وتُودي هجمات كهذه بحياة عائلات بأكملها كما حدث في هجمات سابقة؛ ففي عام 2014 أجرت وكالة أسوشييتد برس تحقيقًا صحفيًا عقب الحرب على قطاع غزة، فكشف أنّ 89% من القتلى كانوا من المدنيين العزل، ومعظمهم من الأطفال والنساء. 

وأكدّ تيشلر بنفسه هذا التحول في سياسة الجيش الإسرائيلي، وأعلم المراسلين أنّ سياسة القصف التحذيري (Roof knocking) التي اتبعها الجيش سابقًا، والتي تقتضي إطلاق قذيفة أولية صغيرة على سطح المبنى المستهدف لتحذير السكان من الهجوم الوشيك، لم تعد قيد الاستخدام في "أماكن وجود العدو". وجاهر تيشلر بأنّ القصف التحذيري "مصطلح خاص بجولات الأعمال القتالية لا بحالة الحرب".

لا ريب أنّ هذه الاستراتيجية السافرة للحرب الحالية تطورٌ خطيرٌ للغاية في نظر مصادر أمنية انخرطت سابقًا في عمليات استهدفت مصادر القوة؛ فقصف تلك الأهداف إنما يرمي إلى استحداث صدمة بين الناس في غزة، دون أن يقتضي قتل أعداد كبيرة من المدنيين. وقال أحد المصادر الملمة بخبايا هذا التكتيك: "وضعت تلك الأهداف بافتراض إجلاء الناس عن المباني الشاهقة، لذلك عندما باشرنا تجميع هذه الأهداف لم يسارونا القلق بتاتًا بشأن عدد المدنيين المتضررين، فالافتراض الأولي كان دومًا خلو الأماكن المستهدفة منهم". 

وأضاف المصدر: "يقضي ذلك إخلاء المباني المستهدفة كليًا، وهي عملية تستغرق ساعتين إلى ثلاث ساعات، وتتضمن الاتصال بالسكان ومطالبتهم بالخروج، وإطلاق قذائف تحذيرية، والبحث في صور الطائرات المسيرة للتأكد من مغادرة المدنيين لتلك المباني".

في المقابل تظهر الأدلة الواردة من غزة تدمير بعض المباني الشاهقة المصنفة ضمن فئة مصادر القوة دونما سابق إنذار؛ فخلال الحرب الحالية، استطاع فريق  هذا التحقيق الصحفي من تحديد حالتين لمبانٍ قصفت ودمرت بالكامل دونما إنذار مسبق، وتوصل كذلك إلى حالة أخرى انهار فيها مبنى شاهق فوق رؤوس قاطنيه من المدنيين.

وقصفت إسرائيل بتاريخ 10 أكتوبر/تشرين الأول مبنى بابل في غزة وفقًا لشهادة السيد بلال أبو حصيرة، الذي شارك في استخراج الجثث من الأنقاض في تلك الليلة، وقتل بسبب هذا الهجوم 10 أشخاص، منهم ثلاثة صحفيين.

وفي 25 أكتوبر/تشرين الأول قصفت إسرائيل أيضًا عمارة التاج السكنية بطوابقها الاثني عشر، فقُتلت عائلات كثيرة من سكان تلك العمارة، ودفن تحت الأنقاض قرابة 120 شخصًا وفقًا لشهادة الأهالي. ونشر السيد يوسف عمر شرف، من قاطني العمارة، منشورًا على منصة إكس، وقال إنّ 37 شخصًا من أهله وعائلته قضوا في القصف على المبنى: "قُتل والدي ووالدتي الأحباب، وزوجتي قرة عيني، ومعظم إخواني وعائلاتهم". وتحدث السكان في ذلك الحين عن قصف المكان بقنابل كثيرة، فتضررت لذلك الشقق في المباني المجاورة.

