إعلام (الأسرى) الذين لا إعلام لهم

إعلام (الأسرى) الذين لا إعلام لهم

يعامل الأسرى معاملة لا إنسانية (أوريل سيناتي/Getty)

في فلسطين صنفٌ فريد من الإعلام، هو "إعلام الأسرى" إن صحت التسمية. كيف لا، ومن النادر أن تجد عائلة فلسطينية لم يعتقل أحد أفرادها، إذ تشير أحدث الإحصائيات إلى أن 40% من الفلسطينيين الذكور خاضوا تجربة الاعتقال أو التوقيف في مرحلة ما من حياتهم ولفترات متفاوتة.

ونظرًا لأن السجون الإسرائيلية لم تخلُ يومًا من الفلسطينيين المعتقلين منذ عام 1967، وبعد أن باتت قضية الأسرى إحدى أبرز الملفات الفلسطينية، تمامًا كملفي القدس واللاجئين، صار لدى الإعلام الفلسطيني توجها بتخصيص أجزاء من دوراته البرامجية للأسرى وشؤونهم، بل وبرز بعض الإعلاميين الفلسطينيين على الساحة الإعلامية المحلية بعد تخصصهم بذلك المجال.

لا يقتصر الحديث هنا عن برامج حوارية أو نشرات إخبارية تعنى بالأسرى وقضاياهم فحسب، بل امتد دور الإعلام ليشكل وسيلة اتصال بديلة بين الأسرى وذويهم، فالهواتف النقالة ممنوعة في السجون الإسرائيلية، في حين تسمح سلطات السجون بعدد من الفضائيات وهي فلسطين الرسمية، وأبو ظبي، ودبي الرياضية، وMBC وMBC2 بالإضافة إلى ثلاث فضائيات إسرائيلية، في حين تم حجب قنوات الجزيرة والعربية وBBC في وقت سابق، وتلتقط أجهزة المذياع الخاصة بالأسرى ما تيسر من الإذاعات الفلسطينية والإسرائيلية، والتي تختلف من سجن لآخر تبعًا لموقعه الجغرافي.

لقد تميزت بعض الإذاعات الفلسطينية المحلية ببرامج الرسائل الصوتية، والتي أخذ قالبها بالانتشار. على سبيل التبسيط، الأمر أشبه ببرامج الإهداءات الإذاعية المسائية المعروفة عربيًا، إذ توفر هذه البرامج الأسبوعية متنفسا لذوي الأسرى لمخاطبة أبنائهم داخل السجون، وذلك من خلال تلقي مكالمات هاتفية من أحد المواطنين، ليبدأ على الفور بمخاطبة أحد أقربائه داخل السجون، وكله أمل بأنه يستمع له.

اقرأ/ي أيضا: يوميات لاجئ.. تبًا للخيال

تسمح سلطات الاحتلال بعدد من الفضائيات هي فلسطين الرسمية، أبو ظبي، دبي الرياضية، MBC وMBC2 بالإضافة إلى ثلاث فضائيات إسرائيلية

تُقبل الأمهات بشكل منقطع النظير على تلك البرامج، وغالبًا ما تختلط رسالتها بالدموع والبكاء. "كيفك يمّا؟ شو أخبارك؟ بتمنى إنك تكون بخير. أنا وأبوك وإخوتك كلنا بخير.."، تلك باتت إحدى "الكليشيهات" المتوقعة تلقائيًا كلما بدأت والدة أسير ما بالحديث على الهواء.

رسائل عبر الأثير

الإعلامي محمود مطر، والذي يقدم برنامج "أشواق الحرية" الأسبوعي عبر إذاعة القرآن من مدينة نابلس بالضفة الغربية، يقول: "كنت أحرص في كل مقابلة أجريها مع عائلة أسير أن أطلب منها توجيه رسالة لابنهم داخل السجن والذي يسمعهم عبر الأثير".

ويرى مطر أن "قضية الأسرى مغيبة ولا تحظى بالاهتمام الإعلامي الكافي نوعا ما"، وهو ما دفعه لتقديم هذا النوع من البرامج. ويضيف: "يعد بث إذاعة القرآن الكريم من أقوى الإذاعات الفلسطينية المحلية، إذ تغطي إشارتها معظم أرجاء البلاد من الشمال إلى الجنوب، وبهذا تصل غالبية السجون الإسرائيلية".

