الإطاحة بموراليس.. تحالف الجيش واليمين والـCIA ضد الاشتراكية في بوليفيا؟

الإطاحة بموراليس.. تحالف الجيش واليمين والـCIA ضد الاشتراكية في بوليفيا؟

كان موراليس أول رئيس لبوليفيا من السكان الأصليين (أ.ب)

إعداد: وائل قيس وسفيان البالي

تقدم الرئيس الاشتراكي إيفو موراليس، باستقالته، بعد احتجاجات شعبية اندلعت في بوليفيا قبل أقل من شهر، تخللتها أحداث عنف في العديد المدن البوليفية، وذلك بسبب نتائج انتخابات الرئاسة الأخيرة، التي أفضت إلى فوزه بولاية رابعة، متفوقًا على منافسه الرئيس الأسبق كارلوس ميسا بفارق 10% من الأصوات.

تقدم الرئيس البوليفي الاشتراكي، إيفو موراليس، باستقالته، بعد احتجاجات تخللتها أحداث عنف قيل إنها مدبرة من قبل الجيش وطبقة رأس المال

الرئيس البوليفي يستقيل من منصبه

أعلن موراليس، أول أمس الأحد، 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، في خطاب نقله التلفزيون البوليفي، أنه سيقدم استقالته للهيئة الشرعية، واصفًا الأحداث الأخيرة التي أجبرته على الاستقالة بأنها "انقلابًا مدنيًا"، قبل أن يضيف عبر حسابه الرسمي على تويتر، بأن الشرطة لديها أمر "غير قانوني" بالقبض عليه، وأن "جماعات عنيفة" هاجمت منزله، إلا أن قائد الشرطة نفى أن يكون هناك أوامر باعتقال موراليس.

اقرأ/ي أيضًا: دول الأمريكيتين تنتفض.. الاحتجاجات الشعبية تتوسع من تشيلي إلى هايتي

وكان لتوقف المحكمة الانتخابية العليا عن تحديث نتائج فرز أصوات الانتخابات الرئاسية، التي أجريت في 20 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لمدة 24 ساعة؛ أن ساهمت في تأجيج غضب المحتجين، خاصة أن إعلان النتائج جاء لصالح موراليس بنسبة 46.87 % من الأصوات مقابل 36.73% لمنافسه ميسا. فيما دعت منظمة الدول الأمريكية إلى إعادة العملية الانتخابية من البداية.

وقالت المنظمة في بيانها، إن "عمليات التلاعب التي تمت لأنظمة الكمبيوتر كانت على نطاق يتطلب تحقيقًا تفصيليًا من الدولة في بوليفيا، للوصول إلى أبعاده، وتحديد المسؤولين عن تلك القضية الخطرة". 

ووفقًا للدستور البوليفي فإن المرشح الرئاسي يمكنه الفوز من الدورة الأولى في حال حصل على نسبة أكثر من 50% من الأصوات، أو على 40% من الأصوات، على أن يكون الفارق بينه وبين أقرب منافسيه 10% على الأقل، وهو الأمر الذي حصل مع موراليس.

وإلى جانب موراليس، قدم استقالته كل من نائبه ألفارو جارسيا لينيرا، ورئيسة مجلس الشيوخ أدريانا سالفاتيرا، ونائبها الأول روبن ميديناسيلي، ورئيس مجلس النواب فيكتور بوردا، ورئيسة المحكمة الانتخابية العليا ماريا يوجينيا تشوك.

احتجاجات بوليفيا
كان مثيرًا للجدل انضمام الشرطة للاحتجاجات في بوليفيا!

 وبحسب الدستور البوليفي فإنه إذا قدم الرئيس ونائبه استقالتهم، فإن رئيس مجلس الشيوخ هو من يتولى إدارة شؤون البلاد. وفي موجة الاستقالات التي تشهدها بوليفيا حاليًا، فإن السياسية البوليفية المعارضة، جانين أغنيس، هي من ستتولى إدارة شؤون البلاد، لأنها في منصب النائبة الثانية لرئيس مجلس الشيوخ.

