الثورة السورية تخسر حارسها.. مقتل عبد الباسط الساروت في ريف حماة

الثورة السورية تخسر حارسها.. مقتل عبد الباسط الساروت في ريف حماة

عبد الباسط الساروت (1992-2019)

ألترا صوت – فريق التحرير

فقدت الثورة السورية اليوم السبت عبد الباسط الساروت، أحد أبرز قادة الحراك الشعبي في مرحلته الأولى، والقيادي العسكري البارز في صفوف المعارضة السورية المسلحة، بعد إصابته فجر الجمعة خلال المعارك المندلعة بين قوات النظام والمعارضة السورية في ريف حماة الشمالي، حيثُ أراد الاستقرار بعد خروجه من ريف حمص الشمالي خلال عملية التهجير القسري التي شهدتها المنطقة قبل عام كامل من تاريخ وفاته.

فقدت الثورة السورية اليوم السبت عبد الباسط الساروت، أحد أبرز قادة الحراك الشعبي في مرحلته الأولى، والقيادي العسكري البارز في صفوف المعارضة السورية المسلحة

الساروت.. قائد الحراك السلمي في عاصمة الثورة

ولد الساروت (1992–2019) في حي البياضة الحمصي الذي استقرت به عائلته بعدما هاجرت من الجولان السوري المحتل، حيث تلقى مراحل تعليمه الأولى قبل أن تدفعه ظروف الحياة الاقتصادية لترك دراسته، والتوجه إلى كرة القدم ليتدرج في صفوف نادي الكرامة الحمصي في مركز حراسة المرمى.

اقرأ/ي أيضًا: نبيل الملحم: أغار من عبد الباسط الساروت

قبل اندلاع الثورة السورية كان نادي الكرامة الحمصي بنجومه واجهة كرة القدم السورية، محليًا وآسيويًا، من استاد حمص البلدي حظي الساروت بشهرته الشعبية الأولى عندما لعب مع نادي الكرامة في بطولة آسيا للأندية الأبطال، وبعدها مع منتخب سوريا للشباب، صنف الساروت بسبب تألقه مع نادي الكرامة ومنتخب سوريا كثاني أفضل حارس في قارة آسيا، وخلال تلك الفترة كانت الشعبية الجماهيرية لنادي الكرامة محليًا وعربيًا قد ارتفعت لتألقه على الصعيد الآسيوي.

تعتبر مدينة حمص وسط سوريا، والتي أطلق عليها لقب عاصمة الثورة من أوائل المدن السورية التي احتضنت المظاهرات السلمية تضامنًا مع أطفال مدينة درعا جنوب سوريا، وكان الساروت من أوائل المشاركين في المظاهرات السلمية في أسبوعها الثاني، ليجد نفسه بسبب شعبيته التي كسبها من حراسته لمرمى نادى الكرامة، مرفوعًا على الأكتاف ينشد مع المتظاهرين أغاني الحرية، ويصبح واحدًا من أبرز، إن لم يكن قائدًا للحراك الشعبي السلمي في المدينة، ويجد اسمه مدرجًا على لوائح الأسماء المطلوبة للنظام السوري.

حارس الثورة السورية

بروز اسم الساروت في المظاهرات السلمية دفع المتظاهرين لإطلاق لقب حارس الثورة عليه، وعرف لاحقًا بلقب بلبل الثورة تيمنًا بالأناشيد التي كان يُصدح بها في أحياء حمص القديمة، وكما كان من أوائل الأشخاص الذين شاركوا في الحراك السلمي، كان أيضًا من أوائل الذين حملوا السلاح للدفاع عن المتظاهرين السلميين في أحياء حمص القديمة.

ونتيجة للشعبية التي اكتسبها الساروت بسبب وقوفه إلى جانب الثورة السورية، اتهمه النظام السوري في تموز/يوليو 2011 بإنشاء إمارة سلفية في مدينة حمص، ورصد مكافأة مالية بقيمة مليوني ليرة سورية (35 ألف دولار) للقبض عليه، فقد الساروت اثنين من أخواله مع أربعة من إخوته ووالده منذ عام 2014 إما بقصف قوات النظام لأحياء حمص القديمة المحاصرة أو خلال المعارك التي كان يخوضها مع قوات النظام في ريف حمص الشمالي بعد تهجيرهم للمرة الأولى.

تعرض الساروت منذ عام 2011 لأكثر من محاولة اغتيال نفذها النظام السوري أو جبهة النصرة أو جهات مجهولة تتبع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)

قام الساروت بتأسيس كتيبة شهداء البياضة قبل تهجيره إلى ريف حمص الشمالي، ثم أصبح قياديًا في فيلق حمص الذي كان تحالفًا يضم مجموعة من فصائل المعارضة السورية، اتهم الساروت خلال تلك الفترة بمبايعته لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لكنه خرج في تسجيل مصور ليرد على الشائعات نافيًا انتماءه لأي تنظيم أو مجلس أو كيان سياسي معارض، ومؤكدًا أن الهدف من كتيبة شهداء البياضة مقاتلة النظام السوري.

تعرض الساروت منذ عام 2011 لأكثر من محاولة اغتيال نفذها النظام السوري أو جبهة النصرة أو جهات مجهولة تتبع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، كان أخرها بعد تهجيرهم من ريف حمص الشمالي إلى شمال سوريا، حيث استهدف مجهولون في شباط/فبراير الماضي بهجوم مسلح منزله في مدينة معرة النعمان بريف إدلب،  كما أن جبهة النصرة قامت منتصف عام 2017 باعتقال الساروت بتهمة مبايعته لداعش، والاقتتال الذي حصل بين شهداء البياضة والنصرة في عام 2014 قبل أن تفرج عنه بعد شهر من اعتقاله.

