الحركات الطلابية اليمنية في مهب التحولات الكبرى

الحركات الطلابية اليمنية في مهب التحولات الكبرى

ازدهر حضور القطاعات الطلابية في الأحزاب السياسية بعد ثورة 2011 (Getty)

اصطدمت الحركات الطلابية اليمنية، التي تناضل سلميًّا من أجل التغيير منذ 2011، بمأزق العنف. تتصاعد الوتيرة منذ أشهر في مختلف محافظات البلاد، ويواجه شباب الثورة السلمية عدة مصاعب، تتمثل في اتهامات المتعيّشين على فتات الثورة المضادة. ثمة من يقول إن ثورة الشباب كانت السبب في إيصال البلد إلى العنف، خصوصًا أن الشباب هم من فجروا ثورة سلمية ضد نظام صالح في شباط/فبراير 2011، بالتزامن مع موجة ثورات الربيع العربي، وقد آلت عبر مراحل ومحطات مختلفة إلى هذه الحالة التي انغمس معها اليمن واليمنيون في بركة من الدم بسبب مواجهات عسكرية مع رجال النظام القديم المتحالفون مع جماعة الحوثي على أكثر من جبهة في البلاد. رغم كل شيء، ظل شباب الثورة متمسكون بطموحهم حتى مع محاولة عودة النظام السابق.

تاريخ من الخيبات والطموحات

تكاد تكون ثورة 2011  الثمرة الوحيدة التي جناها اليمنيون من نشاطات الحركة الطلابية رغم قدمها

ليست الأحداث الأخيرة هي الخيبة الوحيدة التي تواجهها الحركات الطلابية اليمنية منذ حضورها الكبير في موجة الربيع العربي. ذلك أن محطة 2011 تكاد تكون هي الثمرة الوحيدة التي جناها اليمنيون من نشاطات الحركة الطالبية رغم قدمها. وتوضح مراجعة تاريخ الحركة الطلابية في اليمن، إلى تبلورها في حقبة الستينيات من القرن الماضي، بالتزامن مع موجة التحرر العربي من الاستعمار. في الواقع، يسجّل في ثورتي 26 أيلول/ سبتمبر 1962 ضد الحكم الإمامي في شمال اليمن، وثورة 14 تشرين الأول/أكتوبر 1963 ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن محطات مضيئة لبعض الحركات الطلابية والشبابية، بحيث كان عنصر الشباب والطلاب هو البارز في طليعة الثوار اليمنيين آنذاك.

شهدت المراحل اللاحقة ركودًا نسبيًّا للحركة الطالبية اليمنية، بحيث انعكس عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي على طبيعة وجود وعمل ونشاط الشباب والطلاب. ومع تأسيس الجامعات اليمنية أواخر سبعينيات القرن الماضي، بدأت تبرز بعض نشاطات الطلاب، حيث احتضنت جامعة صنعاء التي تأسست عام 1979، بعض الفعاليات الطالبية التي انضوت لاحقًا تحت اسم الاتحاد العام لطلاب اليمن وفروعه في الجامعات، وظلت السياسة تفسد العمل الطلابي الصادق والمهني بحيث كانت المنافسة السياسية ما بعد حرب صيف 1994، تنعكس على سباق الأحزاب نحو الجامعات اليمنية لاستقطاب الطلاب وتنظيمهم سياسيًّا، دون تقديم أي برامج تمس صلب حقوقهم وقضاياهم.

أما في 2011 كان حضور القطاعات الطالبية للأحزاب السياسية قد ازدهر، خصوصًا مع نشاط أحزاب "اللقاء المشترك"، التي كانت مناهضة لنظام وحزب صالح، بحيث توجت هذه الأنشطة الطالبية التي ظلت لسنوات تكثف احتجاجاتها المتنوعة ضد سياسات خاطئة لنظام صالح، وهو الأمر الذي سهل انتقال موجة ثورات الربيع العربي إلى اليمن في مرحلة تعد هي الأنجح في تأريخ الحركة الطلابية اليمنية رغم أنها باتت تشهد الآن بعض الخيبات بسبب موجة العنف المستعرة في البلاد. 

