الكنيسة الغائبة.. أفكار عن الإسلام والسلطة

الكنيسة الغائبة.. أفكار عن الإسلام والسلطة

السلطان العثماني سليم الثالث يتلقى المبايعات (Getty)

في فترات صعود الإسلام السياسي، لطالما استعجب مفكرو التيارات الإسلامية وشيوخها، من قلة الموروث الديني في مجال تنظيم السياسة، وكانوا يقصدون بها السياسة بمفهومها الحديث، والذي هو تحريك جموع معينة والاتكاء عليها بالأساس للوصول إلى السلطة، أو استبطان نموذج يوتوبي مكتمل لكيفية تنظيم الدولة، أي الانطلاق من المجتمع المدني إلى الحكم، أو على الأقل الانطلاق من شرعية تمثيل الجموع ورغبتها، وليس مجرد تكوين جيوش للاستيلاء على الملك أو المطالبة بحق ديني أزلي في السلطة، وهو ما كان حاضرًا بالفعل في تاريخ أفكار المسلمين.

كان اللجوء للحل القبلي، أي الوراثة، في تنظيم انتقال السلطة في الإسلام، أكثر تعقيدًا من كونه مجرد "انحراف" عن نهج الراشدين وعن المثال الديني

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لن يصبح حزب النور "سفينة نوح" للإسلاميين؟

كيف فكر المسلمون في السلطة؟

لا ينفصل تاريخ الإسلام عن تاريخ "دولة الإسلام" التي قادها وبناها النبي نفسه، وكان انتشار الإسلام الأول في عهده، هو قرين تحولات الدولة التي يبنيها، وبالتالي، وفي حياة النبي، كانت السلطة التي يبنيها النبي في المدينة، هي الإسلام نفسه في نظر المؤمنين كما في نظر أعدائه، وعندما توفي النبي، دون أن يحدد من يخلفه، لم يطرأ في بال أصحابه إمكانية أن تنفصل خلافته الدينية عن خلافته في دولته، بل سيرث خليفته مهمته في إدارة شؤون المسلمين ودولتهم ودينهم معًا.

وكان أبوبكر وهو يقرر محاربة من امتنعوا عن دفع الزكاة له، على وعي بهذا التماهي بين الدين ودولة الرسول، ورأى أن هزيمة الدولة حينها ستعني هزيمة الدين نفسه، كما لم يكن ممكنًا بناء الدولة على أي أساس سوى الدين أيضًا، لقد كانت هذه "دولة المسلمين"، وليس غريبًا أن تكون صفة سلطانها "أمير المؤمنين".

وظل ذلك الوعي متواجدًا بشكل تاريخي في "الخلافة" والتي عنت بشكل أساسي ألا يتم السماح بسقوط دولة الرسول، لما خلفه ذلك الشعور الأول بتماهي الاثنين معًا، وإن لم يعد ذلك التماهي، بمرور الزمان، محتفظًا بنفس بداهته الأولى، فالإسلام بالوقت كان بالفعل قد أصبح أكبر من أن يعتمد في بقائه على سلطة معينة في مدينة معينة، مثلما كان الحال مع أبي بكر، كان الإسلام قد خلق أسباب بقائه وثباته في المجتمعات وأصبح أكثر قدرة على التخلي عن الدولة.

وفاة الرسول دون تحديد خليفته أو حتى تحديد طريقة اختياره، أفقدت الإسلام أي وسيلة، يمكنها ادعاء الشرعية الأصلية، لتنظيم الوصول للسلطة.

التقط أبو بكر السلطة معتمدًا على طول صحبته للنبي وقرشيته، وكان كل انتقال للسلطة بداية منه، معتمدًا بشكل كامل على تفكير الخليفة الذي يسبقه، فأبو بكر الذي حارب جموع العرب المنتفضين على شرعيته، أعطاها مباشرة لعمر وزيره القوي، الذي حصر الاختيار في ستة، يختارون من بينهم خليفة، ثم كان عثمان الذي تمسك بالسلطة ونظمها في شكل قبلي تقليدي معتمدًا على عشيرته الأقرب، وكان ذلك تحديدًا ما فجر للمرة الأولى في الإسلام، التفكير الجمعي في ما يمكن أن تعنيه "الخلافة"، وفي العموم، لم يمتلك طرفا الخلاف، علي بن أبي طالب ومعاوية ابن أبي سفيان، أي إجابة "إسلامية"، كان جواب الطرفين على مسألة تنظيم السلطة قبليًا تقليديًا، غير قادر على تنظيم الأمر خارج التقاليد: الوراثة، وبينما كان طرف المعاوية المتغلب، صريحًا في ذلك، كان طرف علي، المعتمد على كونه الأقرب لسلالة النبي والأكثر أثرًا في الإسلام، قد دمج حله القبلي في الدين، بادعاء أن الدين مازال يوجب وللأبد، أن يكون الأمر في سلالته.

وفي العموم كان اللجوء للحل القبلي في تنظيم انتقال السلطة، أكثر تعقيدًا من كونه مجرد "انحراف" عن نهج الراشدين، وعن المثال الديني، كان المسلمون، الذي انتقلوا من كونهم مجرد طائفة متمردة، ثم إلى طائفة دينية حاكمة على مدينة، ثم إلى طائفة حاكمة على أغلب العرب، ثم إلى دين صاعد بالعرب يحكم إمبراطورية، ويتفرق رموزه في كل البلاد كفاتحين وكقادة، قد أصبحوا أمة في إمبراطورية، لا يمكن أن تحسم أمور حكمهم، بمجرد اجتماع أصحاب النبي في السقيفة للاختيار وتهديد المخالف منهم بكلمتين، وكانت استعانة عثمان بأقاربه هي بالأساس جزء من هذا التحول ومقدمة له، كانت الإمبراطورية قد صارت أكبر وأكثر تركيبًا من أن يتحكم بها بشكل شوري تام، وبقدر على تجاوز الخلافات، من تبقى من أصحاب النبي، وكان هؤلاء في تناقص بمرور الزمان، وكان الأمر كله مجرد وقت قبل أن تدار تلك الإمبراطورية كما كانت تدار كل الإمبراطوريات الأخرى.

بالتأكيد كانت الإمبراطوريات الإسلامية، مبنية على اتصال ما بين الدين والسلطة، لأنها ورثت إمبراطوريتها من خلفاء للنبي الملك نفسه، وكانت فتوحاتها قائمة على أساس نشر الإسلام، لكن ذلك الاتصال سرعان ما تم فصله على يد الأمويين، ليكون للدين دور تنظيمي وثقافي ومجتمعي على الناس، بينما يظل الملوك وحاشيتهم وكل ما يتعلق بهم مباشرة بعيدين عن سطوته.

وعلى الرغم، أن منصب "الخليفة" المسلم، ظل مرتبطًا بالشرعية الدينية، إلا أن جل الملوك والأباطرة المسلمين، كانوا متخلصين تمامًا من أي قدرة للدين على ضبط حيواتهم، وتمتعوا بحياتهم كأباطرة وملوك للدنيا، مع حرصهم بين الحين والآخر، على تأكيد شرعيتهم الدينية.