هل أطاح قائد الجيش بالزعيم الاشتراكي؟

توسعت رقعة الاحتجاجات التي اندلعت في مختلف المدن البوليفية لتشمل فئات عدّة من البوليفيين، انضم إليها لاحقًا أفراد من الشرطة شاركوا المحتجين في التظاهرات التي تخللها أعمال عنف. 

وقبل إعلان موراليس استقالته بيوم واحد، قالت وزارة الخارجية في بيانها إن جماعات مدنية راديكالية تقوم بتنفيذ "انقلاب"، مضيفةً أن بعض من أفراد الشرطة "تخلوا عن دورهم الدستوري في ضمان أمن المجتمع ومؤسسات الدولة"، في إشارة لمشاركتهم في الاحتجاجات الشعبية.

وجاءت استقالة موراليس بعد أن طالبه قائد الجيش وليامز كاليمان بتقديم استقالته لـ"يسمح باستعادة السلم واستمرار الاستقرار من أجل صالح بوليفيا". كما وجه كاليمان نداءً للبوليفيين المحتجين والقطاعات المحتشدة يطالبهم بـ"التخلي عن العنف والإخلال بالنظام". 

هذا وقد وجاء حديث كاليمان بعد أيام من توقيع 2933 ضابطًا من أفراد الجيش والقوات الجوية والبحرية على وثيقة طالبت بعدم تدخل القوات المسلحة البوليفية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وكان واضحًا منذ بداية الاحتجاجات نأي الجيش بنفسه عن تنفذ انقلاب أو المشاركة في قمع المحتجين بالشارع، إلا أن موقفه عرف تحولًا واضحًا ظهر في الرسالة التي وجهها كاليمان للرئيس الاشتراكي يطالبه فيها بالاستقالة، الأمر الذي دفع موراليس للاستقالة بالفعل، تحسبًا من تنفيذ الجيش انقلابًا عسكريًا. 

وفي وقت لاحق، أصدرت قيادة الجيش البوليفي، بيانًا بتنفيذ عمليات جوية وبرية من أجل "تحييد" ما وصفهم البيان بالجماعات المسلحة "الخارجة عن القانون".

وخلال الأيام الماضية، رافق الاحتجاجات موجات من العنف تعرض لها المسؤولين في حركة "من أجل الاشتراكية"، الحزب الحاكم في البلاد، ما حدث مع عمدة مدينة فينتو، باتريسيا آرس، التي اقتحم المحتجون مكتبها، وقاموا بسحلها في الشارع، ثم عمدوا إلى قص شعرها وتلطيخها باللون الأحمر. فيما تعرضت بعض مكاتب الحركة ومنازل مسؤولين في الحكومة للهجوم من قبل المحتجين.

كيف ردت الدول على تطور الأحداث في بوليفيا؟

تعد الولايات المتحدة الأمريكية من أوائل الدول التي دعمت بطريقة غير مباشرة، الاحتجاجات في بوليفيا، الأمر الذي انعكس في بيان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصف فيه استقالة موراليس بأنها "لحظة مهمة للديمقراطية"، وأن رحيله حافظ عليها، أي الديمقراطية، مشيدًا بموقف الجيش البوليفي، وقائلًا إن الأحداث الأخيرة في بوليفيا تبعث بإشارة "للأنظمة غير الشرعية في فنزويلا ونيكاراغوا بأن الديمقراطية وإرادة الشعب سوف تسودان دائمًا".

من جهته، تبنى الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، رواية المعارضة البوليفية التي تحدثت عن "عمليات تزوير" رافقت الانتخابات الرئاسية. وقال بولسونارو إن "مزاعم التزوير في الانتخابات أدت لاستقالة الرئيس إيفو موراليس"، مضيفًا أن "الدرس الذي نتعلمه هو الحاجة إلى نظام انتخابي شفاف". يُذكر أن بولسونارو هو أحد الرؤساء القلائل في القارة اللاتينية الذين تعتبر حكومتهم حليفًة أساسية لواشنطن فيها.