ولم تمضِ إلا ستة أيام على تلك الحادثة، حتى قصف الجيش الإسرائيلي مبنى المهندسين السكني ذي الطوابق الثمانية دونما إنذار سابق، وأنبأت الأخبار الواردة عن انتشال 30-45 جثة من الأنقاض في اليوم الأول التالي للهجوم، وعثر أيضًا على طفل صغير على قيد الحياة مات عنه ذووه. وقدّر الصحفيون أنّ 150 شخصًا قتلوا في ذلك القصف، وظل كثير منهم مدفونين تحت الأنقاض.

وتوضح الشهادات الفلسطينية أن المبنى يقع في مخيم النصيرات جنوب غزة، أي فيما يفترض أنه المنطقة الآمنة التي دعت إسرائيل الفلسطينيين للنزوح إليها بعد مغادرة منازلهم وسط غزة وشمالها، فالمفترض بهذه المنطقة أن تؤوي النازحين إليها.

تدمير غزة

ويفيد تقرير لمنظمة العفو الدولية بأنّ إسرائيل قصفت بتاريخ 9 أكتوبر ثلاثة مبانٍ متعددة الطوابق، وسوقًا للسلع الرخيصة والمستعملة ضمن شارع مكتظ في مخيم جباليا للاجئين، فأسفر ذلك عن مقتل 69 شخصًا بالحد الأدنى. وتكلم والد أحد الأطفال القتلى في القصف: "احترقت الجثث، فأشحت وجهي عنها لأنني كنت أخشى النظر إلى وجه عماد. تناثرت الجثث على الأرض، والجميع يبحثون عن أطفالهم بين الأنقاض. لم أميز طفلي إلّا من سرواله، وأردت أن أدفنه فورًا، فبادرت إلى حمله وإخراجه من الركام".

وقال الجيش الإسرائيلي إنّ هجومه على السوق استهدف أساسًا مسجدًا يوجد فيه عناصر لحركة حماس، لكن وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية الذي ذكر كذلك أنّ صور الأقمار الصناعية تنفي وجود المسجد في المنطقة المجاورة.

 

.. حبسورا.. الآلة التي تنتج 100 هدف يوميًا

ذكر المتحدث الرسمي للجيش أنّ إسرائيل قصفت 15،000 هدف في غزة خلال الأيام الـ 35 الأولى من الحرب. وترى مصادر متعددة هذا الرقم مرتفعًا قياسًا بالعمليات العسكرية السابقة في القطاع؛ ففي عملية حارس الجدار عام 2021، هاجمت إسرائيل 1،500 هدف على مدى 11 يومًا. أما في عملية الجرف الصامد التي دامت 51 يومًا عام 2014، فقصفت إسرائيل أهدافًا يتراوح عددها بين 5،266 و6،231 هدفًا، في حين هاجمت 1،500 هدف خلال عملية عمود السحاب التي دامت ثمانية أيام عام 2012، وقصفت 3،400 هدف خلال 22 يومًا في أثناء عملية الرصاص المصبوب عام 2008.

وتناولت مصادر استخبارية انخرطت في العمليات السابقة تفاصيل مهمة بخصوص بنك الأهداف؛ فطوال 10 أيام سنة 2021، وثلاثة أسابيع سنة 2014، استنفدت القوات الجوية الإسرائيلية الأهداف العسكرية القيّمة بعدما شنت هجمات بمعدل يتراوح بين 100-200 هدف يوميًا. وهنا يتأتى السؤال التالي: لماذا لم يستنفد الجيش الإسرائيلي أهدافه في الحرب الحالية رغم مرور شهرين على انطلاقها؟

يمكن الإجابة عن هذا التساؤل بالرجوع إلى بيان أصدره المتحدث الرسمي للجيش بتاريخ 2 نوفمبر/تشرين الثاني، وقال بموجبه إنّ الجيش يستخدم نظام الذكاء الاصطناعي حبسورا؛ إذ وصف المتحدث النظامَ بأنهّ "يتيح توظيف الأدوات الآلية لإعداد الأهداف بسرعة كبيرة، ويؤدي مهامه عبر تحسين المواد الاستخباراتية الدقيقة حسب المتطلبات العملياتية".