وبشكل عام تمتعت الطبقات الحاكمة الإسلامية، مثل كل الطبقات الحاكمة، بحقها في الخروج عن أوامر الدين، إما لأن القائمين على الضبط المجتمعي/رجال الدين، كانوا مقيدي الأيدي تجاههم، وإما لأن "العامة" رأت أن ذلك من طبائع الأشياء، ولعل الشعور اللاواعي لمجمل الفقهاء المسلمين، بأن السلطنة الإسلامية بوراثيتها وببعدها عن التقيد بالدين، كانت أنسب لإدارة الأمور من أي تصورات أخرى، وأكثر قابلية للاستمرارية، كان سببًا من أسباب تساهلهم في إسباغ الشرعية على هذه السلطات، خصوصًا وأن الأخيرة، في المقابل، كانت تمنحهم سلطة مجتمعية ترضي حسهم الضبطوي، أو تجيش الجيوش وتضيف أراض وأمم أخرى إلى "أمة الإسلام"، وقد ظلت "شرعية الفتح" من أهم الشرعيات التي تسهل على الناس الرضوخ للسلطنات المخلتفة، ولذلك كانت الدولة الإسلامية في عصورها الذهبية، دولة غازية، أوفي عصورها المتأخرة دولة حامية للمسلمين.

وبالتأكيد، عرفت الممالك الإسلامية عصورًا من تمسك بعض الملوك بالدين، أو اعتبرتهم العامة كذلك، وإن كان ذلك الانطباع ظل متعلقًا بالأساس برشادتهم في إدارة الدولة وتحقيق مصالح الناس، وغالبًا ما اقترن مديح المؤرخين المسلمين السنة للخلفاء، بالجمع بين تواضعهم وخروجهم للصلاة بالناس وفتح قصورهم أمام المشتكين، وبين رشادتهم في تحقيق مصالح رعيتهم، وقلما ما اقتصر مديح سلطان معين بالاكتفاء بجانب واحد.

لكن حتى في ما يتعلق بهؤلاء الخلفاء، كان الأمر يتعلق بطفراتهم الفردية، أكثر مما يتعلق بأي تغيير حقيقي في آليات السلطة وآليات انتقالها أو تقويمها، التي حافظوا عليها جميعًا، لقد كان نظام السلطنة الوراثي مسلمة من مسلمات الملوك المسلمين.

ولعل ذلك ما دفع بعض الإسلاميين الحداثيين، الذين أسقطوا تصوراتهم عن "ماهية الإسلام" على "الإسلام التاريخي" وحاكموه بمعاييرهم الحديثة عن "الدولة الإسلامية" فاكتشفوا عدم إسلاميته، إلى أن يجدوا أنفسهم محصورين في تصور عصر ذهبي للإسلام، لا يزيد عن فترة الرسول في المدينة مضافًا إليها مدتي خلافة أبي بكر وعمر وبعض من فترة عثمان، وهي، ليس للصدفة البحتة، قريبة من الفترة التي اتفق عليها الخوارج كذلك، وافترضوا أن المسلمين بعد ذلك انحرفوا عن النهج السليم، وصحيح أن هذا التصور شديد الطفولية، إلا أنه ليس منفصلًا بشكل تام عن حكم عامة الفقهاء المسلمين عن تاريخهم.

كان هناك دومًا، وإن بشكل متواري، إمكانية نظرية ما، أو للدقة رغبة في إمكانية، لأن ينظم المسلمون انتقال السلطة، باعتماد آليات دينية فيها بعض التمثيل لكيان أكبر هو الأمة، وهو ما تجلى في افتراضات بعض الفقهاء عن لزوم مبايعة أهل الحل والعقد من كل بلد للإمام حتى تكون إمامته شرعية، وهو ما لم يحدث أبدًا بالطبع، وكان مفهوم أهل الحل والعقد يحمل ضبابية دلالية، إذ رغم أنه بدا من جانب مجرد تفسير للماء بالماء لأن بالفعل أي حاكم في أي عصر وتحت أي شرعية يحتاج لأن يوافق أهل الحل والعقد عليه وإلا لمَا جاء من البداية ولا استقر حكمه، ولكن من جانب آخر، كانت هناك ضبابية في المصطلح يمكن تفسيرها بأنه كان هناك افتراض أن أهل الحل والعقد هؤلاء مُمثِلون بشكل أو بآخر لعامة المسلمين في مناطقهم أو ممثلون لإجماع الأمة، لكن تلك التصورات النظرية، ظلت مستحيلة التحقق، وشاحبة الدلالة، ومرجوحة فقهيًا وعمليًا، وظل مناط الأمر بالنهاية محصورًا على التغلب والوراثة كأي إمبراطورية أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لم يتخل الإخوان عن مرسي؟

الخوارج

كانت الدولة الإسلامية تحمل من بدايتها إمكانية لخلق طريقة أخرى لتنظيم السلطة تكون أقرب لمكون الدين في الإمبراطورية من مكون الدولة، لم يتحقق ذلك، لكنه، وكأي إمكانية مجهضة في التاريخ، ترك أشباحه تحارب لتذكر الجميع بالإمكانية الغائبة، فكان الخوارج.

لم يكن غريبًا، أن تشكل أول لحظة مساءلة لشرعية السلطة في الإسلام، كل تاريخ المسلمين بعد ذلك، فشكلت حادثة الثورة على عثمان، مع ما تبعها، الأساس الإشكالي لكل الاختلافات التي ستأتي بعد ذلك.

أربكت الثورة، التي قادتها مجموعات من مصر والعراق، على عثمان، عثمان ومؤيديه، وكبار الصحابة وعلى رأسهم علي، وأربكت الثائرين أنفسهم، الذين ظلوا يتأرجحون بين الذهاب للمدينة أو العودة لبلدانهم مرة أخرى، كان السؤال الذي طرحه الخروج على عثمان، وهو كيفية تقويم الخليفة، الجامع للشرعيتين الدينية والدنيوية، أعقد من أن ينجح أحد في الإجابة علي، لم يتخل عثمان عن الخلافة، ولم يستطع كبار الصحابة أن يعزلوه لعدم وجود آلية لذلك من جهة، ولعصبته من جهة أخرى، ولم يقدم الثائرون حلًا آخر، سوى أن يقتلوه ثم يبايعون بعد مقتله عليًا، ليزيدوا الوضع إرباكًا.

وفجر الخلاف الذي أتى بعد مقتله الفرقتين الكبرتين اللتين ستخلقهما "الفتنة الكبرى"، لقد كان مطلب معاوية عادلا دينيا بطلب تسليم قتلة عثمان إليه، وعندما تم رفع المصاحف في المعركة بينه وبين علي، لم تكن مجرد مناورة خبيثة، كما ستكتب السردية العلوية المنتصرة عند السنة والشيعة، فمعاوية يعلم أن الدين في هذه المسألة يقف في صفه، لقد تم قتل الخليفة، دون سند ديني، ثم انضم القتلة لجيش الخليفة التالي، بالإضافة لذلك تمتع معاوية بميزة أخرى، فقد كان يقود جيشًا هو أميره لمدة عشرين عاما على الأقل، أي منذ أعطاه عمر حكم الشام، بينما كان علي، الوافد حديثًا على قيادة الدولة، يقود جيشًا من الثائرين الذي قتلوا لتوهم سلفه في السلطة، ولذلك، وعكس المنطق النظري السطحي للموضوع، لقد خرج المتطرفين الدينيين من معسكر علي، وليس من معسكر معاوية، لأن معسكر علي بالفعل، وككل الحركات الثورية، كانت قابليته للرضوخ للمزايدات من على أطرافه، أكبر بالتأكيد من معسكر معاوية التقليدي، وذو المطلب شديد الوضوح، وسهل الشرح، بالاقتصاص من قتلة عثمان.