لكن موقف واشنطن الداعم لاستقالة موراليس تحت ضغط المحتجين، جاء مخالفًا لمعظم دول أمريكا اللاتينية أو حتى روسيا، التي قالت في بيان صادر عن وزارة خارجيتها، إنه "خلال الأزمة السياسية الداخلية في بوليفيا، جوبه استعداد الحكومة للبحث عن حلول بناءة على أساس الحوار، بتطور الأحداث وفق انقلاب مُعدّ له مسبقًا"، مضيفًة: "لم تسمح موجة العنف التي أطلقتها المعارضة باستكمال ولاية إيفو موراليس الرئيسية".

وإلى جانب موسكو أعلنت دول الأرجنيتن وفنزويلا وكوبا والمكسيك، رفضها لما وصفته بـ"الانقلاب" على نظام الرئيس موراليس. وقال الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز في سلسلة تغريدا،ت إن "انقلابًا نظم في بوليفيا بسبب احتجاجات عنيفة من جانب المدنيين، وإهمال قوات الشرطة وعدم استجابة الجيش"، منتقدًا الأحداث التي رافقت استقالة موراليس تحت وقع الاحتجاجات.

من جهته، قاد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، عبر حسابه بتويتر، حملًة لدعم نظيره البوليفي موراليس، مدينًا في أكثر من تغريدة "الانقلاب" الذي حصل في لاباز، قائلًا في واحدة من تغريداته، إنه "يجب على كافة الجماعات الاجتماعية والسياسية في جميع أنحاء العالم على الاحتجاج على تصرفات الجيش البوليفي"، وأن بلاده "ستحتج للدفاع عن حقوق السكان الأصليين، ضحايا العنصرية، في بوليفيا".

وكذلك الأمر مع الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل بيرموديز، الذي أعلن دعمه للرئيس البوليفي عبر حسابه الرسمي على تويتر، فغرد قائلًا: "اليمينيين في بوليفيا هاجموا الديمقراطية من خلال انقلاب عنيف وجبان"، متساءلًا في تغريدة أخرى عن هوية الأشخاص الذين "تأمروا على الحكومة البوليفية الوحيدة التي عملت لأجل الفقراء".

كما اتخذت الحكومة المكسيكية موقفًا حازمًا يدعم موراليس، فوصف وزير خارجيتها، مارسيلو إبرارد، ما حدث في لاباز بـ"الانقلاب"، موضحةً: "لأن الجيش طلب استقالة الرئيس، ويمثل ذلك انتهاكًا للنظام الدستوري للبلاد". 

وشدد وزير الخارجية المكسيكي على أن بلاده "لن تقبل حكومة ذات طابع عسكري" في بوليفيا، معلنًا استعداد مكسيكو منح حق اللجوء لموراليس. وبالفعل، كانت تقارير صحفية قد أفادت بأن 20 مسؤولًا حكوميًا كبيرًا، لجؤوا إلى سفارة المكسيك في لاباز، في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس موراليس، أمس الإثنين، مغادرة البلاد للجوء إلى المكسيك، مصرحًا بأن سيعود "بمزيد من القوة والطاقة".

ومن جهة أخرى، وفيما يبدو ردًا على انتقاد "الانقلاب" في فنزويلا، هاجم محتجون السفارة الفنزويلية في لاباز، بحسب ما أفاد السفير الفنزويلي كريسبيل غونزاليس، الذي نقلت وكالة الأنباء الفنزويلية على لسانه قوله: "نحن بخير لكنهم استولوا على السفارة ويستعدون لترتيب مذبحة لنا". فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن محتجين كتبوا شعارات وإشارات استفزازية على سور البعثة الدبلوماسية الكوبية.

