تاريخ تدخّل الـ

تاريخ تدخّل الـ "CIA" في انتخابات الآخرين.. تكتيك واشنطن ضد خيارات الشعوب

شهد تاريخ الاستخبارات الأمريكية تدخلات واسعة في انتخابات الآخرين (Getty)

أثارت المعلومات حول التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، فوضى عارمة داخل النظام السياسي في واشنظن، وكادت أن تتسبب بالإطاحة بالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، كما أطاحت بالفعل بمجموعة من صقور إدارته. وقد اعتبرت الاستخبارات الأمريكية ما حدث خرقًا للتقاليد الدبلوماسية، لكن تاريخها لا يقول ذلك. يبين هذا التقرير المترجم بتصرف عن مجلة "ستراتيجيك كلتشر" الإلكترونية، تاريخ تدخلات الاستخبارات الأمريكية في انتخابات الدول الأجنبية.


خالفت مقالة نشرت مؤخرًا في صحيفة نيويورك تايمز الصحافة التقليدية، وكشفت عن التاريخ الطويل لوكالة الاستخبارات المركزية في التدخل في الانتخابات الخارجية. في 17 شباط/فبراير من العام 2018 أفادت مقالة بعنوان "روسيا ليست الوحيدة التي تتدخل في الانتخابات، نحن نفعل ذلك أيضًا"، بأن الولايات المتحدة تدخلت في انتخابات الدول الأجنبية لعقود طويلة. خط هذه المقالة الكاتب الصحفي سكوت شين الذي غطى عمليتي الإصلاح السياسي والاقتصادي في الاتحاد السوفيتي، اللتين أطلق عليهما البيريسترويكا والغلاسنوست من موسكو، لصالح صحيفة بالتيمور صن في الفترة ما بين 1988 إلى 1991، وهي الأعوام الأخيرة للاتحاد السوفيتي.

 كان الهدف الرئيسي من التدخل الأمريكي هو عزل ناخبي اليسار والحركات التقدمية في العالم وأحزابها وضمان تمتع الأنظمة الشمولية بقشرة ديمقراطية ظاهرية

هذا على الرغم من أن المقالة تعرض أقوال اثنين من المسؤولين السابقين في الاستخبارات الأمريكية يبرران فيها تدخل الولايات المتحدة بأنه كان لمصلحة الغير. في حين اتهما التدخل الروسي في انتخابات الدول الأجنبية بأنه نابع من حقد مجرد. هذا الاعتقاد السائد بأن التدخل الأمريكي في الانتخابات كان بهدف تعزيز ونشر الديمقراطية الليبرالية، هو أبعد ما يكون عن الحقيقة.

لم تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية في انتخابات الأمم الأجنبية يومًا بهدف تعزيز التقاليد الديمقراطية في تلك البلدان. كان الهدف الرئيسي من هذا التدخل هو عزل ناخبي اليسار والحركات التقدمية وأحزابها وضمان تمتع الأنظمة الشمولية بقشرة ديمقراطية ظاهرية، وحماية مصالح القواعد العسكرية الأمريكية وشركاتها متعددة الجنسيات.

اقرأ/ي أيضًا: المخابرات الأمريكية: بوتين أطلق حملة لدعم ترامب

في ازدواجية في الخطاب تذكرنا بأجواء الحرب الباردة، صنفت وكالة الاستخبارات المركزية تدخلاتها على أنها تقع في فئة "عمليات التأثير والنفوذ"، بينما تتهم نفس الوكالة روسيا "بالتدخل في الانتخابات". في الحقيقة لا يوجد فرق بين التصنيفين. تعد عمليات التدخل في الانتخابات أفضل مثال على "الحرفية التجسسية" لوكالات الاستخبارات، والتي مارستها العديد من أجهزة الاستخبارات حول العالم من بينها إسرائيل وفرنسا وبريطانيا والصين والهند وآخرون.

في مناسبات نادرة، عندما فشلت جهود وكالة الاستخبارات المركزية في التلاعب بانتخابات بلد ما ـ مثلما حدث في جواتيمالا 1950 و تشيلي 1970 ـ نظمت الوكالة بكل بساطة انقلابات عسكرية دموية استبدلت أنظمة عسكرية بالرؤساء المنتخبين ديمقراطيًا، الذين هزموا المرشحين المدعومين من السي أي ايه في صناديق الانتخابات.