وأتى البيان على كلام مسؤول استخباراتي كبير؛ إذ نقل إشادته بنظام حبسورا الذي يحدد الأهداف لتوجيه ضربات دقيقة "مسببًا بذلك خسائر فادحة للعدو وأضرارًا طفيفة بالمدنيين. فعناصر حماس لم يعودوا بمأمن من الضربات أينما اختبأوا".

وتناقش مصادر استخباراتية معلومات أخرى عن هذا النظام، فتقول إنّه يعطي أيضًا توصيات تلقائية لمهاجمة مساكن الأشخاص المشتبه بانتمائهم إلى حماس أو الجهاد الإسلامي. وتنفذ إسرائيل عمليات اغتيال واسعة بالاعتماد على القصف العنيف لتلك المساكن.

واستفاض أحد المصادر في الحديث عن نظام حبسورا، فشرح أنهّ "يعالج كميات ضخمة من البيانات يتعذر على عشرات الآلاف من ضباط الاستخبارات معالجتها"، ويقدم للجيش توصيات آنية لقصف المواقع والأهداف. ولما كان معظم قادة حماس يتحصنون بالأنفاق السرية منذ بداية العمليات العسكرية، فإنّ نظام حبسورا مفيد في تحديد مواقع العناصر الأدنى رتبة، ومهاجمة منازلهم ومساكنهم.

وكشف أحد ضباط الاستخبارات السابقين عن دور نظام الحبسورا في العمليات العسكرية، فأفشى أنه يتيح للجيش الإسرائيلي إدارة ما يسمى "مصنع الاغتيالات الجماعية"، على أن تكون "الأولوية والتركيز للكمية لا لجودة القصف"؛ فالعنصر البشري "يعيد فحص الأهداف التي حددها النظام قبل كل هجوم، لكنه لن يقضي وقتًا طويلًا في هذه المهمة". ولما كانت التقديرات الإسرائيلية تحصي وجود 30 ألف عنصر من حماس في غزة، وجميعهم ولا ريب موسومون بالموت، إذًا فعدد الأهداف المحتملة مهولٌ!

سبق للجيش الإسرائيلي أن أنشأ مركزًا جديدًا عام 2019، وخصصه لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تسريع الإجراءات المتبعة لإعداد الأهداف، وذكر أفيف كوفاخي، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، تفاصيل أكبر عن هذا الموضوع خلال حديثه مع موقع Ynet: "تعرف الشعبة الإدارية للأهداف بأنّها وحدة عسكرية فيه مئات الضباط والجنود، وتعتمد على قدرات الذكاء الاصطناعي".

وأكمل كوفاخي حديثه: "تستعين الآلة بالذكاء الاصطناعي لمعالجة كميات ضخمة من البيانات معالجةً أسرعَ وأفضل من الإنسان، ثم تحول تلك البيانات إلى أهداف للهجمات؛ ففي عملية حارس الجدار عام 2021، أنتجت الآلة 100 هدف جديد يوميًا منذ لحظة تشغيلها. فنحن كنّا نحدد 50 هدفًا سنويًا خلال العمليات الماضية في غزة، أما الآلة فأوجدت 100 هدف في يوم واحد فقط".

وتحدّث أحد المصادر، ممن شاركوا في الشعبة الإدارية للأهداف، لموقع 972+ و Local Call مفصحًا عن المعلومات التالية: "نتولى إعداد الأهداف آليًا ونمارس عملنا وفق قائمة مرجعية، فالأمر شبيه حقًا بالمصنع؛ إذ نؤدي مهامنا بسرعة كبيرة دون التدقيق المعمق بالهدف، لأننا نحاسب وفق عدد الأهداف التي نستطيع تحديدها".