هل حفر اليسار البوليفي قبره بيده؟

"هل أنتج اليسار البوليفي من حفر قبره؟" سؤال يطرحه تحقيق نشرته مجلة لوموند ديبلوماتيك الفرنسية، في عددها لشهر أيلول/سبتمبر الماضي، كاشفة اللثام عن مخلفات السياسات الاجتماعية لإدارة الرئيس موراليس وحركته "من أجل الاشتراكية".

وتتبع التحقيق خطوات خوان ودييغو، وهما مواطنين بوليفيين، ومالكين لمطعم للأكلات الشعبية بقلب مدينة لاباز، ليكشف بهما كمثالين، حال الطبقة الوسطى في البلاد، والتي لا يعود أمد وجودها لأكثر من 15 سنة مضت.

هذا الوجود كلّف موراليس، ومنذ أول اعتلائه كرسي الرئاسة، الدخول في مواجهة مباشرة مع الأوليغارشية التي تمتلك في يدها مقاليد الإنتاج، والهدف واحد هو: إعادة توزيع الثروة ودعم الإنتاج المحلي.

وبمجموع سياسات عامة تدعم المنتوج المحلي وتحمي المنتج الوطني الصغير من مضاربات السوق وتثمن عمله وتركز استثمارها على المرافق العمومية والخدمات المجانية وتمتع صغار العمال في المقاولات، التي تقل عائداتها الشهرية عن ألفي يورو براتب شهر 13 مضاعف كعلاوة؛ استطاعت بوليفيا أن تحقق منحى متصاعد في تطور الناتج المحلي، إضافة إلى تحقيق سلم اجتماعي، وتخفيف التناقضات الطبقية، أو تركيز هذا التناقض بين طبقتين محددتين: الطبقة المتوسطة من جانب، والأوليغارشية المالكة من جانب آخر.

وعلى الجانب الآخر، تشكلت المعارضة من وبدعم كبار الملاك. ومنذ أول تنصيب لموراليس، واجه انقلاب سانتا كروز العسكري، الذي وقف وراءه هؤلاء، بدعم من السفارة الأمريكية.

غير أن التحول الاجتماعي الذي حصل في بوليفيا، أحدث، كما يشير التحقيق، تحولًا آخرًا على مستوى الخيارات السياسية للمجتمع، والتي لم تعد توافق تلك التي تقرها الحكومة. بمعنى أن جزء من الطبقة المتوسطة غدى أكثر استهلاكية من جهة، ومن أخرى ذو طموحات استثمارية تجد معبر لها في "السوق الحرة"، وعليه، مثّل هذا الجزء قاعدة المعارضة اليمينية، وداعمًا لها في مشروع الإطاحة موراليس.

"ظلت غرفة عمليات السفارة الأمريكية بالعاصمة لاباز، توضح حقيقة عملها على خطتين: الأولى هي الانقلاب العسكري، والثانية هي اغتيال موراليس"، يؤكد كل من عالم اللسانيات نعوم تشومسكي، والمؤرخ فيجاي بارشا، وذلك في بيانهما على موقع "Peoples Dispatch". 

وقال تشومسكي وبارشا إن الإطاحة بموراليس لم تكن بإرادة داخلية فحسب، بل بتحالف إدارة الولايات المتحدة مع اليمين "الذي أغضبه اندحار أحزابه، الرابع على التوالي، أمام إرادة الشعب الذي اختارت الحركة من أجل الاشتراكية".

في نفس الوقت، تنحت قوات الجيش والشرطة جانبًا، مفسحة المجال أمام ما أسماها البيان "المليشيات الفاشية" لمهاجمة القصر الرئاسي في لاباز. واختتم تشومسكي وبارشا بيانهما، بالإعراب عن تضامنهما الكامل مع الرئيس البوليفي، معلنين بأنهما "يقفان مع الشعب البوليفي إذ يقفان في وجه الانقلاب".

موراليس.. من زعيم نقابي إلى رئيس للبلاد

وصل موراليس إلى الحكم في بوليفيا بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية في كانون الأول/ديسمبر 2005 بنسبة 53.7%، ليكون بذلك أول رئيس من السكان الأصليين في البلاد. 

