تونس.. العدالة بوصفها سؤال الثورة

تونس.. العدالة بوصفها سؤال الثورة

كانت الثورة تعني أساسًا إسقاط نظام "الكليبتوقراط" الحاكم منذ عقود(كريستفر فرلانق/Getty)

قياسًا على ما يحصل في سوريا واليمن ومصر وليبيا، تبدو تونس بلدًا "محظوظًا" إذ حافظ على مسار التحول السياسي بالحد الأدنى من كلفة الدم. ولكن قياسًا على شعارات ثورة 17 كانون الأول/ديسمبر وأفق التغيير العظيم الذي بشرت به، فيعتبر الوضع الراهن انقلابًا على مهمات تفكيك منظومة "الكليبتوقراط الحاكمة"، وإرساء دولة العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

هذه الثنائية في تقييم الواقع التونسي، من خارجه باعتباره جزءًا من أطلس "الربيع العربي"، ومن داخله باعتباره تتويجًا لمسار "الانتقال الديمقراطي". إنما هي ثنائية ضرورية جدًا لا فقط للمقارنة وإنما للفهم، فهم صيرورة الواقع التونسي ضمن تحولات الواقع العربي، والمآزق الاستراتيجية التي تطرح على عملية التحول السياسي الديمقراطي في الوطن العربي برمته.

يعتبر الوضع الراهن انقلابًا على مهمات إرساء دولة العدالة الاقتصادية والاجتماعية

صحيح أن شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" قد انتقل بسرعة إلى عواصم وساحات عربية عديدة، مؤكدًا وجود قضية عربية واحدة رغم اختلاف الأنظمة والمسارات السياسية. ولكن الشعار الأساسي للثورة التونسية كان "التشغيل استحقاق يا عصابة السراق"، وهو شعار المنتفضين في دواخل البلاد وضواحي المدن الكبرى من الشباب المعطل عن العمل، منذ لحظة اشتعال البوعزيزي قربانًا لقضية الكرامة والعدالة.

وهو بالمناسبة شعار انتفاضة الحوض المنجمي طيلة السداسية الأولى من سنة 2008. ما بين الشعار الأول الذي صار عربيًا وتحول إلى أحد أيقونات "الربيع العربي"، وبين الشعار الثاني الذي بقي تونسيًا لصيقًا بطبيعة الصراع الاجتماعي والسياسي المحلي، توجد المسافة الضرورية للتمييز بين الزمنين المتداخلين. الزمن "الماكروسياسي" المتعلق بالتحولات الكبرى فوق التونسية وفوق العربية، والزمن "الميكروسياسي" المتعلق بالديناميات المحلية شديدة الخصوصية.

من هذا المنطلق نفهم فرادة التجربة التونسية، ليس باعتبارها استثناءً جوهرانيًا، ولكن باعتبارها قد تفاعلت بطريقتها مع تحولات "الربيع العربي"، الذي أمسى شتاء عاصفًا انقلبت فيه نسائم التغيير إلى عواصف هوجاء. ولذلك بقدر ما يجب تجنب عزل تونس عن الواقع الجيوستراتيجي العربي بحجة محافظتها على مسار سياسي سلمي نسبيًا، بقدر ما يجب التعرف بجدية على طبيعة العاصفة التي تخيم على البلاد التونسية دولة ومجتمعًا.

بعد 4 سنوات من الصراع الاجتماعي والسياسي العنيف، فيما عرف بـ"المرحلة الانتقالية" التي نزفت فيها تونس دماً كثيرًا (قليلاً قياسًا بغيرها) جراء الاغتيالات السياسية والجرائم الإرهابية، انتهت العملية السياسية مع انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2014 إلى ما سمي بـ"المرحلة الدائمة" والمقصود بها الخروج من المؤقت إلى الاستقرار على قاعدة الدستور الجديد وثقافة "التوافق" التي أرساها الحوار الوطني منذ موفى 2013.

هذا الاستقرار الذي تعيشه تونس على مستوى مؤسساتها السياسية السيادية، وعلى مستوى حراكها الاجتماعي، هو الشجرة التي تخفي الغاب. أو هو القصة التي تزيف حقيقة الصراع الطبقي والاجتماعي المحتدم في البلاد. وقياسًا إلى الحالة العربية هذا الاستقرار هو الوجه الأقل بشاعة.

دولة ضد الدولة

إن كان من فلسفة وراء الدستور التونسي الجديد فهي إعادة تأسيس الدولة التونسية. أو هكذا على الأقل افترضت الأحزاب والمنظمات عندما دعت، مسنودة بحراك شعبي كاسح، إلى تعطيل العمل بدستور 1959 وحل حزب التجمع الحاكم وحل البرلمان والدعوة لمجلس وطني تأسيسي في الثلاثي الأول من سنة 2011.

طبعًا إعادة تأسيس الدولة وإعلان الجمهورية الثانية لا يعني أن دولة الاستقلال في تونس كانت مزرعة أو أن الجمهورية الأولى كانت إقطاعًا صرفًا. بالعكس يعرف التونسيون الدولة ويدينون للجمهورية. وإنما القصد أنهم تعبوا من استبداد حزب بهما وارتكابه باسمهما جرائم لا تغتفر، وعنى ذلك أيضًا أنهم يتطلعون للفصل كلية، بالقانون وبالممارسة، بين الدولة والحزب وفك الإدغام بين مؤسسات الدولة التي أنهكتها الولاءات والضغوط والزبونية وبين هياكل الحزب الذي تحول تدريجيًا من حزب النضال الوطني ضد الاستعمار إلى منظمة سلطوية منخرطة في قمع الحريات ونهب القطاع العام.