 أعلن الساروت مطلع 2018 انضمام لواء حمص العدية – الذي أسسه بعد تهجيره إلى شمال سوريا – إلى مكون جيش العزة المنضوي ضمن صفوف الجيش السوري الحر، وينشط بشكل كبير في ريف حماة الشمالي، ليصبح واحدًا من أبرز القياديين في جيش العزة المشاركين على جبهات القتال في المنطقة ضد هجمات قوات النظام والميليشيات الأجنبية الموالية لها، حيثُ استمر في القتال إلى أن أصيب فجر أمس الجمعة في المعارك الدائرة بريف حماة مع قوات النظام، ويعلن جيش العزة صباح اليوم عن وفاته متأثرًا بجراحه.

الساروت.. "أصدق تعبير عن الثورة السورية"

وعبر صفحاتهم الرسمية على موقع فيسبوك نعى مثقفون ونشطاء عبد الباسط الساروت بكلمات مؤثرة، فكتب الكاتب اللبناني زياد ماجد في منشور طويل يلخص مسار حياة الساروت في الثورة السوية: "عبد الباسط الساروت هو أصدق تعبير عن الثورة السورية وتعرّجاتها ومآلاتها. من متظاهر ومنشد سلمي يطلب الكرامة والحرّية، الى مقاتل دفاعًا عن حمص العدية وقائد لكتيبة شهداء البياضة التي استشهد معظم شبّانها وهم يحاولون فكّ الحصار عن مدينتهم، إلى مواكب لتحوّلات الهويّات القتالية والمقترب لفترة من التطرف وراياته السوداء، ثم المبتعد عنها والعائد الى ريف حماة الشمالي لقتال الحثالة الأسدية وحلفائها، وصولًا اليوم الى استشهاده، مثّل حارس المرمى السابق، "الجدع" الشهم صاحب البحّة الشجية، ثورته في كامل المنعطفات والهنّات والنهايات التراجيدية".

 

 

وفي منشور على صفحته الرسمية نعى طلال ديركي صديقه الساروت بالقول: "بسلام أرقد يا صديقي القديم، في هذا العالم لا توجد عدالة"، وديركي هو مخرج فيلم العودة إلى حمص التسجيلي الذي وثق حياة الساروت، والناشط الإعلامي السوري أسامة الهبالي خلال المراحل التي شهدتها الثورة حتى 2014.

 

 

أما الشاعرة السورية رشا عمران فاستعادت في منشور لها كلمات أحد أبرز الأناشيد التي صدحت بها حنجرة الساروت في سماء حمص: "جنة جنة جنة سوريا يا وطنا يا وطن يا حبيب يابو ترابا طيب حتى نارك جنة"، وأضافت "عبد الباسط الساروت، لا أظن أن أحدًا آمن بالثورة السورية ذات يوم لن يؤلمه رحيلك مهما اختلف معك! وداعًا لكل شيء".

 

 

ونعى الشاعر السوري ياسر خنجر مقتل الساروت في قصيدة نشرها عبر حساب الرسمي قال فيها: "على مَرأى مِن الطرُقاتِ والشرُفاتِ/ والعشبِ الطريّ،/ على مَرأى مِن الندى سقَطَ النبيّ/ وفي عَينَيهِ أجراسٌ وخُبز./ على مَرأى مِن الغيمِ،/ ومِن حرّيّةٍ قطَعَ الرصاصُ سؤالَها المَبحوحَ/ عن حُضنٍ تَفيءُ إلَيهِ بَعدَ يَديهِ./ آهِ يا يَديهِ الخاويَة،/ لا تَحضُني خَصرَ الرياحِ وتَتركيني عاريا،/ لا تَحضُني وَجَعَ الترابِ المُنكَسِر/ وتُخَلّفي جُرحاً على حوافِ الروح./ يا يَديهِ العاليَة،/ أعلى مِن صلاةٍ في فَمٍ مَجروح".

 

 

وفي منشور قصير استذكرت الروائية السورية مها حسن أبرز أيقونات الثورة السورية الذين رحلوا فكتبت: "ماتت فدوى (سليمان)، ماتت مي (سكاف)، مات رائد (الفارس)، مات الساروت... سوريا عم تموت".

وفي منشور آخر نقل الشاعر محمد الحاج بكري كلمات والدة الساروت في رثاء ولدها الخامس الذي يقتل على يد النظام السوري: "تقول والدة الساروت إن استشهاد عبد الباسط قوة الكم ورح يخليكم تكملوا بقوة أكتر.. أي أم أنت يا أم الوليد.. فقدتي اليوم خامس أولادك وزوجك في الثورة وما زلت تقدمين".

 

 

وعبر حسابه الرسمي على تويتر كتب الباحث أحمد أبازيد: "عبد الباسط الساروت شهيدًا،حارس الحرية وأيقونة حمص ومنشد الساحات والصوت الذي لا ينسى في ذاكرة الثورة السورية، شهيدًا كما يليق بمن عاش مثله، هكذا يموت الثوار واقفين، وإن كانت الحياة تشبهك أكثر".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أغنيات الثورة السورية.. من الأرض لأجل الإنسان

"عطب الذات" لبرهان غليون.. مقدمات للمآلات السورية