02-فبراير-2019

كان التكفير ناظم العلاقة بين الوهابية وآل سعود (توتير)

لم تكن الحروب التي خاضها آل سعود في تكوين دولتهم، على مراحلها المتعددة، حروبًا قبلية عسكرية بحتة. كما لم تكن الدعوة الوهابية، في سعيها إلى توسيع رقعة نفوذها، وزيادة عدد أتباعها، دعوة دينية بحتة، فكلا التحركين كانا متلازمين مترابطين يعتمد كل منهما على الآخر ويبرر وجوده. ففي الوقت الذي استغل فيه آل سعود الدعوة لإضفاء طابع ديني إلهي يبرر القتل والدمار الذي ساقوا إليه سكان المدن وأبناء القبائل في حربهم الآخذة بالتمدد في جميع الاتجاهات، كذلك اتخذ شيوخ الدعوة الوهابية من القوة المتمثلة بآل سعود أداة لتنفيذ مساعيهم في إخضاع جميع من لم يصلوا إليهم من سكان الجزيرة، وما هو أبعد منها، لدعوتهم.

كانت الآلية الوحيدة القادرة على تحقيق ما يرمي إليه الوهابيون وآل سعود، وتبرير إطلاق حرب مفتوحة تجاه جميع الأطياف الأخرى، هي التكفير

عُقد اتفاق تاريخي بين الطرفين، وترتب على هذا الاتفاق أن خُصص لأتباع زعيم الدعوة الوهابية، محمد بن عبد الوهاب، عدد من المهمات الوظيفية التي جعلتهم يتقاسمون النفوذ والسلطة مع آل سعود، كان من بينها تسلم القضاء، وجمع أموال الزكاة، والوعظ والإرشاد، وإمامة المساجد وتعليم الناس فيها. وفي الوقت نفسه ساعد الوهابيون آل سعود على تحقيق انتصاراتهم ضد خصومهم. وكانت الآلية الوحيدة القادرة على تحقيق ما يرمي إليه كلا الطرفين، السياسي والديني، وتبرير إطلاق حرب مفتوحة تجاه جميع الأطياف الأخرى، هي التكفير.

اقرأ/ي أيضًا: عزمي بشارة "في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟".. راهن المفهوم وسياقه التاريخي

بالعودة إلى مجموعة الرسائل والمسائل النجدية التي حوت فتاوى ابن عبد الوهاب وأبنائه وأحفاده وبعضًا من مريديه، يظهر بوضوح كيف وظفت الدعوة الوهابية مسألة التكفير في شرعنة قتال كل من يخالف طرفي الاتفاق؛ الوهابيين وحكام آل سعود. ففي جانب تمكين الحُكم وتعزيز دعائم السلطة، نقرأ في رسالة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب تحريضه ضد سعود بن فيصل، بعد إعلان معارضته أخيه عبد الله بن فيصل، قوله: "وتفهمون أن الله سبحانه جمعكم على إمامكم عبد الله بن فيصل، بعد وفاة والده فيصل رحمه الله. فمن بايع بايع، وهم الأكثرون، ومن لم يبايع بايع عنهم كبارهم. واجتمعوا عليه أهل نجد، باديهم وحاضرهم، وسمعوا وأطاعوا، وما اختلف عليه أحد منهم، حتى سعود بن فيصل بايع أخوه". ويتابع مجرّمًا المعارضة، ونافيًا عنها صفة الإسلام: "وسعود سعى في ثلاثة أمور كلها منكر؛ نقض البيعة بنفسه، وفارق الجماعة، ودعا الناس إلى نقض بيعة الإسلام. فعلى هذا يجب قتاله، وقتال من أعانه (من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته جاهلية)، وفي الحديث الآخر (فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)". ويؤكد على ذلك فيقول: "فاستعينوا بالله على من بغى وطغى وسعى في البلاد بالفساد. وهذا أمر فساده ظاهر ما يخفى على من له عقل. واحتسبوا جهادكم وأجركم على الله، وأنتم سالمين، والسلام".

لم تكن هذه مجرد فتوى قيلت في جمع من الناس، فقد تبنت الجماهير مسألة التكفير هذه، كما تبناها عبد الله بن فيصل الذي حشد الجموع لقتال أخيه ومن ناصروه من القبائل وأهل المدن، لتقوم بين الطرفين حرب استمرت تسعة أعوام، ولم تنته إلا بوفاة سعود بن فيصل وقتل خلق كثيرين ممن والاه وأيده في خروجه على السلطة.

أغار عبد الله بن فيصل في هذه الحرب على قبائل الظفير وأهل سدير والأحساء ووادي الدواسر وبادية العجمان وبلدات البرة والرويضة والرياض وضرما وغيرها، وارتُكبت في غاراته اعتداءات مخالفة للقواعد المرعية لدى المسلمين، حتى في حروبهم ضد الكفار والمشركين، فقُطعت الأشجار وهُدمت البيوت وأُحرقت المزارع ونُهبت الأموال. وعن هذا نقل إبراهيم الحنبلي في كتابه "عقد الدرر فيما وقع في نجد من الحوادث في آخر القرن الثالث عشر وأول الرابع عشر"، ما نصه: "ثم دخلت السنة الرابعة والثمانون بعد المئتين والألف، وفيها أمر الإمام عبد الله بن فيصل (...) عمه عبد الله بن تركي بالمسير إلى الأحساء، وأمره أن يحبس كل من ظفر به من بادية العجمان، وأن يحرق بيوتهم التي لهم في الرقيقة". ويقول أيضًا: "ثم دخلت السنة الخامسة والثمانون بعد المئتين والألف، وفيها أمر الإمام عبد الله فيصل جميع بلدان المسلمين بالجهاد، وخرج من الرياض يوم خامس عشر من المحرم، فنزل على بنيان واستلحق غزو أهل البلدان، فلما اجتمعوا هناك سار بهم إلى وادي الدواسر، وأقام هناك نحو شهرين، وأخذ منهم أموالًا كثيرة، وقطع نخيلًا، لقيامهم مع سعود كما تقدم". وينقل ناصر السعيد أيضًا في كتابه "تاريخ آل سعود"، في حديثه عن ثورة قبيلة العجمان، ما نصه: "وحاول عبد الله بن فيصل آل سعود أن ينتقم، فأرسل عددًا من أذنابه لإحراق عدد من بساتين الأحساء ودور الفلاحين، ففعلوا وأحرقوا الكثير منها، وهرب العديد من الفلاحين إلى العراق".