الاستقرار الذي تعيشه تونس في مؤسساتها السياسية السيادية وحراكها الاجتماعي، يخفي حقيقة الصراع المحتدم في البلاد

ولكن كل هذه المعاني "الثورية" السامية لا تجد ترجمتها العملية في التجربة الملموسة. هذه التجربة التي التفت على الدستور الجديد بقانون يكاد يضاهيه أهمية ومرجعية وهو قانون مكافحة الإرهاب. فلا حديث اليوم في تونس إلا عن مكافحة الإرهاب، ويتخذ هذا الحديث طابعًا كليانيًا مع إعلان حالة الطوارئ في البلاد عقب عملية سوسة الإرهابية. وبذلك تراجعت قيم الحرية والعدالة التي أرساها الدستور الجديد لفائدة قيم الأمن والاستقرار فيما يشبه المقايضة. أو ما يشبه فرض الأمر الواقع. الأمن مقابل الحرية. والأمن طبعًا يعني عودة القبضة البوليسية ومصادرة الفضاء العام.

عود على بدء

من جهة أخرى، لم تكن تعني الثورة التونسية في بدايتها شيئًا آخر غير إسقاط نظام "الكليبتوقراط" الحاكم منذ عقود. وبالتحديد إلغاء هيمنة فئة من "القطط السمان" القريبين من دوائر الحكم على مقدرات البلاد وهي فئة تشكلت مطلع تسعينيات القرن الماضي، استفادت من خصخصة القطاع العام وتمتعت بقروض خيالية من البنوك العمومية، ولم تكلف نفسها عناء إرجاع فلس واحد منها. طبعًا علاوة على تخريبها للنسيج الصناعي عبر وكالتها للشركات الأجنبية ومناولتها للمؤسسات غير المقيمة المنافسة للمنتج المحلي في سوقه المحلية.

هذه الفئة هي العمود الفقري لـ"عصابة السراق" التي تمكنت من أعلى هرم السلطة وشكلت بالتحالف مع البوليس والقضاء الفاسد والإعلام التابع ركائز النظام السياسي التونسي الذي ثارت ضده الجماهير في 2011. وتعيش اليوم تونس على وقع قانونين (قانون رسملة البنوك العمومية وقانون المصالحة الاقتصادية) ويهدفان، أربع سنوات بعد الثورة، إلى العودة بالبلاد إلى نفس المربع الأول وهو تعويض أزمة البنوك (أزمة القروض غير المستردة) عن طريق ميزانية الدولة (عبر الديون) وعلى حساب الأجراء ودافعي الضرائب التونسيين. وكذلك قانون "المصالحة" مع هذه الفئة من رجال الأعمال عبر آلية العفو الجبائي دون أي محاسبة أو مصادرة أو محاكمة.

تراجعت قيم الحرية والعدالة التي أرساها الدستور الجديد لصالح قيم الأمن والاستقرار

تتضارب هذه القوانين مع القوانين المنظمة لـ"هيئة الحقيقة والكرامة" وهي الهيئة الدستورية المكلفة بتفعيل ومرافقة وتطبيق منظومة العدالة الانتقالية بمعاييرها الدولية المتعارف عليها. ولكن يبدو أن السيف قد سبق العذل. لأن هيئة العدالة الانتقالية مثل هيئة القضاء وهيئة الانتخابات وهيئة الإعلام هي "مؤسسات" "توافقية" قانونًا وتركيبة وفعالية تنفيذية على الأرض. هي هيئات مكلفة بحماية وإدارة "المجال" السياسي كما أفرزته "المرحلة الانتقالية". يمكن أن نسميها أدوات تكريس عودة "هيبة" النظام كما "يتوافق" عليها موازين القوى الحالي.  أي أنها مجرد أدوات مفاوضة سلطوية لا تملك من شرعيتها سوى ما يشرعه التحالف الحكومي الندائي النهضوي (نداء تونس وحركة النهضة).

يمثل قانون الإرهاب الأرضية "الدستورية" الحقيقية للقوانين المؤسسة للفعل السياسي في البلاد. ويمثل "التوافق" بين شركاء العملية الانتقالية القاعدة الإيديولوجية المبررة والمفسرة لكل التسويات المنعقدة بين القديم والجديد. وتمثل قوانين المصالحة ورسملة البنوك أولى قطرات كأس الغضب الذي يجهز من جديد.  

في هذا السياق، يجب أن نتذكر دائمًا أن أهم نقد يوجه للـ"جمهوريات" العربية أنها أنظمة إرثية (patrimonial) في الجوهر "مؤسساتية" في الشكل. أمرها شبيه بمقولة نزار قباني "لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية". هناك دستور "ديمقراطي" وبرلمان "منتخب" وقضاء "مستقل". وهناك إعلام "تعددي" وهيئات "تعديلية" وانتخابات "حرة ونزيهة". ولكنها جميعها "مؤسسات" شكلية ليس لها من اسمها أي نصيب. 

لا تقوم الدولة على القانون والمؤسسات ولكنها تقوم على تحالف العائلات "الكليبتوقراط" والبوليس. ما نعيشه اليوم في "الجمهورية الثانية"، هو تواصل لنفس غنائمية النظام ولكن بمساحيق أكثر. دستور جديد وقوانين جديدة وأحزاب جديدة. ولكن النهب والقمع القديم متواصل. قانون المصالحة ورسملة البنوك وقانون الإرهاب 3 قوانين تثبت أننا قادرون في 2015 على ممارسة الإقطاع السياسي باسم الديمقراطية. وممارسة السرقة العلنية المنظمة باسم المصالحة.