ultracheck
  1. قول

الجادون.. جدًا

20 يوليو 2023
كاريكاتير لـ برادي إيزكيردو رودريغيز/ كوبا
سلمان عز الدين سلمان عز الدين

عندما توفي ميلان كونديرا، منذ أيام، كتب أحدهم على حساب الفيسبوك الخاص به: "إنه خبر مفجع.. ومفاجأة صادمة"، ولا نعرف أين المفاجأة بالضبط في وفاة رجل عن عمر يناهز الـ 94 عامًا؟! وربما كان الكاتب الفيسبوكي يخلط بين الخلود الأدبي المعنوي لمعبوده وبين الخلود الشخصي.. الفيزيقي، ففاجأه أن يكون الرجل خالدًا ويموت!

مفجوع فيسبوكي آخر كتب إن "عزاءنا يبقى في الروائع الكثيرة التي تركها الراحل خلفه لتؤنس وحشتنا: خفة الكائن التي لا تحتمل، كتاب الضحك والنسيان، حفلة التيس.."، ولما نبهه أحدهم إلى أن "حفلة التيس" رائعة ولكنها ليست من روائع كونديرا بل هي لماريو فارغاس يوسا، استشاط الفيسبوكي غضبًا، وأعلن استهجانه من "فاضي البال هذا الذي يأتي في لحظات كهذه ليدقق في تفاصيل تافهة"!

عندما توفي ميلان كونديرا، منذ أيام، كتب أحدهم على حساب الفيسبوك الخاص به: "إنه خبر مفجع.. ومفاجأة صادمة"، ولا نعرف أين المفاجأة بالضبط في وفاة رجل عن عمر يناهز الـ 94 عامًا؟!

ولدينا صديق، يكتب مراجعات للكتب ومقالات نقدية صحفية، لديه صديقة طموحة قررت أخيرًا أن تجرب حظها، هي أيضًا، في الكتابة للصحف، ولكنها تعاني من مشكلة بسيطة وهي أنها لا تعرف عما تكتب، ذلك أنها لا تميل كثيرًا إلى القراءة، بل، في الحقيقة، لم يسبق لها أن أنهت قراءة كتاب من قبل! اقترح الصديق أن تكون البداية من كتاب "فن الرواية" لكونديرا. حملت الصبية الكتاب إلى بيتها بعد أن وعدت نفسها وصديقها بأنه ستصحو صباح الغد لتقرأ الكتاب من الجلدة إلى الجلدة، ولكن الغد الموعود حمل نبأ وفاة كونديرا، وما كاد النهار ينتهي حتى كان جميع جيرانها وأقاربها يعرفون أنها مصدومة وفي حالة حزن.. وهي لم تكتف بالاتصال بصديقها لتعزيه عزاء حارًا وتتبادل معه الأشجان، بل اتصلت بنا، نحن أصدقاء صديقها، واحدًا واحدًا، معلنة "أنها خسارة فادحة، ليس فقط للبلد بل للوطن العربي، بل وللعالم"، ولا ندري من أين جاءت بفكرة مظلومية الكاتب الراحل، إذ ألحت على "إنه عالم قاس ومجنون هذا الذي يهمل عبقريًا مثل كونديرا، ويكرم مطربات من طراز هيفاء وهبي وريم السواس"!!

لقد كانت حفلة مرحة، لم يكن أبطالها هؤلاء الثلاثة فقط، بل انضم إليهم العشرات، فكثير من أصدقائنا ومعارفنا كتبوا مراث مؤثرة تقطر حزنًا، منقبين في مآثر الراحل ومعددين مناقبه الفكرية والأدبية، ونحن على يقين بأنهم لم يقرؤوا سطرًا واحدًا له.

ولكن هل يجوز الحديث عن "حفلة مرحة" ونحن في صدد الموت؟ نعم، على الأرجح، وكونديرا نفسه كان قد تحدث عن ذلك في مواضع عديدة من كتبه..

وبالطبع، وكما يحدث غالبًا، فإن لكل حفلة من يتصدى لإفسادها. أولئك هم المتجهمون الذين يأخذون كل شيء على محمل الجد، ولا يستسيغون المرح ولا العبث ولا اللهو، فيأتون لجعل الأمور في نصابها، ولوضع النقاط على الحروف.. هؤلاء الجادون لم يسخروا من "الحزانى الراثين"، ولم يتصدوا لكشف أكاذيبهم الصغيرة وادعاءاتهم الساذجة، بل راحوا يقرعونهم، بل ويؤثمونهم، لأنهم يحتفون بشخص لا يستحق الاحتفاء، كاتب مشبوه ذي سلوك شائن ومواقف تعادي قضايانا وقضايا الإنسانية العادلة، داعين إلى جعل وفاته مناسبة لفضحه وللدعوة إلى مقاطعة كتبه.

وثمة من عاد إلى كتاب نانسي هيوستن "أساتذة اليأس" والتي أفردت فيه صفحات لكونديرا، تحدثت فيها عن ازدرائه للمرأة وللأمومة، وكراهيته للأطفال، عبثيته، تغنيه باليأس، سخريته من الحماس لأي قضية.. والعودة إلى الكتاب تفضي إلى نتيجة حتمية: التوصية بعدم قراءة روايات كونديرا المؤذية!

