البلاد شجرة تفاح كبيرة

البلاد شجرة تفاح كبيرة

عمل بعنوان داريا لـ ميريام سلامة/ سوريا

عن السرير المعدني الصغير الوحيد الذي يمرّ به كلّ أفراد العائلة، والحدّاد الوحيد في الحيّ أيضًا لتضميد زواياه وتلوينه بالأحمر عندما يكون المولود أنثى، وبالأزرق عندما يكون ذكرًا، وربّما بأيّ لون متوفر لا يهم.

العبارة المتداولة كموسيقى للتنويم هي: "لْووو لْو".

بكلّ ما أوتي من صراخٍ يمدّ أصابعه الطريّة على حواف السرير، كلاجئ سوريّ يحاول اجتياز "السور الهنغاري العظيم". يحبو نحو أيّ شيء يتحرك -كقطة البيت- نحو إبريق الشاي الساخن، المنفضة، المفاتيح، ويبتسم.

البناطيل التي لا تتجاوز الشبر الواحد، والمهترئة بفعل الزحف المبكر، البز الصناعي، التميمة المعلّقة على الكتف الأيمن ولا تصلها يده لانتزاعها، السيريلاك والرز واللبن، أسنانه اللبنيّة، وأخيرًا الكرسي الذي يتسلق أرجله وحين يقف مثل جنرال يسقط على مؤخرته ويبكي.
 
عن الكارة والاشتراكية وطابور المؤسسة الاستهلاكية (التموين) تتدافع النسوة، يشكلن طابورًا طويلًا، تحمل كل واحدة منهن على ظهرها طفلًا، وبيدها كيسًا من القماش ملفوفًا بعناية، وبداخله مقص، قسائم زهرية، وقلم أزرق. يقفن ساعات طويلة، وقبل أن ينتهي التوزيع بنصف ساعة، يتدافعن بقوة، ينشغلن عن أطفالهن في كارة الظهر، وعن صراخهم الأسطوري، لعلّ بصيص سكّر يلوّح في الأفق. 

الكارة هي خزان غسان كنفاني على الحدود، وتقول الرواية إنّني لم أصرخ، فقط تحركت بقوة بسبب عجزي عن الصراخ، مثل غريق سوري على شواطئ إيطاليا يحرك أطرافه بكل ما أوتي من أمل ويهبط.

جارتنا هي خفر السواحل، جارتنا التي كنت بين صدرها وظهر أمي، دفعت موج النسوة إلى الخلف وسحبتني، وظلّ كيس القماش عالقًا بين الجموع المتدافعة.

على الرصيف المقابل بين العربات، أمام محل لصيانة الدراجات الهوائية كان شاطئٌ، كنت ألفظ أنفاسي الأخيرة، في الوقت الذي بدأت أمّي برصف الشتائم خفية: السكر/ الرز/ التموين/ الاشتراكية/ والوطن... وأتبعتها بعبارة قالها فيما بعد والد محمد الدرّة: "مات العجي". لم أمت.

عن الأراجيح في دار المونة المليئة بكل شيء عدا المؤونة، حبلان مربوطان بعمود السقف، كيس خيش بالأسفل كمقعدٍ بين طرفي الحبل، وأغنيات كثيرة مرح وجوع ودوار. وحكايات في المساء، حكاياتٌ عن شجرة التفّاح الكبيرة في البلاد!

- بلادنا هذه؟
- نعم، بلادنا شجرة تفّاح كبيرة، ويحرسونها العسكر 
- ممّن يحرسونها؟
- منّا 

اقرأ/ي أيضًا:

من تحت الأنقاض

الحصان الذي لم يسر بصاحبه صوب الهاوية