برضوخ علي لطلب معاوية للتحكيم، خرجت جموع من جيش علي، ضده، لأنه حكََّم الرجال في دين الله، وفي الأغلب كان أي تحكيم تفاوضي بين علي ومعاوية سينتهي بتسليم زعماء الثورة على عثمان إلى معاوية، وهو ما جعلهم ينقلبون على علي مقدمًا، ويرفعون شعارات "إن الحكم إلا لله"، قبل أن يغتالوا عليًا نفسه.

كانت المساءلة الجماعية الأولى للخليفة، إذن، مربكة لدرجة أنها أنتجت الفرق السياسية الكبرى في الإسلام، فرقة ستتشيع لعلي للأبد، وفرقة ستنتهج سبيل الثورات الفوضوية دون هدف محدد، وفرقة أكبر ستجد سؤال السلطة بلا إجابة، فتشرعن كل سلطة متغلبة، بعد رؤيتها مصائر الخارجين على هذه السلطات، والذين كان يتم تحطيمهم تماما عند كل صدام لهم مع السلطة.

ساهم الخوارج بشكل رئيسي بإيجاد تبريرات خطابية للثورات التي ما كفت تندلع في جوانب الدولة الإسلامية لكن دون أن يؤسسوا تصورًا تنظيميًا آخر للسلطة

الدولة الإسلامية أصبحت إمبراطورية، وبالتالي كانت قادرة على سحق الثورات الصغيرة التي تقام ضدها، ما افتقدت هذه الأخيرة القدرة على تنظيم نفسها في شكل حرب على قلب الإمبراطورية وقلب العائلة الحاكمة، كما سيفعل العباسيون، وليس مجرد الاستفراد بمدينة هنا أو هناك والهجوم انطلاقا منها، بجوار افتقادها القدرة على خلق مظلومية عامة يمكن لجميع المسلمين التحمس لها، مثلما كانت المظلومية العلوية مثلا.

لم يطرح الخوارج نظامًا بديلًا عن السلطنة، وكانت فكرتهم بضرورة الخروج على أي حاكم يخالف الدين، فكرة تصلح للثورة لا للحكم، ولعل ذلك ما دفع بعضهم، حسب الرواية السنية، لرؤية أن الإمامة/الخلافة بحد ذاتها غير ضرورية، ما أقام الناس الدين.

ساهم الخوارج بشكل رئيسي بإيجاد تبريرات خطابية للثورات التي ما كفت تندلع في جوانب الدولة الإسلامية من حين لآخر، لأسباب عرقية أو اقتصادية، لكن دون أن يؤسسوا تصورًا تنظيميا آخر للسلطة، ومثل كل الجماعات السرية المناهضة للدول والتي انهزمت في النهاية، لم يتمكن الخوارج من إيصال صوتهم الأصلي لمن بعدهم، وبالتالي ظلت روايتهم الذاتية مطموسة لصالح روايات من غلبوهم، وغالبًا ما ارتبط ذكرهم بأفعال وحشية، لا تبدو بعيدة عن التصديق، إذا تم نسبتها لجماعات هي بالأصل، دينية متشددة، إلا أنه لا شيء يدعو لتصديق أن كافة من نُعتوا بالخوارج في التاريخ الإسلامي كانوا بالفعل مجرد متدينين تطهريين ومتحمسين.

بل، وفي الأغلب، لم يكن الخوارج، كمصطلح، يطلق على مجموعات تحمل اعتقادات متقاربة (إذا استثنينا "الثوار" الذين قتلوا عثمان ثم انشقوا على علي وقتلوه)، والاحتمال الأكبر أنهم لم يشكلوا فرقة متماسكة مثل السنة أو الشيعة، بل ربما استخدمت السلطات والفقهاء القريبين منها، المصطلح، الذي كان تم وصمه، لوصف كل الثائرين عليهم، مهما تباعدت مآربهم ودرجات تدينهم أو تطرفهم، وكان وصم الخروج، في ذاته، بكل النقائص، هو إحدى الاستراتيجيات الكبرى التي انتهجتها الإمبراطوريات الإسلامية، لسحق كل من يسائل شرعيتها.

العائلة المقدسة

ظل سؤال الشرعية الأكثر صلابة وقدرة على الصمود طيلة عصور الإمبرطورية الإسلامية، هو سؤال العلويين للسلطة، امتلك العلويون، منطقًا عصيًا على التفنيد السريع، فهم، يطلبون السلطة لأحفاد الرسول، وبدا ذلك الحل لسؤال تنظيم السلطة، رغم ابتعاده عن واقع دولة الرسول، التي لم يظهر فيها أنه على وشك توريث أقاربه للسلطة، قريبا لعقول الكثيرين، ويراود المسلمين فترة تلو الأخرى، كلما ثار ثائر علوي يطلب السلطة.

التقط علي الخلافة الملقاة على الأرض، لكونها في نظره، حقه الذي يعود إليه أخيرًا، لكنه، عكس منافسه، معاوية، كان قد أقصي من أي مناصب قيادية في الدولة الإسلامية، وظل في المدينة كواحد من مستشاري الخلفاء، وفي اللحظة التي أصبح فيها الخليفة، كان يبدو له فيها أن عصبة عثمان قد سقطت بالفعل، ولم يتوقع كل تلك المقاومة التي أثارها الصحابة بعد ذلك، خصوصا أن موقفهم من قتل عثمان لم يكن يختلف كثيرًا عن موقفه، لكن بمجرد مغادرة علي وجيش الثوار الذي أصبح زعيمه المدينة، اختلفت مواقف الجميع، وأعادوا تقييم موقفهم في ضوء أن معاوية كان قد أعلن نيته الحرب حتى تسليم قادة الثوار، وواقفه على ذلك أغلب من تحت إمرته، وهكذا أغلقت سريعا اللحظة التي تمكن علي فيها من انتزاع الخلافة، وأصبح الثوار تحت إمرته، سببا لانتقاص شرعيته في نظر من يحاربونه، وهو ما كان يمكن تجاوزه، لو استطاع علي الفوز على خصومه بسرعة، لكن ذلك كان صعبًا نتيجة لتكوين جيشه الثوري، المنفلت والعصي على الانضباط والميال للانشقاقات، تفتت معسكر علي في النهاية واغتاله شخصيًا، وهو ما جعل الحسن، الذي لم يكن بوسعه أن يحارب بجيش قد قتل والده للتو، يعقد اتفاقا مع معاوية على أن يترك له الخلافة، ثم يأخذها من بعده، قبل أن يتم اغتياله هو الآخر، بعد ذلك بعام واحد.

في المقابل كان حكم معاوية مستقرًا، بدون ثورات كبيرة ضده، ولم يحدث في عهده أي خروج كبير ينادي لانتزاع الخلافة منه، وهو ما يساند فرضية أن الكتلة الأكبر من المسلمين كانت في صفه من البداية ضد معسكر الثوار، وأن السردية التاريخية المنتصرة عن أحقية علي بها، هي سردية متأخرة، كتبت في الأوقات التي كان الحكم الأموي، قد أبان عن شراسته الكاملة، فبدؤوا في مراجعة التاريخ الأول، ليعتقدوا أن الطغيان الأموي، لم يكن ليحدث لو أن عليًا تمكن من الانتصار.

