الأسرى الفلسطينيون وكَسْر وهْم المراقبة الدائمة

الأسرى الفلسطينيون وكَسْر وهْم المراقبة الدائمة

في القدس، ملعقة ترمز لفرار الأسرى الستة من سجن جلبوع (Getty)

إنّ نجاح ستة من الأسرى الفلسطينيين في عملية الهروب من سجن جلبوع الإسرائيلي في تاريخ السادس من أيلول/سبتمبر من العام الحالي هي عملية لها نظيراتها في التاريخ الفلسطيني، فتجربة الحركة الفلسطينية الأسيرة في سعيها للخلاص من السجن هي تجربة غنية بعمليات هروب مشابهة تتباين مآلاتها بين النجاح والفشل.

يزعزع كل هرب أركان سلطة المراقبة الإسرائيلية، ليثبت لها عجزها وفشلها في مسعاها نحو خلق الإنسان الفلسطيني الانضباطي

وبغضّ النظر عن مآلات وتداعيات عمليات الهروب من السجون الإسرائيلية التي حدثت وما زالت تحدث عبر تاريخ النضال الفلسطيني الطويل، فاللافت في هذه العمليات جميعها هو ردة الفعل الإسرائيلية عليها، وهي ردة فعل تأتي في أشدّ حالاتها عنفًا وشراسة، حيثُ يتمّ فيها فرض سياسات عقاب جماعية على الأسرى داخل السجون الإسرائيلية، وذلك مثل ما حدث في حالة الهروب الأخيرة –من سجن جلبوع- من قيام إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية بممارسات قمعية هدفها التنكيل بالأسرى الفلسطينيين، حيثُ جاء ردّ الأسرى على هذه الممارسات بخطوات احتجاجية تصعيدية شملت التمرّد ورفض الانصياع لأوامر السجانين وحرق الغرف التي يتمّ احتجازهم فيها.

اقرأ/ي أيضًا: سجن جلبوع وجدوى المقاومة المستمرة

وإنّ ردة الفعل الإسرائيلية العنيفة سواء على عملية الهروب هذه أو غيرها من العمليات السابقة يأتي بما يشي عن حجم وتأثير الهزة التي تُحدثها مثل هذه العمليات في المنظومة الأمنية الإسرائيلية المتحكّمة والمشرفة على السجون، حيثُ إنّ تلك الهزة تأتي لتضرب تلك المنظومة في ناحية قوتها الضبطية، وهو الأمر الذي يدفع بها نحو تصعيد ممارساتها القمعية في محاولة لاستعادة تلك القوة.

وضمن السياق السابق، يُمكن القول بأنّ هذه القوة الضبطية في السجون الإسرائيلية هي القوة التي تحدّث عنها الأسير وليد دقة في كتابه "صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب"، حيثُ أورد دقة بأنّه يُمكن فهم ودراسة هذه القوة من خلال الاعتماد على النموذج النظري الذي قدمه الفيلسوف ميشيل فوكو بخصوص السجون والذي يُعرف بالمشتمَل (Panopticon).

والمشتمَل كما أورد فوكو في كتابه "المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن"، هي صفة لهندسة السجن المأخوذة عن المرتسم الذي اقترحه وصممه الفيلسوف وعالم الاجتماع جيرمي بنثام في عام 1785، وهو عبارة عن مبنى دائري الشكل، وفي الوسط برج مراقبة تنتشر الزنزانات حوله، وتكون مكشوفة ومرئية من قبل الحراس المراقبين في البرج، في حين لا يُمكن للمساجين رؤيتهم.

وبحسب دقة، فإنّ إسرائيل كانت حريصة على أن تكون سجونها بهذه الصورة الهندسية البنائية الشبيهة بمشتمَل بنثام، حيثُ إنّ نموذج السيطرة والمراقبة التي تهدف السلطات الإسرائيلية إلى فرضه على الأسرى الفلسطينيين لا يأتي بغرض الحفاظ على الأمن ومتطلباته وحسب، بل يأتي كذلك من أجل إعادة برمجتهم عبر فرض السيطرة الكاملة عليهم وعلى تفاصيل حياتهم، وعبر خلق وترسيخ وهم المراقبة الدائمة في عقولهم وأذهانهم.