وسبق لصحيفة " جيروزاليم بوست" أن قابلت مسؤولًا عسكريًا كبيرًا يشرف على بنك الأهداف، فقال إنّ الجيش يحدد أهدافًا جديدة بمعدل أسرع من هجماته بفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي. وأوضح مصدر ثانٍ أنّ الغاية من إنشاء الأهداف بأعداد كبيرة هو تطبيق "عقيدة الضاحية".

الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تدرك مسبقًا عدد المدنيين المعرضين للقتل عند قصف المساكن الخاصة

ومن هذا المنطلق تُيسر الأنظمة الآلية، مثل حبسورا، مهمات ضباط المخابرات الإسرائيلية، وتعينهم على اتخاذ القرارات في أثناء العمليات العسكرية، ومنها حساب الخسائر المحتملة؛ فالمخابرات الإسرائيلية تدرك مسبقًا عدد المدنيين المعرضين للقتل عند قصف المساكن الخاصة، بحسب ما قالته خمسة مصادر مختلفة، وهذا الأمر يندرج بوضوح في ملف الأهداف ضمن فئة "الأضرار الجانبية المصاحبة".

وتدلي المصادر بمعلومات إضافية عن هذه العملية، فتكشف عن وجود درجات متفاوتة لتلك الأضرار، وبمقتضى هذه الدرجات يقرر الجيش مهاجمة الهدف داخل تلك المساكن. وعلّق أحد المصادر قائلًا: "عندما يأتينا التوجيه العام على شاكلة "الأضرار الجانبية 5"، فهذا يقضي بأننا مخولون بضرب جميع الأهداف التي يقتل فيها خمسة مدنيين أو أقل، فلنا حرية التصرف بملفات الأهداف التي تتضمن 5 مدنين أو أقل".

كذلك قال مصدر أمني شارك في قصف أهداف خلال عمليات عسكرية سابقة: "لم نواظب في الماضي على تحديد مساكن عناصر حماس الأدنى رتبة لقصفها. ففي أيام عملي، إذا وردت علامة "الأضرار الجانبية 5" ضمن ملف المنزل بين يدي، فلن تأتي الموافقة دومًا على قصفه واستهدافه". وتابع المصدر حديثه موضحًا أن الموافقة لا تُمنح إلا إذا تبين وجود أحد كبار قادة حماس في المنزل المستهدف.

وأضاف المصدر: "حسبما أرى الآن فإنّهم قادرون اليوم على تحديد جميع المنازل التابعة لعناصر حماس بصرف النظر عن رتبتهم، وهذا ولا ريب عدد ضخم من المنازل؛ فأعضاء حماس يعيشون في منازل منتشرة في جميع أصقاع غزة، لذلك يحددون المنزل ويقصفونه ويقتلون جميع الأشخاص الموجودين فيه". 

سياسة منسقة لقصف منازل العائلات

في 22 تشرين أكتوبر/تشرين الأول، قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية منزل الصحفي الفلسطيني أحمد الناعوق في دير البلح. وتنبغي الإشارة في هذا المقام إلى أنّ أحمد صديقٌ مقربٌ إلينا، فقد أسسنا معًا قبل أربعة أعوام صفحة فيسبوك ناطقة بالعبرية أسميناها "عبر الجدار"، وخصصناها لإيصال أصوات الفلسطينيين في غزة.  

أسفرت الغارة التي وقعت بتاريخ 22 أكتوبر/تشرين الأول عن انهيار كتل إسمنتية بأكملها فوق عائلة أحمد، فقتل والده وإخوته وأخواته وأطفالهم جميعًا، ومنهم الرضع. ولم ينجُ من هذه الغارة إلا ابنة أخيه ملاك ذات الاثني عشر ربيعًا، بيد أنّ حالها كانت حرجة، والحروق غطّت جسمها، فلم تلبث إلّا عدة أيام حتى ماتت.