كان سهلا على كل ثائر علوي أن يدعي أحقيته للخلافة فيتحمس له الناس بسرعة،لجاذبية التاريخ البديل لولاية علي، التي ظلت تظهر كإمكانية عدالة مجهضة

كان علي أكثر قربا من منطق الخلافة من معاوية، لأنه أقرب لنمط أبي بكر وعمر وعثمان منه، وكذلك كان الحسين أقرب منها من يزيد، ومادام الأمر مرده للدين، فهم، بجانب نسبهم، كانوا الأكثر تدينًا وورعا من غيرهم، كما أن السلطة قد انتزعت منهم، بعد إمساكهم لها فترة قصيرة، وهو ما جعل ملكهم، يظهر كسيناريو بديل للتاريخ الإسلامي، فكان جذابا لكل مسلم يضيق بما يراه فسادا للخلافة وانحرافا لها، أن يحاول استعادة ذلك التاريخ البديل، وبهذا لبى "المذهب الشيعي" الطلب الإسلامي المتعاظم لفكرة عن السلطة أكثر عدالة وأكثر قربا للمنطق الديني من السلاطين المتغلبين.

ثار العلويون المرة تلو الأخرى، في عهد الأمويين، دون نجاح، ثم تحالفوا مع العباسيين الذين انفردوا بالحكم دونهم بعد نجاح ثورتهم، فثاروا عليهم مرة أخرى، فلم يكن سلوك العباسيين معهم أقل عنفًا من سلوك الأمويين، لكن ما انقطعت العائلة المقدسة عن الاستمرار في قيادتها للثورات، أو على الأقل في الحفاظ على مكانتها كحل مثالي لمشكلة السلطة. فقد كان سهلا على كل ثائر علوي أن يدعي أحقيته للخلافة فيتحمس له الناس بسرعة، لنسبه للرسول ولجاذبية التاريخ البديل لولاية علي، التي ظلت تظهر كإمكانية مجهضة للحكم العادل كلما ازداد بطش الخلفاء، فيتجمع الناس حوله، دون أن يكونوا بالضرورة مؤمنين بما سيصبح بمرور التاريخ، المذهب الشيعي، أي دون أن يكونوا سوى مسلمين ثائرين.

في غياب أي تنظيم ديني للسلطة، وتحويلها لملك وراثي، يدعي في الوقت ذاته، حيازته للمنصب الديني كخليفة للرسول، كانت الدعوى العلوية بإعادة المنصب لورثة الرسول الأصليين، منطقية جدا، ولا عجب أن هذا المنطق البسيط، بجوار ما عرف عن أحفاد علي من إقدام وورع ديني، رغم ما تعرضوا له من اضطهاد ومذابح، كان ناجحًا على الداوم في حشد الناس وراء الثائرين العلويين، وكافيا لأن تصبح الحركات العلوية، على تعددها واختلافاتها، الحركة الإسلامية الأنجح في تنظيم أتباعها وفي الغلو الناجح في السرية والتفاني حتى النهاية في ثوراتهم.

تكونت أفكار الإمامة الشيعية، كما هي الآن، بالوقت، وبالتراكم، ومع التحول التدريجي للشيعة على وقع الاضطهاد من مزاج شعبي إلى شبه تنظيمات بدائية

تكونت أفكار الإمامة الشيعية، بالوقت، وبالتراكم، ومع التحول التدريجي للشيعة، على وقع الاضطهاد، من مزاج شعبي إلى شبه تنظيمات بدائية، دون أن تكون فكرة الإمامة هذه واضحة من البداية، ولم تكتمل تماما، إلا بعد انقطاع الأئمة بعد وفاة الإمام الحادي عشر، الحسن العسكري، دون أن يخلفه أحد، وهو ما أنتج فكرة الإمام الغائب، أي وجود ابن للحسن العسكري لم يعلن عنه الحسن خشية أن يقوم أعداء العلويين بقتله، ومع فكرة الإمام المختفي ولدت فكرة نوابه، في ما سمي بالغيبة الصغرى، حيث تم افتراض أن نوابًا يتواصلون مع هذا الغائب، قبل أن تنقطع النيابة بدورها، بعدم نص آخر نائب ادعى لقاءه بالإمام على نائب آخر بعده، لتبدأ الغيبة الكبرى، ولتصبح الكتلة الأكبر للشيعة، الذين أصبحوا للتو إثني عشرية، مفتقدة لأي نظرية عن كيفية استلام السلطة، قبل عودة الإمام الغائب، الذي كان في اللحظة الأولى لافتراض وجوده، مجرد ثائر علوي مختفي ينتظر لحظة الانقضاض على السلطة، قبل أن يتحول، بعد طول أمد غيبته، إلى المسيح المنتظر، الذي سيأتي في نهاية الزمان لينهي التاريخ ويقيم الحكم الإلهي.

بالتأكيد، عرف التاريخ الإسلامي، العديد من السلطات الشيعية، لكن تلك التي كانت قريبة من الاثني عشرية لم تدع حوزتها السلطة الدينية للإمامة، أو حتى النيابة عنها كما سيتم اختراع نظرية ولاية الفقيه بعد ذلك بقرون، لكن فروع أخرى من الشيعة، انتسبوا لسلاسل مختلفة للإمامة غير الاثني عشرية، فعلت ذلك، مثل السلالة الإسماعيلية التي خرجت منها الدولة الفاطمية لأن الإمامة ظلت مستمرة فيهم لوقت أبعد من الكتلة الأكبر من الشيعة التي اكتفت بالأئمة الاثني عشر.

ولعل قيام المذهبين الشيعيين الأكبر، على افتراض حوادث تبدو صعبة الإثبات، سواء الاثنا عشرية الذين افترضوا وجود إمام مختفٍ لم يظهر أبدًا حتى في حياة والده المفترض وهو الإمام الحادي العشر الحسن العسكري، وبررو ذلك بخوف الحسن على ابنه من الاغتيال، أو الإسماعيلية الذين افترضوا أن الإمام الشيعي السادس وهو جعفر الصادق قد أقام جنازة وهمية لابنه اسماعيل، للابتعاد عن أعين أعدائهم، والذي اعتبروه خليفة والده الحقيقي، مخالفين بذلك الكتلة الأكبر من الشيعة التي اعترفت بموسى الكاظم كإمام سابع، تثبت هذه الافتراضات نفسها، وقدرتها على الانتشار في أوساط أنصار العلويين، مدى القمع الذي تعرضت له الحركة العلوية، بالشكل الذي جعل أتباعها قابلين لتصديق افتراضات بعيدة، كما يشير هذا القمع، لمدى التهديد الشرعي الذي مثلته الحركة لخلفاء، لم يمتلكوا شرعية قادرة على منافسة شرعية العلويين، ولم يروا حلا لها إلا بممارسة أقصى حد للعنف كانوا قادرين عليه ضد هذه الحركة.