في العام 1954 أطاحت عملية السي آي ايه المسماة PBSUCCESS بحكومة الرئيس الجواتيمالي جاكوبو أربينز، الذي انتُخب عام 1950 على أساس برنامجه القائم على الإصلاح الزراعي الذي سيحسن من حياة المزارعين الجواتيماليين، الذين عانى العديد منهم من العمل الإلزامي الشبيه بالعبودية لدى شركة الفواكه المتحدة، المملوكة للولايات المتحدة الأمريكية. أقامت شركة الفواكه المتحدة مزارع صناعية عدة في جميع أرجاء البلاد. وبذلت الشركة كل ما بوسعها بمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية لضمان هزيمة أربينز في انتخابات 1950. عندما فشل هذا التكتيك وضعت شركة الفواكه المتحدة ووكالة الاستخبارات المركزية ووزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس خطة للإطاحة بأربنز في انقلاب عسكري. أصبحت جواتيمالا من بعدها مثالًا تقليديًا على "جمهوريات الموز" الواقعة تحت النفوذ الأمريكي.

تطفح وثائق السي آي إيه، التي رُفعت عنها السرية، بالأمثلة على تدخلات الوكالة في الانتخابات الأجنبية

حل المجلس العسكري في تشيلي محل الرئيس الاشتراكي سلفادور أليندي الذي انتُخب عام 1970، رغم تدخل السي آي إيه الهائل، وحوَّل هذا المجلس تشيلي إلى ساحة اختبار لسياسات الرأسمالية المتوحشة التي وضعها "فتية شيكاغو"، وهم مجموعة من الاقتصاديين التشيليين درسوا في جامعة شيكاغو لدى الاقتصادي ميلتون فريدمان، أحد المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية. أطلق فريدمان على سياسات تحرير السوق الهائلة التي اتبعها نظام الجنرال أوغستو بينوشيه لقب "معجزة تشيلي".

اشتملت السياسات الاقتصادية التي أشارت تحقيقات لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ إلى أنها صيغت بمساعدة من السي آي إيه، على إلغاء التعريفات الجمركية، وعمليات الخصخصة واسعة النطاق وبيع الشركات المملوكة للدولة وخفض الضرائب وخصخصة نظام المعاشات التي كانت تديره الدولة، وإلغاء التشريعات المنظمة للصناعة.

في العام 1990 ضَمَن تدخل السي آي إيه في انتخابات نيكاراجوا الفوز للمعارضة على حكومة الساندنيستا الحاكمة. تكرر هذا النوع من التدخل مجددًا في العام 2000 في الانتخابات الصربية التي شهدت الإطاحة بالرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش من السلطة. مثلت الإطاحة بميلوسيفيتش أول تعاون بين وكالة الاستخبارات المركزية وكوادر معهد المجتمع المفتوح التابع لقطب صناديق التحوط الدولي جورج سوروس، في عملية التدخل في الانتخابات. وفي 2009، حاولت السي آي إيه هزيمة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي في معركته لإعادة انتخابه. ورغم فوز كرزاي إلا أنه اشتكى بمرارة من تدخل السي آي إيه في الانتخابات.

تستضيف قناة MS-NBC على الدوام خبيرًا مساهمًا في الشأن الروسي هو السفير الأمريكي الأسبق في موسكو مايكل ماكفول. مع ذلك لم يذكر ماكفول أبدًا كيف سرب أموال السي آي إيه التي تبلغ حوالي 6.8 مليون دولار من خلال المنحة الوطنية للديمقراطية وفرعيها، المعهد الجمهوري الدولي التابع للحزب الجمهوري والمعهد الديمقراطي الوطني التابع للحزب الديمقراطي، لصالح زعماء المعارضة الروسية مثل أليكسي نافالني. ولم تذكر وسائل الإعلام الأمريكية أن وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية سربت نحو 5 مليار دولار إلى أوكرانيا للوصول بحكومة موالية للولايات المتحدة إلى السلطة في تلك البلاد.