وينتمي موراليس بالأساس لعائلة فقيرة، تمتهن زراعة نبتة الكوكا. وكان سابقًا زعيمًا نقابيًا لمزارعي الكوكا في ثمانينات القرن الماضي. وقد أثار انتمائه للسكان الأصليين، المخاوف لدى الطبقة الرأسمالية وملاك الأراضي، من قيامه بعمليات تأميم، فضلًا عن تهديد الجماعات اليمينية بإشعال حرب أهلية في البلاد.

وقبل وصول موراليس بعامين، كانت بوليفيا قد دخلت في موجة من العنف، بعد الأحداث التي شهدتها فترة ولاية الرئيس الأسبق جونزالو سانشير دي لوزادا، الذي تخللت فترته نهجًا ليبراليًا باتجاهه نحو سياسة السوق الحرة، ورفضه مطالب البوليفيين بتأميم قطاع الغاز الذي تسيطر عليه الشركات الأجنبية، ما أسفر عن سقوط أكثر من 60 شخصًا، وأدت بنهاية المطاف بفراره إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد 13 شهرًا من ولايته.

موراليس
موراليس، أول رئيس لبوليفيا من السكان الأصليين

وتولى بعدها نائبه، والمرشح المنافس لانتخابات الرئاسة التي جرت الشهر الماضي، كارلوس ميسا، إلا أنه استقال بعد عامين تحت ضغط الاحتجاجات التي طالبت بتأميم قطاع الغاز الطبيعي وتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة. 

حينها وجّه موراليس، الذي كان يتزعم المعارضة، نداءً لميسا بالتخلي عن منصبه لحل الأزمة، حيثُ كان حزبه ثاني أكبر كتلة برلمانية بامتلاكه 27 مقعدًا، كما أنه كان مرشحًا للرئاسة في عام 2003، والتي خسرها بنسبة 1.9% من الأصوات عن منافسه الفائز لوزادا. وحينها هددت واشنطن حينها بقطع المساعدات الأمريكية عن لاباز إذا ما فاز موراليس بالانتخابات.

وخلال فترة حكم موراليس التي استمرت قرابة 14 عامًا، حققت بوليفيا أقوى معدلات النمو الاقتصادي في المنطقة مع انخفاض معدلات الفقر إلى النصف، على الرغم من أن تمسكه بالسلطة أبعد الكثير من الحلفاء حوله، فضلًا عن فشله بالقضاء على الفساد في مؤسسات الدولة، ومحاولته الدؤوبة لتعديل الدستور بالسماح للرئيس بالترشح لأكثر من ولاية، معتبرًا أن تحديد عدد ولايات الرئيس يتنافى مع حقوق الإنسان.

  • نهضة الاقتصاد البوليفي

منذ وصوله للرئاسة أقر الزعيم الاشتراكي دستورًا جديدًا "متعدد القوميات"، مدافع عن حقوق مزارعي الكوكا، ومتجاهلًا الضغوط التي مارستها واشنطن للقضاء على زراعتها، حيثُ قام بتقنين زراعتها، واتخاذ إجراءات قانونية لتنظيم تجارتها. ورد موراليس على اتهامات واشنطن بعدم مكافحتها، بأنه يسمح زراعتها ضمن كميات صغيرة لأغراض ثقافية ودينية. 

كما شكل حكومة متساوية بين الجنسين لأول مرة في تاريخ بوليفيا، بنسبة 50% من الإناث و50% من الذكور، وذلك خلال عام 2009. كما قام منذ وصوله للحكم بتأميم عدد من الشركات الأجنبية التي كانت تعمل في مجال النفط والطاقة والمناجم، وعمل على تعزيز القدرة الشرائية للمواطنين بفضل سياسة التأميم هذه. 

كما رفع أسعار المواد الأولية التي تصدرها بوليفيا إلى الخارج، ما جعل نسبة الفقر الشديد تتراجع من 38% إلى 21% في 2012. وعمل أيضًا على تخفيض الراتب الشهري للرئيس ووزراء حكومته بنسبة 57%، داعيًا البرلمان البوليفي للسير على الخطى نفسها.