مواجهة المأزق

 حاولت الأحزاب السياسية اليمنية إفساد الحركات الطلابية المستقلة ودفعت بعناصرها إلى الانحراف

في خضم المأساة اليوم، وجدت فئة من الشباب نفسها متورطة في الحدث، إذ تبدو كأحد أدوات هذا الصراع وإحدى الفئات المتأثرة به. لكن مسؤولين في الاتحادات والحركات الطلابية في الجامعات اليمنية يعون خطورة وأبعاد هذه الأزمة، ويعزون انتشارها في بلادهم على هذا النحو المرعب إلى التأثر الطبيعي بالأزمات الإقليمية والدولية. في الوقت عينه، يخشى هؤلاء ضياع ما تبقى من مكتسبات ثورة الشباب. وفي هذا الصدد، يقول القيادي في حركة "15 يناير" الطلابية، عاصم الصبري، "اعترضت طريقنا وطموحنا عدة خيبات وعدة عراقيل، لكن لا أعتقد أنها ستثنينا عن مواصلة طموحنا"، مبينًا أن حركتهم التي كانت إحدى المكونات الطلابية والشبابية التي فجرت الثورة ضد نظام صالح في 2011، "نسقت وما تزال مع مكونات وحركات مماثلة مهمتها البحث عن وسائل وأساليب جديدة لإعادة مسار ثورة التغيير بأهدافها المرسومة والتي تتمحور غالبيتها حول إرساء دولة مدنية حديثة تسود فيها العدالة والحرية والكرامة للجميع".

يعتقد الصبري أن "الأحزاب السياسية حاولت إفساد بعض الحركات الطلابية المستقلة ودفعت بعناصرها إلى حرف مسار وأهداف بعض هذه المكونات". ولم ينس الإشارة إلى أن "هناك خلافات كانت تحتدم بين بعض المكونات المستقلة وقطاعات طلاب بعض الأحزاب وخصوصًا المنضوين معًا تحت شعار الثورة". وهو ما ساعد على إيجاد شرخ استغله أقطاب نظام علي عبد الله صالح وحلفائه للعودة والانقضاض على الدولة، كما حدث في 19 كانون الثاني/يناير 2015، حين اقتحم الحوثيون دار الرئاسة وحاصروا الرئيس عبد ربه منصور هادي معلنين عن أولى مراحل الانقلاب على الشرعية، والتي لحقتها مراحل كثيرة آخرها ما نشهده من موجة عنف تزداد وتيرتها وضحاياها كل يوم.

خلافات وخيبات

يلوم بعض الشباب اليمنيين الأحزاب السياسية الثورية وطريقة إدارتها لثورة التغيير، لكنهم لم يستسلموا للعثرات والظروف اللاحقة لتلك الفترة. ظلوا يواصلون السعي إلى تحقيق طموحاتهم من خلال البحث عن أفكار جديدة مناهضة لمليشيات تحالف صالح والحوثي بعد أن تمكنت من الإنقضاض على الشرعية اليمنية. يروي منسق حملة "من أجل وطن آمن"، محمد سعيد الشرعبي، قصة طموح الحركة الطالبية في جامعة صنعاء:

"أغلب المكونات الشبابية الطلابية المشاركة في الثورة تخلت عن مهمتها الثورية. وبعد اجتياح صنعاء نهاية أيلول/سبتمبر 2014 من قبل جماعة الحوثي، شارك شباب ثورة فبراير في تفجير الثورة السلمية ضد الميليشيات. للأمانة التاريخية كانت حملة "من أجل وطن آمن" المكون الشبابي الأول الذي تحمل مسؤولية الرفض السلمي لجنون المليشيات الحوثية المسلحة". حاول شباب "من أجل وطن آمن" وعلى مدار نصف عام في صنعاء كسر حاجز الخوف لدى اليمنيين من تبعات مناهضة المليشيات الحوثية، وتفاعل مع مسيرات صنعاء شباب وشابات تعز، وكذلك شباب إب. بعد انقلاب الحوثيين على الرئيس الانتقالي وحكومة خالد بحاح أواخر كانون الثاني/يناير الماضي، حاولوا إبقاء الخيارات السلمية في مواجهة الانقلاب، لكن جماعة الحوثي قمعت المسيرات واعتقلت المتظاهرين، وقتلت وجرحت العشرات في المحافظات التي خرج شبابها لمناهضة المليشيات".


صاحب الخنجر.. صاحب الدولة

لا يخفى أن من يصنع مستقبل اليمن اليوم هو المسيطر على الواقع والقابض على متاحات العمل السلمي. الشباب رغم رفضهم للعنف، وانحيازهم لخيار بناء الدولة، يتم تغييبهم عن التسويات السياسية، وآخرها اقتصار مؤتمر جنيف على أطراف الحرب. هكذا تمت محاولة اغتيال ثورة فبراير بمبادرة سياسية لم يلتزم بها أحد، وحملت الثورة الشبابية تبعات الأداء السياسي السلبي للرئيس الانتقالي وحكومة الوفاق. اغتالوا حلم الثورة ضد المليشيات، وذهبوا بالبلد إلى مستنقع الحرب. والمفارقة كانت اتفاق أطراف الحرب على تهميش مطالب الثورة الشبابية السلمية، ومطالب الثورة ضد المليشيات، وهذا النكران السياسي يحبط الشباب، ويجعلهم للأسف، بعيدين عن صناعة المستقبل.