استضاف ماكفول اجتماعات حزب المعارضة في السفارة الأمريكية وتجاهل التحذيرات من أن تحالف نافالني يضم عددًا من القوميين من النازيين الجدد، الذين يعارضون الهجرة المتدفقة من الحدود الروسية الجنوبية. ورغم أن الكثير من الصحفيين الغربيين نعتوا نافالني بأنه "إرين بروكوفيتش روسيا" (ناشطة بيئية أمريكية)، إلا أن نافالني في الحقيقة أشبه بـ "ديفيد ديوك روسيا". ديوك هو الزعيم الأسبق لجماعة الكوكولكس كلان العنصرية الأمريكية.

تطفح وثائق السي آي إيه، التي رُفعت عنها السرية، بالأمثلة على تدخلات الوكالة في الانتخابات الأجنبية، من بينها الانتخابات البلدية في الهند وغرب ألمانيا وانتخابات المقاطعات في أستراليا وكندا واليابان. في خمسينيات القرن الماضي، قدمت السي آي إيه دعمًا هائلًا لحزب الديمقراطيين المسيحيين في ألمانيا الغربية بقيادة المستشار كونراد أديناور. وكذلك فعلت السي آي إيه ما بوسعها لدعم حزب الاشتراكيين الديمقراطيين والحزب القومي اليميني في ألمانيا في برلين وهيسي وبافاريا.

في العام 1967، اتهم وزير الخارجية الهندي محمد علي كريم تشاغلا، السي آي إيه بالتدخل في الانتخابات الهندية عبر تقديم التبرعات المالية لأحزاب تعارض حكم حزب المؤتمر الهندي الحاكم حينها. استهدفت السي آي إيه بشكل خاص الأحزاب الشيوعية في ولايات غرب البنغال وكيرالا.

واتهم رئيس الوزراء الكندي الأسبق جون ديفنبيكر من حزب المحافظين أموال السي آي إيه بالمساهمة في تعزيز ودعم الحزب الليبرالي، وهو ما أدى إلى خسارة ديفنبيكر في المعركة الانتخابية في الانتخابات العامة التي أقيمت مرتين في الفترة ما بين عامي 1962 و1963. ثم اكتشف خليفة ديفنبيكر، وهو رئيس الوزراء ليستر بيرسون من الحزب الليبرالي، أن السي آي إيه قدمت أموالًا لاتحاد الطلاب الكندي الموالي لليبراليين في الأعوام 1965 و1966.

اقرأ/ي أيضًا: أنجيلا ميركل.. هدف روسيا القادم

فعلت السي آي إيه كل ما بإمكانها لمنع إعادة انتخاب حكومة حزب العمل الحاكمة في نيوزيلاندا التي قادها رئيس الوزراء ديفيد لانغ. وقدمت السي آي إيه دعمًا دعائيًا للحزب القومي المعارض الذي عارض سياسة لانغ في منع دخول السفن الحربية الأمريكية التي تحمل أسلحة نووية أو تسير بالطاقة النووية إلى المياه الإقليمية النيوزلندية. وحرصت السي آي إيه على أن تعرض وسائل الإعلام المدعومة من الولايات المتحدة في نيوزيلاندا أرقامًا مثل نسبة البطالة التي بلغت أعلى مستوى لها وهو 6%، ومقدار الدين الخارجي الذي بلغ نصف الناتج المحلي وعجز في الميزانية وصل إلى 1 مليار دولار. حاولت السي آي إيه كذلك كبح الدعم التقليدي للماوري (السكان الأصليين لنيوزيلاندا) لحزب العمل في انتخابات آب/أغسطس 1987، وهو استخدام حقير للسياسة القائمة على العرق لأجل التلاعب بالناتج النهائي للانتخابات.

