الإجابة ليست تونس!

الإجابة ليست تونس!

من مظاهرة احتجاجية ضد قانون المصالحة (سفيان حمداوي/ أ.ف.ب)

"الإجابة تونس"، يقولها الناشطون خاصة في مصر منذ 2011، في إشارة إلى أن تونس بما هي مهد الثورة العربية، فهي النموذج المثالي الذي يجب تتبّع خطواته. أمر جميل أن تكون تونس هي المثال، فهي البلد الوحيد فعلًا الذي استطاع إرساء ديمقراطية واعدة وناشئة باتت محلّ إشادة في العالم، حتى بات الحديث في بلدان الثورة عن الاقتداء بها.

لا تمثل تونس إجابة وردية، فهي ليست إلا ديمقراطية الحد الأدنى، ديمقراطية ناشئة لكنها هشة

فإن قال أحدهم شرعنةً للاستبداد ومساومة بالإرهاب: "أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق"، جاءته الإجابة: "ما نبقى زي تونس"، ولكن تونس ليس إجابة وردية، وهي اليوم ليست الإجابة المنتظرة لأولئك الذين واجهوا رصاص القمع، ولتضحيات الشهداء ودموع أهاليهم.

اقرأ/ي أيضًا: تونس، وكأنه استئناف حراك لم ينته

يقول المثل التونسي البليغ: "عمشاء في دار العميان"، وتونس كذلك، هي ديمقراطية الحدّ الأدنى، ديمقراطية ناشئة ولكنها هشّة، فما زالت الضباع التي خلنا أنها تابت، تراود للانقضاض عليها، وبالأحرى على ما تبقى منها. أعاد النظام القديم إنتاج نفسه فامتدت طبقة سياسية فاسدة حاكمة تتحكم فيها لوبيات الفساد المالي، فيما تعطل الدولة وفي مقدمتها رئيسها المفروض أنه الحامي للدستور ومسار العدالة الانتقالية.

هم لا يريدون كشف الحقيقة، ولا يريدون محاسبة، ولا يريدون تفكيك منظومة الاستبداد والفساد، ولا يريدون إنصاف الضحايا، ولا يريدون مصالحة وطنية. لا يريدون أن نبني معًا وطنًا على قاعدة احقاق الحقّ. هم لا يريدون إلا استمرار الفساد، وحماية القتلة والفاسدين، ومواصلة خطتهم للثأر من الثورة.

تضمّ الحكومة الأخيرة ما لا يقل عن 10 وزراء وكتاب دولة من قيادات حزب التجمّع المنحلّ الذي لفظته الثورة، بمن فيهم من كان وزيرًا إبان الحراك الثوري، يبرّر حينها جرائم النظام. المشكلة ليس أنهم كانوا قيادات في النظام السابق، بل إنهم لم ينحنوا بعد للثورة، لم يعتذروا للشعب، لم يمدّوا أيديهم إليه، بل على خلاف ذلك استمروا في الانغماس ضمن اللوبيات المعادية للثورة التي اتخذت اليوم من مراكز القرار جحرًا لها.

وآخر فصول الثأر من الثورة التونسية، هو تمرير قانون المصالحة الذي تم بموجبه العفو العام عن كل الموظفين العموميين وأشابههم على جرائم الفساد الإداري، تشجيعًا على الإفلات من العقاب، فالفاسدون يحمون أنفسهم.

يُخشى ألا تواصل تونس تركيز ديمقراطيتها الناشئة في المستقبل، وأن تُفرض ديمقراطية شكلية أخذت من النظام الديمقراطي آلياته دون جوهره

كما تأجلت الانتخابات البلدية التي كان من المنتظر تنظيمها نهاية السنة، بسبب عدم استعداد حزب نداء تونس، الذي يستحوذ حاليًا على رئاسات الجمهورية والحكومة والبرلمان. لا يهتمّ حزب النظام ومن وراءه بتنظيم هذه الانتخابات، التي ستمثل ركيزة لتأسيس سلط محليّة فاعلة، وباحترام مسار تركيز المؤسسات وبتنفيذ الانتقال الديمقراطي، هم لا يهتمون إلا بمصالحهم وغنائمهم، ولذلك يعطّلون بأي طريقة تطبيق الدستور، بل ويحاولون اليوم تنقيحه والعودة لنظام برأس واحد يحتكم صاحبه لوحده بسلطة القرار.

اقرأ/ي أيضًا: 5 مؤشرات على عرقلة الرئيس التونسي لمسار العدالة الانتقالية

بعد ثلاث سنوات ونصف منذ إقرار الدستور، لم تنظم بعد الانتخابات المحليّة، ولم تُرس بعد المحكمة الدستورية، ويمتنع البرلمان عن تمرير قوانين مفاتيح لسلامة المسار الديمقراطي على غرار قانون الجماعات المحلية، وقانون الثراء غير المشروع. كما ما زالت شبكات الفساد محمية من السلطة التي مولّتها أصلًا رؤوس أموال فاسدة.

والخشية ألا تواصل تونس تركيز ديمقراطيتها الناشئة في المستقبل، وأن تُفرض ديمقراطية شكلانية أخذت من النظام الديمقراطي آلياته دون جوهره. حيث لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية تعبّر عن إرادة الشعب في ظل تغول لوبيات الفساد على القرار السياسي، وفي ظل ارتهان لوبيات محلية لأخرى إقليمية معادية للثورة العربية، وفي ظلّ تعطيل مسار العدالة الانتقالية بما هو صمّام الأمان لعدم العودة للوراء.

ولم يتم بعد تأمين مسار الانتقال الديمقراطي في تونس، فالضباع لا زالت تتربّص به وهي تحاول اليوم الانقضاض على الدستور بعد إمعان رئيس البلاد وجماعته في خرقه من تجاوز للصلاحيات واقتراح قوانين غير دستورية. ولذلك فالمعركة ما زالت مستمرّة، وهي معارك تأسيس وليست معارك جانبية. فلم تبلغ تونس بعد طريق الأمان.

ليست تونس الإجابة النموذجية بعد، فلا يزال أبناؤها يُحاربون من أجل تحقيق أهداف الثورة التي يلتف حولها ضباع النظام القديم

وعليه، يجب أن يعرف المصريون والسوريون والليبيون واليمنيون وكل الأحرار في الوطن العربي، بأن المسار الديمقراطي التونسي ليس النموذج الأمثل، وأن تونس ليست بعدُ إجابة نموذجية. ربما هي فقط نموذج الحدّ الأدنى في ظلّ مشهد انتقام القوى المضادة من الثورة إرهابًا وانقلابًا، ولكن دماء الشهداء وأحلام الأحرار في الوطن العربي تستحق ما هو أكثر.

في النهاية، الصورة ليست بيضاء ناصعة، وكذلك ليست سوداء كاحلة، ولكنها ليست وردية في كل الأحوال. يجب على الشعب العربي أن يحلم بأفضل من تونس التي ما زال يحارب أبناؤها من أجل تحقيق أهداف ثورتها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قانون المصالحة في تونس.. السقوط القريب

على لسان نشطائها.. ما لا تعرفونه عن "مانيش مسامح" التونسية