بالنسبة لسجون الشمال ثمة اتفاق بين فضائية القدس وإذاعة الفجر اللبنانية على بث برنامجها صوتيًا

أما بالنسبة لمراسل فضائية القدس مصعب الخطيب، فالمسألة أكثر تعقيدًا، إذ يعد الخطيب بعض الفقرات لبرنامج "نسيم الأحرار" الأسبوعي والذي يهتم بقضايا الأسرى، وتقدمه الإعلامية أحلام التميمي من العاصمة اللبنانية بيروت. ولأن فضائية القدس غير مسموحٍ بها داخل السجون الإسرائيلية، بحثت القناة عن حلول بديلة. ويشير الخطيب أن فضائيته عقدت اتفاقًا مع قناة تلفزيونية محلية تبث من قطاع غزة تدعى "مرئية الأقصى"، مفاده أن يتم التقاط بث فضائية القدس تزامنًا مع عرض البرنامج، ليتمكن الأسرى من مشاهدته من خلال التقاط إشارة القناة المحلية، ومن دون حاجة لجهاز استقبال القنوات الفضائية.

اقرأ/ي أيضا: عيدنا يوم حريتنا

ويشير الخطيب إلى أن تلك الطريقة تعمل فقط في سجون الجنوب، القريبة من قطاع غزة، كسجون "ريمون" و"إيشل" و"نفحة"، والتي يصلها بث "مرئية الأقصى" المحلية. ويتابع: "أما بالنسبة لسجون الشمال، فهناك اتفاق مع إذاعة الفجر اللبنانية على بث برنامجنا صوتيًا، وبذلك يصل إلى عدد من سجون الشمال، القريبة نسبيًا من الأراضي اللبنانية".

"من ناحية التفاعل فالمسألة متطورة، فالأسرى ليسوا جمهورًا متلقيًا فحسب!" يضيف الخطيب، مؤكدًا أن الأسرى ينجحون بإيصال رسائل لفضائيته بين الحين والآخر، إذ يطلب أحدهم إعداد تقرير متلفز من منزله، وآخر يريد رؤية أفراد عائلته. وربما تعد فقرة "إفطار من بيت أسير" إحدى أحدث القوالب التي أعدها الخطيب خلال شهر رمضان المنصرم، إذ كان يصور فيها أجواء رمضان وتجهيزات الإفطار من منزل أسير ما، وتتضمن مخاطبة مباشرة من أفراد العائلة موجهة لابنهم الأسير، وكلهم أملٌ أنه يشاهدهم.

وجهة نظر أكاديمية

ربما يعد غير مألوفٍ في عالم الإعلام أن تستخدم وسائل الاتصال الجماهيري (Mass Communication Outlets) لإيصال رسائل أقرب ما تكون إلى الـ "شخصية"، لتعذر الاتصال الوجاهي (Interpersonal Communication). لكن يبدو أن "الحاجة أم الاختراع" كما يقال. أكاديميًا، يقول المحاضر في كلية الإعلام بجامعة النجاح الوطنية في فلسطين فريد أبو ضهير إن في هذا الدور الذي يلعبه الإعلام الفلسطيني المحلي  يتفق تمامًا مع رسالة الإعلام وهو الخدمة الاجتماعية والاقتراب من هموم الناس ومشاكلهم، والتعاطي مع مشاعرهم وأحلامهم. برأيه، هذا "يمثل تعويضًا للاتصال المباشر المتعذر، وأرى أنه خدمة كبيرة للمجتمع الفلسطيني". طبعًا كل هذا نتيجة للسياسات الإسرائيلية "القاسية" والتي تعيق لقاء الأسير بذويه بسهولة، ومنع الكثيرين من الزيارات بشكل كامل تحت ذرائع أمنية. هذا مع الإشارة دائمًا، إلى أن كل ما تقوم به سلطات الإحتلال، غير شرعي من الأساس.

إقرأ/ي أيضًا:
من الليمون والتفاح إلى البارود والقنابل
القدس.. عاصمة المولوتوف العربي