اتهم رئيس الوزراء الكندي الأسبق جون ديفنبيكر من حزب المحافظين أموال السي آي إيه بالمساهمة في تعزيز ودعم الحزب الليبرالي

بين الأعوام 1965 و1967، عمل مركز السي آي إيه في البرازيل بالتنسيق مع اتحاد AFL/CIO (الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية) في الولايات المتحدة، وذراعه الدولية المسمى بالمعهد الأمريكي لتنمية العمالة الحر (AIFLD)، للتدخل في انتخابات النقابات في البرازيل. ومنح مكتب AIFLD في ساو باولو، الذي لم يكن سوى واجهة مقنعة لجهاز الاستخبارات المركزية، أمولاً لمسؤوليين برازيليين لإفساد الانتخابات النقابية البرازيلية في قطاع البترول البرازيلي.

وكشفت قائمة مفصلة برشاوى السي آي إيه للمسؤوليين البرازيليين من قبل مسؤول في نقابة ساو باولو ضمت ما يلي على سبيل المثال: "علاوة لجوزيه عبود لتعاونه 156.25 دولارًا؛ مدفوعات خاصة للدكتور يورغ فيهو من وزارة العمل 875.00 دولارًا؛ رحلة للسيد غليمبور غيمورايس مخبرنا السري في شارع فيجوندس 56.25 دولارًا؛ نسخ مصورة من كتب ووثائق اتحاد البترول 100 دولار؛ مساعدة لغوديس وأيفراسيو لهزيمة لويس فورتادو في نقابة سوزانو 140.64 دولارًا".

وقبيل انتخابات تشيلي الرئاسية في الرابع من أيلول/سبتمبر 1964، اكتشفت جبهة العمل الشعبي اليسارية المعارضة أن القائم بأعمال السفير الأمريكي جوزيف جوفا، كان في عون مرشح الحزب المسيحي الديمقراطي. تمكن مرشح الحزب إدواردو فري مونتالفا وبمساعدة السي أي ايه من هزيمة سلفادور الليندي.

تعرض مذكرة للسي آي إيه صادرة في 1955 تفاصيل دعم وكالة الاستخبارات المركزية لحزب ماشومي الموالي للغرب في الانتخابات الإندونيسية

وتعرض مذكرة للسي آي إيه صادرة بتاريخ 3 أكتوبر/تشرين الأول 1955 تفاصيل دعم وكالة الاستخبارات المركزية لحزب ماشومي الموالي للغرب في الانتخابات الإندونيسية، وهي أول انتخابات في البلاد منذ الاستقلال. بدا مدير السي آي إيه متفائلًا بفرص حزب ماشومي في الفوز في الانتخابات بفضل "نسب الأمية المرتفعة في البلاد". في انتخابات عام 1984 الرئاسية في السلفادور، دعمت السي آي إيه مرشح الحزب الديمقراطي المسيحي جوزيه نابليون دوارتي ضد مرشح أقصى اليمين روبرتو دي أوبوسون. واتهم النائب الجمهوري من ولاية شمال كارولينا وكالة الاستخبارات المركزية بالتدخل في الانتخابات لصالح دوارتي. وصل الأمر إلى حد الكشف عن أن الحبر السري المستخدم على أصابع أولئك الذين صوتوا قدمته السي آي إيه.

إذا كانت الولايات المتحدة تريد حقًا وقف التدخلات الأجنبية في الانتخابات، عليها أن تكون أول طرف يؤيد ويلتزم بهذه السياسة. تمامًا كما هو الحال في اتفاقية وقف الاختبارات النووية، ومعاهدة حظر الأسلحة البيولوجية والكيميائية، ومعاهدة حظر الأسلحة في الفضاء الخارجي. يجب على الولايات المتحدة أن تدعو لمعاهدة لوقف التدخل في الانتخابات بكل أشكال هذا التدخل سواء عبر استخدام الهجمات الالكترونية أو التلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي أو تمويل الأحزاب السياسية الأجنبية. بدون مثل هذا الالتزام فإن شكوى الولايات المتحدة من التدخل الخارجي في الانتخابات لن تكون سوى حالة مثالية من "افعل كما أقول لا كما أفعل".  

 

اقرأ/ي أيضًا:

شعوب أسقطت انقلابات.. تشيلي

هوس ابن زايد.. أبوظبي تستعين بضباط "CIA" لبناء إمبراطورية جاسوسية (2-2)