كان واضحًا أن التكفير العام لجميع المعارضين أولًا، وأبناء المجتمع النجدي ثانيًا، والمجتمع الإسلامي العربي ثالثًا، ومن ثم العالمي أخيرًا، هو المنفذ الوحيد القادر على تمرير أفكار تشرعن القتل والتدمير والتخريب، لتحرير مرتكبي هذه الجرائم من عبء المسؤولية الأخلاقية التي يتحملها الإنسان بفطرته تجاه غيره من البشر، فيعتقدون أنّهم في حربهم هذه إنّما يقاتلون كفارًا استُبيحت دماؤهم وأموالهم بنص شرعي ورضىً إلهي، وأنّهم مجاهدون في سبيل الله، يسعون إلى إقامة دينه في الأرض، وتحرير الناس من جهلهم وانحراف مذاهبهم، ولو كان ذلك بحصد أرواحهم.

تجدر الإشارة هنا إلى أن حكم التكفير في الدعوة الوهابية لا يقتصر على المخالفين أو الخارجين على أحكام الدين من مرتكبي نواقضه ومبطلاته، وإنما ينسحب أيضًا على من لا يقرّ بكفرهم ويعلن براءته منهم، فلا يكون المسلم مسلمًا ما لم يمارس التكفير، هكذا يظهر التكفير جزءًا من العقيدة وركنًا من أركانها. جاء في "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية"، في المسألة الحادية عشرة من فتاوى الشيخين حسين وعبد الله، ولديّ محمد بن عبد الوهاب، ما نصه: "فمن قال لا أعادي المشركين، أو أعاديهم ولا أكفرهم، أو قال لا أتعرض أهل لا إله إلا الله، ولو فعلوا الكفر والشرك وعادوا دين الله، أو قال لا أتعرض للقباب، فهذا لا يكون مسلمًا".

على خطى الأب والجد، تأتي فتاوى الأحفاد. فمثلًا جاء في خاتمة الجزء الثاني من مجموعة "الرسائل والمسائل النجدية"، قول محمد بن عبد اللطيف: "واعلم يا أخي، وفقني الله وإياك للصواب، أن أهل نجد، باديتهم وحاضرتهم، قبل دعوة شيخ الإسلام وعلم الهداة الأعلام، مجدد ما اندرس من معالم الإسلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء قد استحكمت، وعم الشر وطم، وفشا الشرك، وشاع الكفر وذاع في القرى والأمصار والبادية والحضار...".

اقرأ/ي أيضًا: تعرف على السيرة الكاملة للسلفية في مصر من المسجد إلى البرلمان

أخيرًا، للمفارقة، فإن المتصفح لقائمة محتويات الجزء الأول من "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" يصطدم بثاني عناوينها "رسالة لأهل شقرا في بيان أن الإسلام دين يسر وسهولة"، لكن الطريف في الأمر أنه لدى عودة القارئ إلى الرسالة التي ترد في الصفحات الأولى من الكتاب يجد ما نصه: "فيا إخواني لا تغفلوا عن أنفسكم، ترى الباطل مالة لحاية [ركوبة بليدة] عند الحاجة، ولا تظنوا أن الضيق مع دين الإسلام، لا والله، بل الضيق والحاجة وسكنة الريح وضعفة البخت مع الباطل والإعراض عن دين الله، مع أن مصداق قولي فيما ترونه فيمن ارتد من البلدان، أولهن ضرما وآخرهن حريما، هم حصلوا سعة في ما يزعمون، وما زادوا إلا ضيقًا وخوفًا على ما هم قبل أن يرتدوا". ويختمها بقوله: "فتوكلوا على الله، وشمروا عن ساق الجد في دينكم، وحاربوا عدوكم، وتمسكوا بدين نبيكم". فرسالة ابن عبد الوهاب إلى أهل شقراء، أهم معاقل الدعوة الوهابية، عن سماحة الدين ويسره، إنما كانت لتحريضهم على قتال من ارتدوا عن "الإسلام الوهابي" من أهل نجد وما جاورها.

في نهاية الأمر، ليست الحركة الوهابية الداعية إلى فكرة التكفير سوى نموذجًا أثبتت الأيام أنه قابل للتجدد وإعادة التدوير، ولا يزال تنظيم داعش وغيره من التنظيمات والحركات التكفيرية المتوالدة، في المنطقة العربية على وجه الخصوص، حاضرة، وإن خفت  ذكرها أو غابت أخبارها. وستظل تطل علينا بين حين وآخر ما دامت فكرة التكفير مدعمة بنصوص إلهية تنفتح على تأويلات واسعة الاختلاف وسهلة التشكّل لا يتورع أتباعها عن توظيفها لخدمة أهدافهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الكنيسة الغائبة.. أفكار عن الإسلام والسلطة

الإسلام وجون سنو.. أغنية من نار وفراشات