قتل في ذلك اليوم 21 فردًا من عائلة أحمد، ودفنوا جميعًا تحت ركام منزلهم دون أن يكون أحدهم عنصرًا مسلحًا؛ فأصغرهم عمره عامان، وأكبرهم (والد أحمد) ناهز الخامسة والسبعين من العمر. وهكذا أصبح أحمد- الذي يعيش في المملكة المتحدة حاليًا- وحيدًا دون أفراد عائلته.

تدمير غزة

في منتصف تلك الليلة أرسل أحمد رسالة إلى مجموعة العائلة في تطبيق واتساب: "اكتبوا لي وأخبروني أنّ الأمور بخير"، فلم يرد أحدٌ منهم، فنام ثم استيقظ مذعورًا في الساعة الرابعة فجرًا والعرق يتصبب من وجهه بغزارة، وتفحص هاتفه مرة أخرى دون أن يجد أي رسالة في المجموعة، وسرعان ما راسله أحد أصدقائه لإعلامه بالأخبار الفظيعة.

أمست حالة أحمد مألوفة في غزة هذه الأيام؛ فما يفتأ مديرو المستشفيات في غزة يكررون على مسامع الوسائل الإعلامية العبارة نفسها في كل مرة: "يؤتى بالعائلات إلى المستشفيات وتوضع على هيئة سلسلة متتالية من الجثث؛ فالطفل يجاوره والده ثم جده، وتكسو الدماء والتراب جثثهم جميعًا".

يتكلم ضباط استخبارات سابقون عن قصف المساكن الخاصة، فيقولون إنّ الهدف في معظم حالات القصف هو "اغتيال ناشط منتمٍ لحماس أو الجهاد الإسلامي"، ويخبرون بأنّ هذه الأهداف تُقصَفُ فور دخول الناشط إلى المنزل. لذلك يعلم عناصر الاستخبارات إنْ كان القصف مميتًا لعائلة الناشط وجيرانه، ويعرفون أيضًا طريقة حساب عدد الأشخاص المعرضين للموت، وهم إلى ذلك مجمعون على أنّ هذه الأهداف منازلُ خاصة، فهي خالية من أي نشاط عسكري في معظم الحالات.

ولا يوجد لدى موقع 972+ و Local Callأي بيانات عن عدد الناشطين العسكريين، الذين قتلوا أو أصيبوا جرّاء الغارات الجوية على المساكن الخاصة، لكن تبين الأدلة أنّ غالبية ضحايا هذه الهجمات غير منتمين أصلًا للجناح العسكري أو السياسي في حماس أو الجهاد الإسلامي.

وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول، قصفت القوات الجوية الإسرائيلية عمارة سكنية في حي الشيخ رضوان بغزة، فأودى القصف بحياة 40 شخصًا معظمهم من الأطفال والنساء. وانتشر بعد الحادثة فيديو صادم صُوِّر عقب الهجوم، وظهر فيه أناس يصرخون ويحملون ما بدا للوهلة الأولى أنه دمية استخرجت من أنقاض أحد المنازل، ثم ما لبثوا أن تناقلوها من يد لأخرى. لكن حينما تكبر الكاميرا الصورة قليلًا، يسع المرء أن يدرك فورًا أنها ليست دمية، وإنما جثة طفل هامدة.

صرّح أحد السكان حينها بأن 19 شخصًا من عائلته قتلوا في الهجوم، وكتب آخر في فيسبوك أنّه لم يعثر إلا على كتف ابنه تحت الأنقاض. وحققت منظمة العفو الدولية في حادثة القصف، وتبين لها أنّ أحد أعضاء حماس كان يقطن في طابق من الطوابق العليا في العمارة، لكنه لم يوجد إطلاقًا وقت الهجوم.

