الإسلام وجون سنو: أغنية من نار وفراشات

الإسلام وجون سنو: أغنية من نار وفراشات

game of thrones

(تنبيه هام: متابعو Game of Thrones الكرام، هذا المقال يحتوي حرقًا لبعض الأحداث القادمة)

بادئ ذي بدء، في المسلسل الأمريكي الشهير Game of Thrones يُقتل كل من إيدارد ستارك، روب ستارك، وجون سنو، إلى جانب شخصيات رئيسة كثيرة، ولكن يهمنا هنا هؤلاء الثلاثة، وبالذات جون سنو. يُعرَّف الانتخاب الطبيعي بأنه العملية التي تكون فيها الكائنات الحية الأكثر تكيّفًا مع البيئة التي تحيا فيها هي الأكثر قدرة من غيرها على البقاء والتكاثر، ويعتبر الانتخاب (الاصطفاء) الطبيعي حجر الأساس في نظرية التطور.

لا تستطيع التحدث عن مصطلح الإسلام بدون الوقوع في الاختزال والتنميط خاصة عندما تحاول أن تمسك به بيديك وتشير بأن هذا هو الإسلام الحق، لذلك مثلًا يفضل علماء الاجتماع مصطلح "المسلمون"؛ كي يبقوا على هذه الصورة البانورامية الكبيرة للمعتقدات والمذاهب الكثيرة التي يظلها هذه المصطلح، فلدينا سنة، شيعة، معتزلة، صوفية، إباضية.. إلخ، إلى جانب إسلام المراحل تاريخية المختلفة والثقافات المتعددة، وداخل كل إسلام يوجد إسلامات كثيرة -إن جاز التعبير-.

الآن سقوط أي مسلم في عبثية إلغاء أي نسخة من هذه النسخ يعني شيئًا واحدًا بالضرورة وهو إلغاء نسخته؛ فبعد وفاة النبي الكريم لا يوجد من هو مؤهل "إلاهيًا" لنفي أي نسخة أو إثباتها، بدون أن ننسى أن كل نسخة من هذه النسخ تستمد قوتها وفكرها من النصوص المقدسة، ففي نهاية الأمر لا يوجد فعليًا من يمثل الإسلام، ببساطة كل من يقول عن نفسه مسلم يمثل الإسلام، ومن يقول بأن نسخته هي وحدها الحق عليه أن يوفر لنا إثبات نبوة زائد معجزة زائد تفسير مقنع عن سبب تأخره، وذلك كله قبل يوم القيامة.

اقرأ/ي أيضًا: هل يصلي الدواعش؟

لدينا سنة، شيعة، معتزلة، صوفية، إباضية.. إلخ، إلى جانب إسلام المراحل التاريخية المختلفة والثقافات المتعددة، وداخل كل إسلام يوجد إسلامات كثيرة -إن جاز التعبير-

في بيئة ما يوجد لدينا فراشات حمراء وأخرى خضراء، العصافير تُفضل أكل الفراشات الحمراء، وبعد زمن بدأت أعداد الفراشات الحمراء في النقصان والخضراء في التزايد، وظلت الأوضاع على تلك الحالة إلى أن اختفت الفراشات الحمراء كليًا، الآن هذا مثال بسيط على الانتخاب الطبيعي.

دائمًا ما يتم الحديث عن الحرب على الإسلام، والحرب على "المارد" النائم في الشرق، كونه المنافس الأقوى للغرب وهكذا دواليك، الآن السؤال المهم، لماذا نسخة "داعش" أو السلفية أو الوهابية سمّوها ما شئتم، هي الأشرس في هذه الحرب؟ لماذا يقاتل السلفيون؟ الجواب البسيط هو أن داعش فراشة حمراء، بل هي أضعف الفراشات الحمراء، بمعنى هي النسخة الأضعف بين نسخ الإسلام المختلفة، فهي غريبة بشكل مرعب عن المحيط الدولي الحالي، داعش تحيا بعقلية القرن السابع في القرن الحادي وعشرين وتدفع الثمن، ففي عالم العقلانية والحجج المنطقية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والديمقراطية، والقوانين المدنية، والدولة العلمانية، تجد داعش نفسها غريبة كليًا عن هذا العالم، فتقوم بما هو متوقع؛ تقاتل لكي تبقى.