بغيبة الإمام الثاني عشر، وخفوت الحركة الإسماعيلية وتحولها لحركة هامشية داخل العلويين، بسقوط الدولة الفاطمية التي ادعى سلاطينها نسبتهم لإسماعيل بن جعفر الصادق، كان الخروج العلوي العارم، قد انتهى إلى نفس المأزق الذي بدأ منه السنة، وهو كيفية تنظيم السلطة، بشكل يستبطن شرعية دينية كاملة، لكن على أساس انقطاع الوحي الإلهي، في الحقيقة كان مأزق العلويين أكثر تجذرًا من المأزق السني المتصالح من البداية مع فكرة الانقطاع، عكس المنطق الشيعي الذي كانت فكرة الإمامة واتصالها واستمرار الوحي بشكل أو آخر، هي العقيدة المميزة لهم عن بقية المسلمين، بل حتى كان المأزق أكثر صعوبة، لأن الإمام لم يمت، بل غاب لانتظار اللحظة المناسبة للثورة، وأخذ شيعة عقودا طويلة افترضوا فيها أن نوابا يلتقون بهذا الإمام، قبل أن يستسلموا ويعلنوا الغيبة الكبرى.

 يشير القمع الذي تعرضت له الحركة العلوية، لمدى التهديد الشرعي الذي مثلته لخلفاء، لم يمتلكوا شرعية قادرة على منافسة شرعيتهم

ومادام الإمام قد غاب، فقد رأت الكتلة الكبرى لهم ألا أهمية لذلك لمبحث السلطة كله، إذ إن ذلك يعد افتئاتًا على الإمام، إذ إن بغيبته، تغيب الضرورة لإقامة السلطة، التي كانت غيبته تحضيرًا للانقضاض عليها، وإن كان ذلك لم يمنع بالطبع من قيام دول شيعية ومحاولتها لكسب الشرعية عبر "تعيين" نواب للإمام الغائب، لكن ظلت تلك المحاولات أقل صلابة من أن تصلح لإقامة فكر سياسي متماسك للشيعة، الذين كانوا في انتظار الحداثة، لتحل لهم هذا المأزق.

جدير بالذكر، أن السنة أيضًا كانت عندهم عائلة مقدسة أكبر، وهي قريش كاملة، التي حصر عموم فقهائهم الإمامة فيها، وجعلوا القرشية شرطًا أصيلًا من شروطها، مستندين لماحججة أبي بكر الأنصار في السقيفة أن "ولاة هذا الأمر من قريش"، ودون أن ينتبهوا إلى أن قريش، نفسها، كانت تختفي الوجود، وتصير، مثلما سيصير النسب لآل البيت لكن بعد وقت أطول، مجرد سلسلة طويلة من الأنساب، تجمع شعوبًا من البشر لا يربط بينهم أي شيء، وعلى العموم لم يعق شرط القرشية، في أي وقت من الأوقات، أي والٍ من الانفراد بدولته أو حتى من التطلع للسلطة الكبرى، ولم يكن له أي أثر في تنظيم صراعات السلطة، خصوصًا أنه لو فعل لكان في حكم الملك المتغلب والذي كان المذهب كله متفقًا على طاعته.

المماليك/ العسكر

لم تكن شرعية الخلافة العباسية منطقية تمامًا، ولذلك ورغم طول عهد دولتهم، فلم يؤسَس بناء على ذلك أي شرعية دينية خاصة لتلك السلالة، وهي شرعية كان لينالها بسهولة أكبر أبناء عمومتهم من العلويين، كانت إمبراطوريتهم في جوهرها مبنية على التغلب الخالص، مادام لا فرق كبير بينهم وبين أسلافهم الأمويين، ولذلك سرعان ما فطن العباسيون إلى ضرورة إبعاد العرب عن الاقتراب من سلطتهم، وبدؤوا في الاعتماد في تسيير أمورهم على وزراء من الفرس، الذين أتى العباسيون من البداية على ظهورهم، أو الترك فيما بعد، آملين أن عدم عربية الفرس والأتراك، وبالتالي عدم قرشيتهم والتي كانت أحد شروط الخلافة بحسب الإسلام السني، ستجبر الأخيرين على الولاء التام للعباسيين.

وهو ما لم يحدث بالطبع، ولعل واقعة البرامكة، وزراء هارون الرشيد، خامس الخلفاء العباسيين، الذي اضطر بعد فترة من الحكم المعتمد عليهم بالقضاء عليهم جميعا، خشية أن ينفردوا بالحكم دونه، وذلك كله في أوج الدولة العباسية وزهوتها، يدل على تغلغل المكونات الفارسية، التي ظنها العباسيون ستبعدهم عن أي فتن داخلية، فجاءت الفتن كلها منها، كان الفرس والأتراك، غير عابئين بالفتنة الكبرى وآثارها، وبالتالي لم يكونوا ذوي اهتمام أصلي بالخلافة كمؤسسة، ولعل ذلك ما جعل دولهم المتتالية تتمكن من الصمود دون حاجة كبيرة إلى أي تبريرات دينية.

لقد وجد زعماء الطوائف غير العربية التي استعان بها العباسيون أنفسهم يتزعمون الجيوش ويقودون الحروب ويديرون الدولة، وبالتالي أحق باختيار الخلفاء الذين يوافقونهم، ولم يمض وقت طويل على الدولة العباسية حتى صارت قوتهم في الدولة تعادل قوة الخلفاء أو تفوقها، وهوما توازى مع طموح من ولاة الأمصار للاستفراد بحكم ولاياتهم مثلما فعل الطولونيون بمصر، لقد كانت الدولة العباسية، المفتقدة للشرعية الصلبة، تتحول بالوقت لدولة عسكرية، أي يتحكم به عسكرها، دون أن يقدر الخلفاء، ممتلكو الشرعية النظرية، لكن المشكوك فيها من قبل الكثيرين، على ردعهم.

ووجدت تلك الحقيقة، تجليها الأكبر، في حكم المماليك، الذين هم الامتداد النهائي للطوائف العسكرية تلك، أطفال يتم جلبهم كعبيد من بلدان بعيدة، ويتم تنشئتهم ليكونوا صالحين فيما بعد لتصدر الأمور العامة، بشكل يحفظ ولاءهم لمن جلبهم كعبيد ودربهم، وهو يظن أنهم، لأصولهم المملوكية تلك، لن يجدوا فرصة للوثوب على العرش بأنفسهم، لقد كان الحكام المسلمون يجلبون شعوبهم التي تصلح لحكمهم، وهي هؤلاء المماليك أنفسهم، ولكن هذه الشعوب/المماليك التي صنعوها على أعينهم، تحينت اللحظة المناسبة من التاريخ، ليقفزوا إلى السلطة.

سقطت الخلافة العباسية في بغداد على يد الهجوم المغولي، في الوقت الذي كان المماليك في مصر، قد تغلبوا لتوهم على الحملة الصليبية التي حاولت احتلال مصر، في معركة المنصورة الشهيرة، وذلك في ظل وفاة الملك الصالح أيوب قبيل المعركة، وإشراف زوجته شجرة الدر على الحكم، قبل أن يعود ابنه توران شاه من العراق، ويحاول الإمساك بالأمور، فتتآمر شجرة الدر مع زعماء المماليك عليه، فيتم اغتياله، وتتزوج هي أحد قادة المماليك "عز الدين أيبك" لتحكم من خلاله، فيحاول هو الآخر الإمساك بالأمور فتتآمر لاغتياله، فيغتالها أنصاره من المماليك بدورهم، ليصبح ابن عز الدين أيبك، سلطانا في الوقت الذي يكون المغول على حدود البلاد، فيتولى قطز السلطنة، ليدشن الدولة المملوكية، قبل أن يقتله بيبرس بدوره، لينتقم من قتل معلم الأول "أيبك" لمعلم الثاني "أقطاي"، ومن ثم يجلب بيبرس أحد فلول العباسيين ويدشنه كخليفة شكلي، مع بقاء السلطة والحكم في يد المماليك، ليبدأ عصر الخلافة الواهية، الشكلية جدا، والتي لا تتعدى سلطتها، إسباغ الشرعية الدينية على حكم المماليك.