وكنا لنضيف هؤلاء الجادين إلى حفلة المرح إياها، لولا أنهم يضربون على وتر حساس، وثيرون قضية قديمة، تتجدد على الدوام، لكثر ما بلبلت عقولنا وذوائقنا. ومنذ نحو عقدين نشر كاتب عربي كتابًا يستعرض فيه كل الأسماء التي كان لها مواقف سلبية منا ومن قضايانا، بدءًا من سرفانتس وانتهاء ببورخيس، وتوصل الكاتب إلى هذه النتيجة: ما دام كل العظماء ضدنا فعلينا أن نكف عن اعتبارهم عظماء!

ما الذي يبقى على مر الزمن.. مواقف الكاتب وآراؤه أم كتبه؟.. ما الذي بقي من ابن خلدون، مثلًا؟ مقدمته أم موقفه، الذي يعده الكثيرون شائنًا، من تيمورلنك؟

هل نستطيع الفصل بين الكاتب ومواقفه الشخصية والعامة وبين كتبه ونتاجاته الإبداعية؟ الإجابة ليست يسيرة كما قد نتصور، لذلك فالأسهل أن نتابع الأسئلة:

ما الذي يبقى على مر الزمن.. مواقف الكاتب وآراؤه أم كتبه؟.. ما الذي بقي من ابن خلدون، مثلًا؟ مقدمته أم موقفه، الذي يعده الكثيرون شائنًا، من تيمورلنك؟ وهل استطاعت مواقف سعيد عقل الغرائبية أن تعدم كل أشعاره (أشعار مرحلته الذهبية على الأقل)؟

ثم، وبغض النظر عن حقيقة ودقة الاتهامات الموجهة لكونديرا، فهل بامتناعنا عن قراءة رواياته نكون قد عاقبناه أم عاقبنا أنفسنا بحرمانها من قراءة روايات تنطوي، بلا شك، على إضافة ما للفن الروائي؟

ولكن ثمة إجابة واحدة، على الأقل، بإمكاننا تبنيها بشيء من الطمأنينة: هذا التأثيم، الذي يتبناه الجادون، ينطوي على فكرة الشعور بالوصاية نحونا. فنحن السذج القاصرون عرضة دائمة للكتب الضارة التي تسلبنا بوصلتنا وأحكامنا الصائبة وتجعلنا نقف ضد أنفسنا..

وأمام وضع خطير كهذا فهل من متسع أمام الأخوة الجادين للمرح والتسلية بمراقبة البلهاء؟!

كلمات مفتاحية
عزمي بشارة

هجوم "معاريف" على عزمي بشارة: "صناعة عدو" وتغطية للفشل في معركة الدعم الأميركي

عندما تبدأ أقدم تحالفات إسرائيل وأكثرها موثوقية في منطقة الشرق الأوسط بالتآكل بشكل واضح، يُتاح أمام المعلقين والباحثين المهتمين بالشأن الإسرائيلي عادةً مسارٌ يستحيل انتهاجه

الحوار المهيكل

إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا بين منطق التسوية وإعادة إنتاج المرحلة الانتقالية

يقف المشهد السياسي الليبي أمام مفارقة مركّبة: من جهة، تبدو الحاجة إلى سلطة تنفيذية موحّدة شرطًا عمليًا لإنهاء الانقسام المؤسسي وتوفير بيئة انتخابية قابلة للإدارة

إيتمار بن غفير

من "العائلات الثكلى" إلى "المواطن الأمني": كيف تعيد إسرائيل توزيع العنف داخل المجتمع؟

أثار قرار وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بتعيين أفراد من "العائلات الثكلى" كمراقبين على أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية جدلًا واسعًا

كأس العالم 2026
رياضة

مباراة لا يريدها أحد.. لماذا تُقام مواجهة المركز الثالث في كأس العالم؟

رغم الانتقادات المتكررة، فإن الاتحاد الدولي لكرة القدم يتمسك بإقامة مباراة المركز الثالث في كأس العالم، فلماذا يصرّ على ذلك؟

الفيضانات في السودان
علوم

هل ستتآمر ظاهرة "النينيو" مع الحرب هذا العام على السودانيين؟

في السودان، يرتبط نشاط ظاهرة "النينيو" تاريخيًا ومناخيًا بتأثيرات مباشرة على موسم الأمطار من حزيران/يونيو وحتى تشرين الأول/أكتوبر

مقاتلون من الجبهة الوطنية لتحرير أزواد
سياق متصل

جذور الصراع في أزواد.. من حلم الاستقلال إلى حرب الجميع ضد الجميع (الجزء الثاني)

في الجزء الثاني والأخير، نتتبع مسار الأزمة الأزوادية منذ انهيار الدولة المالية في شمال البلاد، مرورًا بصعود الجماعات الجهادية والتدخلات الدولية واتفاق الجزائر للسلام

الجريمة في المجتمع العربي
سياق متصل

تحويل ميزانيات الداخل الفلسطيني إلى الأمن: هل تعالج إسرائيل الجريمة أم تعيد تعريفها؟

تفتح خطوة الحكومة الإسرائيلية اقتطاع مئات ملايين الشواكل من ميزانيات مخصصة للمجتمع العربي وتحويلها إلى الأجهزة الأمنية فصلًا جديدًا في العلاقة المتوترة مع فلسطينيي الداخل