ويتأتى القول إنّ قصف مساكن العائلات- التي يفترض أنها مأوى لعناصر من حماس أو الجهاد الإسلامي- أضحى سياسة متسقة للجيش الإسرائيلي خلال عملية الجرف الصامد عام 2014؛ فآنذاك كان ربع القتلى المدنيين طوال أيام القتال (606 فلسطينيًا) أفرادًا لعائلات قصفت مساكنها، وهو ما عدّه تقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2015 جريمة حرب محتملة، "ونمطًا جديدًا أهلك عائلات برمتها".

في عام 2014، قتل 93 طفلًا بسبب القصف الإسرائيلي لمساكن عائلاتهم، منهم 13 رضيعًا لم يتمّوا عمر السنة. لكن قبل شهر من الآن نشرت وزارة الصحة في غزة قائمة مفصلة للضحايا وأعمارهم، فأظهرت البيانات مقتل 286 طفلًا تراوحت أعمارهم بين بضعة شهور وعام. وتضاعف هذا العدد على الأرجح مرتين أو ثلاث مرات منذ ذلك الحين. 

وتشهد العمليات العسكرية الحالية تنفيذ الجيش الإسرائيلي لهجمات تستهدف المساكن الخاصة، وإنْ خلت من أهداف عسكرية معروفة أو واضحة؛ فعلى سبيل المثال تفيد بيانات لجنة حماية الصحفيين بمقتل 50 صحفيًا فلسطينيًا في غزة حتى 29 نوفمبر/تشرين الثاني، وقد قتل بعضهم مع عائلاتهم في منازلهم.

وفي هذا السياق نُورد حالة السيد رشدي السراج، وهو صحفي فلسطيني ولد في بريطانيا وأسس وسيلة إعلامية في غزة اسمها "عين ميديا"؛ ففي 22 أكتوبر/تشرين الأول، أصابت قنبلة إسرائيلية منزل والديه حيث كان يبيت ليلًا، فقتل جرّاء القصف. كذلك قتلت الصحفية سلام ميمة تحت أنقاض منزلها عقب قصفه، وقتل معها طفلها هادي دون أن يعثر على ابنتها شام حتى الآن. ولاقت الصحفيتان دعاء شرف وسلمى مخيمر مصرعهما مع أطفالهما في منزليهما بعد قصفهما من الجيش الإسرائيلي.

ويقرّ محللون إسرائيليون بمحدودية الجدوى العسكري لهذا النوع من الهجمات الجوية؛ فبعدما انقضى أسبوعان على بداية القصف (قبل الغزو البري)، وبعدما أحصي مقتل 1،903 أطفال و1،000 امرأة و187 مسنًا، غرّد المعلق الإسرائيلي آفي يسخاروف قائلاً: "بقدر ما يسوؤنا سماع هذه الأخبار، لكنّ الذراع العسكري لحماس لم يتضرر كثيرًا بعدما بلغنا اليوم الرابع عشر من القتال. ولعل اغتيال أيمن نوفل يظل الضرر الأكبر الذي أصاب قيادتهم العسكرية حتى الآن".

خاتمة: سياسة الانتقام من غزّة 

تصاعد تطبيق هذه الاستراتيجية المتعلقة بالقصف المقصود لمنازل المدنيين في غزّة بدءًا من عملية الجرف الصامد عام 2014، لا سيما أنّ الجيش الإسرائيلي باشر القصف الجوي الممنهج لمنازل العائلات بدون تمييز. وتتواصل هذه السياسة الفتاكة حتى وقتنا الحالي، فهي تعزى جزئيًا إلى استخدام الأسلحة المدمرة والتكنولوجيا المتطورة مثل نظام حبسورا، لكنّ المؤسسة السياسية والأمنية أرخت فوق ذلك القيود على الآلة العسكرية الإسرائيلية والعاملين فيها عن آخرها، للتصرّف وفق ما تمليه غريزة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من نزع البشريّة عن الفلسطينيين، واعتبار أن الجيش يحارب "حيوانات بشرية ويتصرف وفقًا لذلك" على حد تعبير وزير الدفاع الإسرائيلي مع بداية هذه الحرب.