السجون الإسرائيلية تأتي في تصميمها البنائي وآليات المراقبة المتبّعة داخلها لتُشبه إلى حدّ كبير المعازل الفلسطينية الموجودة خارجها

فهدف هذه الصورة الهندسية وتكنولوجيا وآليات المراقبة والفحص المستمرّة المستخدمة ضمنها -بحسب دقة- هو خلق حالة من الإيهام لدى الأسرى الفلسطينيين بأنّ هناك حالة واعية ومتواصلة من الرؤية الدائمة لهم ومراقبتهم، وهو ما من شأنه أن يكون بديلًا عن وظيفة سلطة المراقبة الأوتوماتيكية، بحيث يتحوّل الأسرى إلى حاملين لهذه السلطة ويُمارسونها على أنفسهم، وتظهر فاعليتها وتأثيرها في سلوكهم الفعلي الانضباطي حتى لو كانت هي على الحقيقة سُلطة متقطعة وغير دائمة في عملها الفعلي.

اقرأ/ي أيضًا: النفق الأكثر تحصينًا

إنّ هدف هذه الصورة الهندسية وآليات المراقبة المستخدمة ضمنها هو تطويع وضبط الإنسان الفلسطيني بحيث يتخوّل إلى إنسان انضباطي يلتزم بالأوامر ويطيع النظام، ويُبعد عن رأسه كلّ أفكار تمردية قد تدفع به إلى التفكير بالخلاص من سجنه ومحاولة الهروب منه، فهذا الجهاز الهندسي في السجون الإسرائيلية وكأنّه يأتي ليهمس في أذن الأسير الفلسطيني في كلّ وقتٍ وحين بأنّك موضوع مراقبة دائمة، وحتى لو تكن الآن ولحظيًا تحت المراقبة، فإنّك قد تُصبح بعد لحظة الآن الحالية موضوعًا تحتها.

وضمن السياق القول، يُمكن القول بأنّه في كلّ مرّة يقوم بها أسير فلسطيني أو مجموعة من الأسرى بمحاولة هروب جديدة من السجون الإسرائيلية وتحدي أنظمة المراقبة المتّبعة فيها، فإنّ سلوكهم التمرّدي هذا يأتي كهزة لمنظومة الأمن الإسرائيلية، ليس فقط لأنّه يأتي ليزعزع أركان هذه المنظومة وآليات المراقبة والمعاقبة المتّبعة ضمنها، بل لأنّه يأتي –كذلك- ليثبت لها عجزها وفشلها في مسعاها نحو خلق الإنسان الفلسطيني الانضباطي عبر تحويله من موضعه كإنسان تُمارَس عليها السلطة إلى إنسان حامل لها، يستمع إلى إيحاءاتها بمراقبتها الدائمة له في كلّ وقتٍ وحين فلا يُفكّر في اللجوء إلى أيّ سلوك متمرّد أو منفلت.

أخيرًا، إنّ السجون الإسرائيلية تأتي في تصميمها البنائي وآليات المراقبة المتبّعة داخلها لتُشبه إلى حدّ كبير المعازل الفلسطينية الموجودة خارجها، وسواء في السجون الصغيرة أو في المعازل التي يُمكن وصفها بالسجون الكبيرة، فإنّ الإنسان الفلسطيني يأتي بسلوكيات تُثبت دائمًا لمنظومات المراقبة الأمنية الإسرائيلية فشلها في ضبطه وتطويعه، وسواء تعلّق الأمر الانتفاضات أو  الهبات أو عمليات الهروب من السجون وغيرها من الممارسات النضالية، فإنّ الإنسان الفلسطيني يأتي لينبئ تلك المنظومات بأنّه إنسان الانفلات الدائم البعيد عن كلّ  ضبط وانضباط.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إنهاء ملف الأسرى ضرورة وطنية

إعلام (الأسرى) الذين لا إعلام لهم