وحظيت الطبقة الفقيرة بدعم من الحكومة التي تبنت سياسة اشتراكية، بتنفيذ مشاريع تنموية مثل تشييد المدارس، والمرافق الصحية، وتقديم الرعاية الصحية لكبار السن، وقامت الدولة بتقديم الدعم للسلع الغذائية، وشهدت بوليفيا انتهاء عام 2006 دون أن يكون لديها عجز مالي لأول مرة في تاريخها منذ 30 عامًا. 

وفيما كانت الأزمة المالية تطيح بالشركات العالمية واقتصادات الدول بين عامي 2007 و2008، حافظت حكومة موراليس على مستويات نموها الاقتصادي حينها.

  • التعديلات الدستورية وحرائق الأمازون

لكن هذه الإنجازات التي حققها موراليس خلال فترة حكمه لم تكن بكافية بالنسبة للبوليفيين، للموافقة على التعديل الدستوري الذي اقترح مضمونه عدم تحديد ولاية الرئيس في عام 2016، فصوت عليه غالبية البوليفيين بـ"لا". 

وكان قبلها قد أجرى تعديلًا دستوريًا يسمح بالرئيس الترشح لولاية ثانية في عام 2006، ونظم انتخابات جديدة في عام 2009 نجح فيها، معتبرًا أن هذه ولايته الأولى نظرًا لأنها تدخل ضمن الدستور الجديد.

ووفقًا لشبكة BBC البريطانية فإن الاحتجاجات الأخيرة ضد حكومة موراليس تركزّت في مقاطعة سانتا كروز ذات القوة الشرائية، والتي تعد العاصمة الاقتصادية في البلاد، ومركز ثقل المعارضة السياسية للرئيس الاشتراكي، وتساهم المدينة بما يزيد عن 80% من الإنتاج الزراعي المحلي، وقدمت خلال السنوات الأخيرة أكثر من 35 بالمائة إجمالي الناتج المحلي، ويعد مطارها أكبر مطار في البلاد.

وخسرت بوليفيا في عهد موراليس استعادة وصولها للمحيط الهادئ، بعد أن فقدته في حربها مع تشيلي عام 1884، وفشلت مساعيها نهائيًا بسبب الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية بأحقية تشيلي في الأرض المتنازع عليها، وذلك في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ما جعل البوليفيين يصابون بخيبة أمل. 

وزاد على ذلك محاولة موراليس فتح طريق عبر غابات الأمازون، بما يتضمنه ذلك الاستيلاء على أراضي المزارعين، ما أدى لموجة من الاحتجاجات العنيفة التي أجبرت حكومة موراليس بالتراجع عن القرار في عام 2011، لكنه أعاد إقرار المشروع في عام 2017 مرةً أخرى.

كما ساهمت الحرائق التي اندلعت في غابات الأمازون بالشطر البوليفي في أيلول/سبتمبر الماضي، بتأجيج نقمة السكان الأصليين على حكومة موراليس بعد أن فشلت في إخمادها لأكثر من شهرين، لتخرج الاتهامات للحكومة بالتباطؤ في عملية إخماد الحرائق، وأن سياسة إزالة الغابات التي تنتهجها الحكومة لزيادة الرقعة الزراعية، هي السبب في الكارثة. ووفقًا للإحصائيات النهائية، فإن النيران قضت على أكثر من أربعة ملايين هكتار من الأراضي، وأكثر 2.3 مليون حيوان.

  • العداء لواشنطن والتقارب مع اليسار

على الصعيد الخارجي، اتسمت السياسة التي انتهجها موراليس بالتقارب مع الدول اليسارية في أمريكا اللاتينية، في مقابل انتهاجه سياسات عدائية لواشنطن، التي وصفته سابقًا بـ"الشيطان"، الأمر الذي ممكن ملاحظته ضمن تصريحات الدول الرافضة أو الداعمة لعملية الانقلاب التي أطاحت بالرئيس الاشتراكي، فمعظم الفترة التي قضاها موراليس في الحكم شابها توتر واضح مع واشنطن، قابله تقارب مع اليسار اللاتيني.