لقيَ التيار الصوفي في السنوات الماضية شيوعًا كبيرًا لدى شرائح واسعة من المثقفين والمفكرين والأدباء العرب، لماذا؟ الجواب هو أن كل دين ينازع يتمسك بصوفيته، فالصوفية نسخة إنسانية نورانية، وكانت هي النسخة التي رفعها الكثيرون في وجه من يتهم الإسلام بالوحشية والرجعية، سينمائيًا دائمًا ما تكون هناك شخصية ثانوية ما قد تظهر لبضع دقائق وتختفي وتعاني من نفس مشكلة البطل ولكن تتعامل معها بشكل مختلف تمامًا، وهنا تساعدنا النسخة الصوفية على رؤية النسخة السلفية بشكل أفضل وذلك بالمقابلة، فالصوفية فراشة حمراء ولكنها قوية.

الفتنة في لسان العرب: "الابتلاء والامتحان والاختبار، وأصلها مأخوذ من قولك فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد"، البقاء هنا كما في الانتخاب للأكثر تكيفًا، والعصافير/النار هي من ستتكفل بإنهاء النسخ الضعيفة.

اقرأ/ي أيضًا: البحث عن مارتن لوثر الإسلام

يدور في الوقت الحالي في فضاءات الفكر العربي الإسلامي نقاشات حادة حول هوية الإسلام، وربما يعتبر القرآنيون والمعتزلة الأشهر إلى جانب تيارات أخرى كثيرة عصية على التعريف؛ كونها خليطًا يشمل العديد من المذاهب والأفكار والتوجهات، لكن هؤلاء يشتركون في ثلاثة صفات ذهبية ستضمن لهم البقاء بل والقيادة وهي: الإنسانية، الكونية، والأصالة.

داعش فراشة حمراء، بل هي أضعف الفراشات الحمراء، بمعنى هي النسخة الأضعف بين نسخ الإسلام المختلفة، فهي غريبة بشكل مرعب

الآن فلنلضم الخيط، نحن نحيا في بيئة عالمية واسعة ونحمل فكرًا لا يتكيف معها، وندفع ثمنًا هائلًا لذلك، البعض يقاتل لكي يبقى، والبعض يحاول أن يتأقلم من خلال تطوير التركيب الجيني والخروج بتركيبة تضمن له البقاء، وذلك ما كان ليكون ممكنًا لو لم يكن هناك خطر يهدد وجودنا بشموليته.

هذه الفتنة تأخذ شكلًا تصاعديًا وستحاصر المزيد من الفراشات الحمراء إلى أن تفنيها، والوقت هنا عامل مهم. الآن من يحاولون التأقلم مع المحيط الحالي لن يكونوا بشكل من الأشكال فراشات خضراء، قد تصبغ نفسك بالأخضر لكن تحت هذه الصبغة ستبقى أحمرًا ينتظر لحظة الحقيقة، ولكن من يتطورون داخليًا سيمتلكون لونًا مميزًا خاصًا بهم وحدهم، وتركيبتهم الجينية ستكون أقوى من الفراشات الخضراء، فهم لن يتطوروا لكي يبقوا فقط، بل سيتطورا لكي يسودوا رغمًا عنهم، وذلك بفعل قوانين الانتخاب الطبيعي، ولنا في تطور الإنسان العاقل وسيادته خير مثال، ولكن هنا كما هناك حلقة مفقودة، يجب أن تكتمل.

عودة على بدء، ايدارد ستارك كان أمينًا في محيط من الخيانة، روب ستارك كان عاشقًا في محيط من الكراهية، جون سنو كان متسامحًا في محيط من الحقد، هنا نجد أيضًا الانتخاب الطبيعي، ولكن مقلوبًا عما أتحدث عنه. بعد أن يُقتل جون سنو، ومن ثم يعود للحياة، لم يعد كما كان بل عاد بشخصية جديدة وأصبح حاكمًا للشمال بأكمله. حاليًا نشهد نهاية الإسلام، عفوًا على الاختزال، أقصد نشهد نهاية نسخة من نسخ الإسلام الكثيرة، وولادة نُسخ جديدة، والبقاء سيكون للأكثر تكيفًا أيًا كان شكله وفكره.

اقرأ/ي أيضًا:

صراع العروش.. حين يضعك الإبداع في مأزق

5 مسلسلات مترجمة عليك متابعتها