بالتأكيد، لم يدم الأمر للمماليك بالتغلب الخالص، فقد كانوا يقومون بالفعل بمهام الخلافة كما تخيلها المسلمون، فقد خاضوا الحروب المتتالية ضد المغول والصليبيين، وأحرزوا في بداياتهم انتصارات كبيرة كانت قادرة على ترسيخ شرعيتهم عند الناس، كما أن احتفاظهم بأشباح شرعية الخلافة العباسية، وفرت عليهم أي مجهود نظري للتنظير لشرعيتهم الجديدة.

أفول نجم العرب

كان المماليك أيضا تجليًا لحقيقة جوهرية أخرى: نهاية السيادة العربية على الدولة الإسلامية، فمنذ وفاة النبي، ظلت الشرعية الدينية للخلافة، في الجزء الأكبر من بلاد المسلمين، خاضعة للحكام العرب، من الخلفاء الراشدين وحتى آخر خليفة عباسي، وإن مرت الدولة العباسية كما أسلفنا بمراحل طويلة، تغلبت فيها عناصر فارسية وتركية مسلمة على الخلفاء وكانوا أكثر سطوة منهم، كما تغلبت سلطنات إسلامية فارسية مثل البويهيين أو سلطنات تركية مثل السلاجقة على بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، نفسها، واحتضنتها بصفتها سلطنة أكثر فتوة وأقدر على الحكم من الخلافة، التي بقيت في ظل كلتا السلطنتين مجرد شبح لما كانت عليه في أيام عزها، لكن كل هذه المحاولات كانت تدين، في النهاية، للخلفاء العباسيين العرب، الذين كانو يستطيعون من حين لآخر استعادة هيبتهم ضد السلطنات الأخرى، وكان سقوط الخلافة في بغداد، هو سقوط لزمن سيطرة العرب على دولة الإسلام، وإن ظلت الخلافة موجودة شكليًا في شكل خلفاء صوريين يستعين بهم المماليك لاكتساب الشرعية.

لم يكن المماليك مجرد حكام متغلبين آخرين، بل حكام متغلبين غير ذوي علاقة أصيلة بالشعوب التي وقعت تحت حكمهم، ومجتمعات مصطنعة ومفتعلة ومنغلقة على نفسها، تحكم شعوبًا لا تنتمي إليها، ولا يربطها بهم إلا عروسة ماريونت عباسية لا تقدم ولا تؤخر.

لكن رغم ذلك، ظل العرب محتفظين بمركزية بلادهم من الدولة الإسلامية، وبالتالي ربما نالت مدنًا مثل القاهرة جانبًا من الحب، في ظل الدولة المملوكية، وإذا لم تنهر مراكز العرب سريعًا، وإن كانت هذه المركزية سيتم سحبهم منها بعد قليل.

الخلافة كسؤال هامشي

في جانب آخر، وفي وقت قريب من سقوط الدولة العباسية، وموازي لبداية سلطة المماليك في مصر، كانت تنشأ إمارة للترك في الأناضول، تحت ظل الدولة السلجوقية، وبعد سقوط الأخيرة مع الخلافة نفسها، استقل عثمان بن أرطغرل بإمارته، وأخذ في توسعة ما سيصبح في التاريخ الإمبراطورية العثمانية، وتميزت الإمارة ثم السلطنة ثم الخلافة العثمانية، بأنها وجدت نفسها من البداية على خط التماس مع أوروبا وفي حروب دائمة معها، في البدايات للتوسع والغزو، وفي النهايات لحفظ حدودها، وأثبت السلاطين العثمانيون الأوائل مقدرة عسكرية فائقة على التوغل في قلب أوروبا وانتزاع مساحات كانت على الداوم جزءًا أصيلا من الإمبراطورية البيزنطية، ليتوجوا ذلك بفتح القسطنطينية نفسها، وذلك كله وهم مازالوا سلاطين لا خلفاء، ودون أن يخوضوا جدالات كبرى حول الخلافة ومن أحق بها، لقد كانوا ينشئون إمبراطورية إسلامية كبرى لكن غير عابئة بسؤال الخلافة كسؤال مؤسس للدولة.

وظلت السلطنة العثمانية غير مبالية بسؤال الخلافة، وإن كانت محتفظة بعلاقة ودية مع دولة المماليك، لكن علاقة الند للند، قبل أن تقرر أخيرًا الاستيلاء على تلك الأخيرة التي لم تعد بنفس قوتها القديمة، ومع تغلب قوات سليم الأول على جيش المماليك بقيادة قنصوه الغوري، آخر سلاطين المماليك، واستيلائهم على مصر، وإجبار الخليفة العباسي على التنازل للسلطان العثماني عن الخلافة، يكون العثمانيون قد جذروا أكثر هامشية العرب في الدولة الإسلامية، فلم يعد الأمر أن العرب يُحكمون من عسكر غير عربي، لكن أيضا ومنذ هذه اللحظة، ستكون دولهم نفسها دول أطراف بالنسبة للدولة الإسلامية، بعد أن كانت مركزها.

ومثل العباسيين والدول التابعة لهم، لم يطل الأمر بالعثمانيين قبل أن ينشئوا هم أيضا مماليكهم "الانكشارية"، وهم أطفال كانوا يجلبون كعبيد ثم يتم تعليمهم وتدريبهم وتسكينهم في معسكرات خاصة، والاستعانة بهم في الحروب وإدارة الدولة، ليتحكموا هم أيضًا في أوقات طويلة بمصائر السلاطين والخلفاء ويرسموا في أحيان كثيرة سياسات الدولة.

لقد كانت الدولة العثمانية، دولة إسلامية قلبًا وقالبًا، أي تجد في الإسلام هويتها الأصلية، لكنها أيضًا الدولة الأولى التي تجيء متجاوزة عن أي نزاعات شرعية في التاريخ الإسلامي، وغير مستندة إلى أي تاريخ بديل عن الخلافة الإسلامية الأولى، مجرد سلطنة تستولي على الخلافة، كلقب جانبي لم يغير كثيرًا في طبيعتها.

لم تعق وحدة السلطة الدينية والدنيوية في "الخلافة"، المسلمين من الوصول لنظرية لتنظيم السلطة فقط، بل ساهمت في الحد من سلطة الدين نفسه

الكنيسة الغائبة

لم تعق الوحدة النظرية للسلطة الدينية والدنيوية في الإسلام، المسلمين من الوصول لنظرية لتنظيم السلطة فقط، بل كذلك ساهمت، وعكس المتوقع، في الحد من سلطة الدين نفسه.

على المستوى الفقهي، كان الخليفة، هو حامل راية دولة الرسول، وأيضًا حامل راية الرسول نفسه، وبالتالي كانت مرتبته الدينية أعلى من أي مرتبة أخرى يمكن لفقيه ديني أن يحوزها، وظل ذلك الازدواج سلاحًا في يد الخلفاء السلاطين للتملص من أي دعاوى من جانب الفقهاء لإلزام الخلفاء بأي فتاوى محددة، كما ساهم ذلك الازدواج في تضعيف المذاهب الثورية في الإسلام، لصالح تلك المذاهب التي جعلت من التنظير لطاعة الحاكم مهمتها الأولى، باعتبار الحاكم، أي حاكم، هو من أولي الأمر الذي أمر الله المؤمنين بطاعتهم.