وفي 2008، قامت لاباز بطرد السفير الأمريكي فيليب غولدبرغ من أراضيها، بعد أن اتهمته بالتحريض على الاحتجاجات وتأجيج الانقسام والانفصال في البلاد، على إثر موجة الاحتجاجات العنيفة التي شهدتها خمسة من أصل تسعة ولايات خلال تلك الفترة، وكان من بين الولايات المحتجة سانتا كروز التي تظاهرت ردًا على سياسة موراليس الاشتراكية.

موراليس
دعا موراليس في 2014 لإلغاء مجلس الأمن الذي وصفه بأنه "يشجع على الحروب"

وعند وصول موراليس للحكم كان يعتبر واحدًا من بين الزعماء اليساريين الذين فازوا بالانتخابات الرئاسية في أمريكا اللاتينية. ومن المعروف أن القارة شهدت حينها ثورةً يسارية جاءت بحكومات اتسمت بعدائها للمعسكر الأمريكي، قبل أن تبدأ هذه الثورة اليسارية بالانحسار منذ عام 2015، بوصول حكومات يمينية للسلطة في الدول التي كانت تحظى بحكومات يسارية.

كما أن موراليس، خلال فترة ولايته، أصدر العديد من التصريحات المثيرة للجدل، كان من بينها دعوته خلال قمة مجموعة الـ77 في 2014، لإلغاء مجلس الأمن بعد أن قال عنه إنه "يشجع الحروب والاجتياحات من طرف القوى الإمبريالية لامتلاك الموارد الطبيعية في البلدان التي تعرضت للاجتياح". 

فضلًا عن دعوته إنشاء مصرف لدول الجنوب عوضًا عن صندوق النقد الدولي، إضافة لقطعه العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في عام 2009، وإدراجها على قائمة "الدول الإرهابية" في بوليفيا منذ عام 2014.

ودخل موراليس كذلك في خلاف مع عدة دول أوروبية من بينها فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، بعد أن رفضت في تموز/يوليو 2013، أن تحلق طائرة موراليس فوق أجوائها بذريعة أن موظف الأمن القومي إدوار سنودن الذي سرب معلومات حول برنامج تجسس أمريكي كان في داخلها، قبل أن تقبل النمسا هبوط طائرته على أراضيها، إلا أنه بقي محتجزًا في المطار لمدة 13 ساعة. وحدث ذلك الموقف من الدول المذكورة، بعد أن أعلن موراليس أنه إذا تقدم سنودن بطلب لجوء لبوليفيا، فإنه سينظر في ذلك.

وعلى خلفية استقالة موراليس بعد ما وصف بـ"الانقلاب"، غرد السيناتور الأمريكي السابق عن ولاية ألاسكا، مايك غرافل، ساخرًا من وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA)، بقوله: "تهانينا على فوزكم بالسلطة في بوليفيا".

وصف العديد من رؤساء أمريكا اللاتينية، ما حدث في بوليفيا بالانقلاب الذي تحالف فيه الجيش مع كبار الملاك بدعم من الولايات المتحدة

ويُعرف عن غرافل انتقاده الدائم لسياسة الولايات المتحدة في القارة اللاتينية، إذ سبق أن غرّد في أيار/مايو قائلًا: "إن الكذبة التي ستسمعونها مرارًا أن الدول الاشتراكية فشلت تلقائيًا، في الواقع كان ذلك بسبب الجهد المتضافر للآلة الإمبريالية الأمريكية لسحق أي دولة يمكن أن تعارضها في أي مكان تظهر فيه".

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا عادت الشعبوية إلى صدارة المشهد العالمي؟.. إجابات لاتينية

تاريخ تدخّل الـ "CIA" في انتخابات الآخرين.. تكتيك واشنطن ضد خيارات الشعوب