عطلت حوزة الخلفاء للسلطتين الدينية والدنيوية، الفقهاء من تنظيم أنفسهم لخلق سلطة منفصلة لهم، وبالتالي ظلوا عرضة لأذى السلاطين دون أن يكونوا قادرين على إبداء مقاومة ذات أثر، وهو ما ساهم بدوره في عدم تشكل سلطة دينية في الإسلام بالصورة التي عرفتها أوروبا، لأن السلطة الدينية هذه كانت في حوزة سلاطين الدنيا، المولعين بالأساس بالحفاظ على سلطتهم وتوريثها، وبالتالي وجدوا، في غالبيتهم، أن تحجيم سلطة الفقهاء، بحصرها على المستوى الاجتماعي دون السياسي، هو السبيل الأيسر لعدم مساءلة شرعيتهم الدينية، التي كانت محل تساؤل من قبل فرق إسلامية كبيرة.

كانت دولة المسلمين هي كنيستهم في الوقت نفسه، على الأقل في وجهة نظر الكتلة الأكبر غير الراغبة في الثورة، والتي أصبحت فيما بعد مذهب أهل السنة والجماعة، ولكن هذه الدولة/الكنيسة، لم تكن منظمة من أعلى بأي شكل ديني، وافتقدت لأي قدرة على التنظير لأسلوب انتقال للسلطة من حاكم إلى آخر، بأي معيار غير الوراثة، ولذا يمكن القول أن الإمبراطورية التي احتوت الدولة والكنيسة، في شرعيتها، دائمًا ما تغلب مكونها الدولتي على المكون الديني في تنظيم السلطة، ودائما ما رأى الفقهاء أنفسهم كأسفل هرم الدولة/الدين، التي يتربع الحاكم المتغلب عليه، محتكرًا شرعية السلطتين معًا، وإذن لم يستطيعوا هم تشكيل هرمهم الخاص ليتربعوا هم على قمته.

لكن كان لذلك الازدواج أثرًا آخرًا جوهريًا على الدين السني، فغلبة المكون الدولتي داخل الإمبراطورية، تزامن مع تسليم الخلفاء بالدين المكتمل الموجود، دون أي محاولة للعب دور خلافة النبي بشكل حقيقي، واكتفوا من تلك الخلافة، فقط بطلب طاعتهم، مع ثبات الدين كما هو، ويمكن القول أن أسس الدين السني ورؤيته للعالم والتاريخ، قد اكتملت مع استلام معاوية للسلطة، دون أي تغيير جوهري بعد ذلك.

يمكن فهم ذلك الأثر أكثر، بالنظر إلى طوائف الشيعة، التي اعتقدت أن الإمامة مازالت مستمرة، وبالتالي كانت عقيدتها نفسها لا تزال في إطار التشكل، وكانت الصراعات مؤثرة بشكل دائم في هويتها، وكان كل انشقاق أو تنازع للسلطة داخل ورثاء الإمامة، يفضي إلى تغيير عقيدي جديد، مثل التنازع بين من ورث إمامة جعفر الصادق، إسماعيل(الإسماعيلية) أم موسى الكاظم (الاثنى عشرية)، أو مثلما سيتفرق الإسماعيلية أنفسهم بعد ذلك في دولتهم الفاطمية (التي يمثل خلفاءها وارثين أصلاء للإمامة في نظر الإسماعيلية) حين سيتنازع السلطة، بعد وفاة المستنصر بالله، ابناه "نزار" و"المستعلي بالله"، فيخلق كل منهما فرقة دينية منشقة باسمه "النزارية" و"المستعلية"، والمستعلية بدورهم سيقوم خلاف في السلطة بين أحفاد المستعلي، الطيب أبي القاسم والحافظ لدين الله، فتخرج فرقتان جديدتان "الطيبية" وهي التي ستنهزم في الصراع لتدخل في تفريعات دينية أخرى، و"الحافظية" التي ستنتصر في السلطة، لتنتهي بدورها مع انهيار الدولة الفاطمية نفسها.

كما يمكن النظر أيضًا لهذا الأثر، بتتبع قدرة الطائفتين الشيعيتين على صنع مركزية دينية، فبينما ظل السنة عاجزين عن صناعة مرجعية دينية واضحة ذات سلطة على أنصارها، تمكن الشيعة من اختراع فكرة المرجعيات الدينية، التي بنوها على أساس أن المرجعية الدينية تقوم بمهام الإمام الغائب الدينية، بينما كان الإمام عند السنة هو سلطان الدولة لا رجل الدين.

الفقه والإمكانية

وبشكل عام يمكن القول إن النظرة السنية، التي حاولت بكل قوتها منح نظام السلطنة الوراثية، الشرعية، ظلت مخترقة باعتراضات الفرقتين الكبيرتين الأخريين، الشيعة والخوارج، ويمكن النظر لانتشار حديث الرسول "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم تكون ملكا عاضا، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة"، بكونها علامة على اعتقاد عامة السنة، الذين شرعنوا السلطنة الوراثية والمتغلبة، بأن تلك السلطنة نفسها، عبارة عن انحراف عن النهج القويم الذي كان يجب أن يكون، وإن كان يخفف من وطأته كونه انحرافًا قدريًا لم يكن ممكنًا الوقوف في وجهه، وأيضًا، تبنت النظرة السنية للتاريخ الإسلامي الأول، السردية العلوية لحقهم في الخلافة، بعد تخفيف وطأتها، وبعد أن لم يعد ذلك الحق العلوي، بعد هزيمة ثوراتهم، يمكن أن ينبني عليه شيء ما، كما يدعم التبني السني للحق العلوي الأول، فرضية أن التشيع لآل البيت، ظل مهيمنا على المزاج العام للمسلمين، بالشكل الذي جعلهم مصدر تهديد دائم للسلطة الموجودة، المفتقدة لأي شرعية خاصة غير التغلب، ما جعل اختيارها على الدوام تحطيم الحركة العلوية، لمنعها من الثورة، عملية التحطيم التي أنتجت المزاج العلوي الملتجئ للخيال والمحتمي بالأسطورة، والذي سيجعل من نفسه مذهبًا كاملًا مبنيًا على هذا التشيع فحسب.

وفي القلب من حركة التحطيم هذه، كانت الكتلة الأكبر من المسلمين، التي سيتم تعريفها بأهل السنة، تحاول إيجاد صيغ فقهية لإعطاء الحكم المتغلب، صفة شرعية، تحجم الخروج عليه، وما سينتج عنه من مآسي من جهة، ومن جهة أخرى كانت عملية الشرعنة هذه، تجهض أي احتماليات لخروج فقه سياسي سني، وأي احتمال لتكون تنظيمات سياسية سنية، لأن بداية أي تنظيم يطالب بالسلطة أن يسحب الشرعية من تلك الموجودة بالفعل.

وبالتالي ظل الفقه السياسي السني، تابعًا لحركة التطور السياسي للدول الإسلامية، وناتجًا من منتجاتها، أكثر بكثير من قدرته على التأثير في تكوينها، فعلى الدوام، يكون التنظير تابعا لإمكانية ما، يحاول تحقيقها، وليس خلقها ابتداءً، وإن لم يكن بالضرورة أن تتحقق تلك الإمكانية.

تاريخًا، وعدا فترة التأسيس المبكرة جدًا، لم تتمتع أي إمبراطورية إسلامية بسيطرة كاملة على "بلاد المسلمين"

كان الفقه السني يطارد شبحا غير ممكن الوصول إليه، التنظير لانتقال الحكم، بشكل لا يعتمد على القوة الخالصة، في وقت لم يكن ممكنا إلا للوراثة والتغلب تنظيم تداول السلطة، وعليه فقد وجد نفسه، يدين التاريخ، باعتباره تحولا سيئًا، وتدرجًا تنازليًا، دون أن ينجح، ولو في رسم شبح التاريخ البديل الذي كان يفترض أن يكون مثلما فعل العلويون؟

ولعله من المفيد، ملاحظة أن الإسلام السني، يتعرف على نفسه في صورة خيار فقهي، ولذلك ينقسم إلى مذاهب فقهية، بينما يتعرف الإسلام الشيعي على نفسه في صورة خيار سلطوي، أي مشغول بسؤال سلطة، يراه عقديًا، وينقسم تبعا له إلى مذاهب سلطوية أخرى.

على العكس من ذلك، ولد الفقه السياسي الشيعي الإمامي تبعا لإمكانية أن تنجح ثورات العلويين، ونتيجة لهذه الثورات في الوقت نفسه، وإذًا امتلك هذا الفقه، لفترة من الزمن، تاريخه البديل، والممكن السعي إليه، لكن، وبعد زوال عصر الأئمة، وجد نفسه حائرا وغير قادر على الإجابة على سؤال الحكم، ومتجمدًا في ثليج الغيبة الكبرى، الغيبة التي لن يخرجه منها خروج الإمام المنتظر، بل قدوم الحداثة.

وفي العموم، يمكن القول إن الفقه السياسي الإسلامي، السني في عمومه، والشيعي بعد الغيبة الكبرى، لم يكن يستطيع النظر إلا للوراء، والتباكي على عوالم ممكنة لم تتمكن من الوجود، وسيكون أثر الحداثة الأكبر، أنها بطموحها الأساسي، ومركزية فكرة التقدم فيها، ستعكس النظرة هذه، إذ ستتوجه العيون مرة أخرى للأمام، وبدلا أن يرضى المسلمون بأنهم يعيشون فترات الملك العضوض، سيفكرون أنه قد جاء آن الأوان لتحقيق بقية الحديث، خلافة جديدة على منهاج النبوة.

تاريخ الانقطاعات

تاريخًا، وعدا فترة التأسيس المبكرة جدًا، لم تتمتع السلطات في الإمبراطورية الإسلامية بسيطرة كاملة على "بلاد المسلمين"، وغالبا ما تمردت دول الأطراف أو انفصل بها حكامها، مثلما فعل عبدالرحمن الداخل مبكرًا في الأندلس، قبل أن تتدهور الإمبراطورية أكثر، وينفرد حكام كل ولاية أو إقليم بسيطرة شبه تامة على ولايته كما فعل الطولونيون والإخشيديون والحمدانيون، وتسيطر عائلات من الفرس والترك استعان بها العباسيون بها هربا من العرب، على بغداد نفسها في أحيان كثيرة، كما تنقسم ولايات مثل الشام إلى إمارات صغيرة متحاربة، وتعلن خلافة إمامية في مصر، ليخلفها الأيوبيون ثم المماليك الذي سيحتضنوا خلافة شكلية ليسلموها بدورهم للعثمانيين الذين لم تمثل لهم الخلافة أكثر من لقب إضافي على دولتهم التي كانت في أوجها دون الحاجة للتفكير في الخلافة، وستواجه بدورها انشقاقات متتالية، وتضعف يدها القوية، بذلك، تكون الدولة الإسلامية تاريخيا عصية على الوحدة، والتاريخ الوحيد الذي يمكن أن يحفظ وحدة ما تظل ثابتة فيها، هو تأريخها بوصفها سلسلة من الانقطاعات.

ولعل التأريخ الأكثر شهرة، هو تأريخ الدولة الإسلامية، من مراكزها ، العراق والشام ومصر والحجاز، ثم الأناضول، لأن غير ذلك، لا يمكن الوقوف على سردية متواصلة الحضور، تقوم دولة عظيمة في الأندلس وتندثر، وتقوم دول في المغرب وتنهار، وتتوالى على الهند ممالك إسلامية دون علاقة قوية بالخلافة، ويختلط كل ذلك، بحدود الدولة العباسية، الأكثر مركزية، ويغيرها أحيانًا، وتساهم هي في تغييره أحيانًا، وتعاني هي نفسها، من ثورات متتالية، تنجح في أحيان كثيرة، في السيطرة على مناطق شديدة القرب من عاصمتها، لعقود طويلة، ويتزامن ذلك كلها، في بعض الأحيان، مع حملات صليبية واسعة على الشام ومصر، تنجح هي أيضا، في إقامة إمارات ممتدة زمنية، وتدخل في أثناء وجودها، في تحالفات معقدة مع الولايات التي حولها، وتناصر بعضها ضد البعض الآخر، قبل أن ينهي المغول كل ذلك، ليقوم المماليك الذي لم يسيطروا في سطوتهم على أكثر من نصف الدولة العباسية التاريخية، بينما تبقى الدول الأخرى تسير في سرديات موازية، لتتقابل إحداها، وهي الدولة العثمانية، مع المماليك، ثم تنفرد بالخلافة، وتقطع الخلافة العباسية بشكل نهائي، وإن لم يكن ذلك لمصلحة أي سردية دينية أخرى، مجرد حكم سلطاني آخر، غير مهتم بتبرير نفسه دينيًا، وإن كان استيعابه للعالم شديد الصلة للدين، ويمكن القول إن النظرة المركزية للخلافة، تظل نظرة عربية، محصورة في حواضر العرب الأساسية، والتي ينضم إليها أحيانا، الأندلس، كدولة عربية بعيدة، وقليلا ما تحاول هذه النظرة، التأمل في الصورة الكبرى لتحولات السلطة في الدول الإسلامية كلها، لأن ذلك يفتت أي وحدة للتاريخ الإسلامي، وبالتأكيد سيفتت النظرة السطحية للدولة الأموية ثم العباسية ثم المملوكية ثم العثمانية، كدول شديدة المركزية، تبسط سيطرتها على عموم المسلمين، وتلبي طلبات كل هذه الشعوب، وهو ما نادرًا ما حدث بالتأكيد.

كانت الإشارة لهذه الانقطاعات المتتالية، لغرض توضيح، ما سيأتي بعد ذلك، عن تفكير العرب والإسلاميين عن الانقطاع التاريخي الذي حدث للحضارة الإسلامية العربية، والاختلاف في تحديد الفترة، كما الحنين إلى تلك الإمبراطورية شديدة السطوة على كل بلاد المسلمين، ولعل الإمبراطورية تلك، لم تتحقق في تاريخ المسلمين، إلا في بداياتها الأولى، في عهد أبوبكر وعمر، ثم في أذهان الإسلاميين الحداثيين، الذي ظل تفكيرهم في دولة الخلافة، على أنها مثل الدول الحديثة، كلية السيطرة على سكانها ومناطقها، ولكن بحجم أكبر.

اقرأ/ي أيضًا: 

كيف تحاول السلطة المصرية ملء فراغ الإسلاميين؟

ماذا يعني انهيار جماعة الإخوان؟