الأخلاق والتنمر المجتمعي

الأخلاق والتنمر المجتمعي

مقطع من كاريكاتير لـ لوك ديشيمايكر/ بلجيكا

استوقفني اليوم خبر نشر دار الإفتاء المصرية تغريدة عبر صفحتها الرسمية تحرم المنتجات المختلفة ذات التعابير الجنسية والإيحاءات الساقطة، على حد قولهم، تعقيبًا على قصة حفل عيد الميلاد الذي نظمته سيدات في أحد الأندية المصرية وتناولهن قطع حلوى على شكل أعضاء تناسلية، في ظل غياب الفتاوى أو التغريدات التي تتطرق لحرب السعودية في اليمن، وقتل المسلم لأخيه المسلم في العديد من الدول التي يعاني فيها الناس من الفقر المدقع والظروف السيئة، كما لم نر أي تطرق لما يحدث في سوريا وتونس وليبيا والعراق مثلًا.

منظومتنا الأخلاقية يا سادة تحتاج لإعادة صياغة، نعيد النظر في الطريقة التي ننظر فيها للنساء والأطفال وأسس التربية، للخصوصية وحرية الآخر

على صعيد آخر لو اكتفينا بالتركيز على مصر وحصرنا دور دار الإفتاء في تلك المنطقة -رغم أنني لا أتفق كون دورها إسلاميًا بالدرجة الأولى ويعنى بكل المسلمين في كل مكان- فلم نر لها أي تعقيب على التسيب والإهمال الذي أدى لوفاة مرضى الكورونا بمشفى الحسينية، واكتفت بـ"رجاء من كل مصري الالتزام بالإجراءات الاحترازية، البس الكمامة".

اقرأ/ي أيضًا: ارحموا الناس من التنمر يرحمكم من في السماء!

من جهة أخرى، أدهشني تحول خبر يعد تافهًا، وفق وجهة نظري، إلى ترند حاله حال ممثل ينشر قيم العنف وثقافة الانتقام في أعماله كمحمد رمضان. بينما لم يسترع خبر إغلاق مصنع الحديد والصلب الذي تسبب في خسارة الكثير وظائفهم وساهم أكثر في نشر الفقر أي اهتمام.

دعونا ننظر للأمر من منظور آخر، تحديدًا في قصة الحلوى تلك، واسمحوا لي بتبني وجهة نظر عمرو جزارين، رئيس نادي الجزيرة حين قال: "اللي هتكلم عنه هو الخلل الأخلاقي والتنمر المجتمعي الذي نمر به والذي أصبح ظاهرة حزينة وتحتاج وقفة قوية، أُؤكد رفضي وغضبي وكرهي وليس استنكاري فقط لكل من تلصص وتجسس ومن صور ومن نشر، ومن استباح الخصوصية وتلذذ بالإساءة لسمعة سيدات فاضلات أمهات وجدات، بطلات في عصرهم احتفلوا على طرابيزة تخصهم. أعلن غضبي الشديد من كل من نشر على وسائل التواصل الاجتماعي أو ساعد في نشر هذه الواقعة، سواء بحسن نية أو بنية الشماتة وتشويه سمعة هؤلاء العضوات الفاضلات، التي لا تقلل هذه الواقعة إطلاقًا من قيمتهم. أطالب المجتمع عامة وأعضاء النادي خاصة بنبذ هذه القلة المريضة الفاشلة التي تبني سعادتها في الحياة وتتغذى نفسيتها المريضة على التشهير بالآخرين، كما أطالب بتطبيق القانون بأقصى درجاته عليهم بتهمة التشهير والتجريح على صفحات التواصل. أمرتنا جميع الأديان بالستر وبغض البصر وبرفض الفرقة، كما تأمرنا أن نترك الخلق للخالق، خاصة أن الحادثة لا تمثل خطرًا من أي نوع على حياة الأعضاء لا قدر الله. سوف تكون هناك قوانين صارمة بخصوص تعدي الخصوصية وتصوير الآخرين بدون علمهم، كما سيتم تتبع من قام بنشر أول صور على أي من جروپات النادي واتخاذ الإجراء اللازم معه، نشر صور فيها وجوه السيدات بدون أخذ إذنهم جريمة لو أنه تم نشر صور الحلوى فقط والاستياء منها كنت تفهمت ولكن ما حدث جريمة أخلاقية بكل المقاييس".

هؤلاء النساء لم يقمن بقتل الأطفال في سوريا أو اليمن، لم يسرقن مال الفقراء، لم يتحرشن بالنساء في الطرقات أو يقمن بابتزاز الناس، الغريب أنهن لم يُطبعن مع اسرائيل أيضًا، لكن ردة الفعل التي لاحقتهن كانت أكثر بكثير مما لحق بمن فعلوا هذه الأفعال التي سبق واوردتها. وفق وجهة نظري، أولًا أرى أننا جميعًا ندين لهم بالاعتذار لأننا تعدينا على خصوصيتهن وقمنا بالتشهير بهن، وللتذكير روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يستر عبد عبدًا في الدّنيا إلّا ستره الله يوم القيامة".

لنتذكر أن هناك قضايا مهمة يجب التطرق لها، وأن نشر الترندات التافهة هدفه تسطيح المجتمع وشغله عن جرائم الفساد في حق شعوبنا العربية واغتيالها

ثانيًا كما أسلفت هن لم يقتلن النفس التي حرم الله، لم يأتينَ أحد الكبائر، تصرفهن لا يعود إلا عليهن، ولهن رب يحاسبهن أما الاخوة الذين يرددون: اعتداء على منظومة مجتمعنا، فأقول لهم فلتذهب منظومتكم إلى الجحيم فهي تلك المنظومة التي تسببت في موت الأبرياء وقتل النساء ونشر الفقر والفساد وهجرة الشباب.

أما من يدعون أن تلك مشاهد خارجة – قطع حلوى عليها أعضاء جنسية أصلًا غير واضحة وليست بورنو إلخ.. - ولا يجب أن يراها الأطفال، ترى أيهم أفضل أن تعلم أطفالك ألا يشعروا بالخزي من جسدهم الذي يرافقهم على طول الحياة ويروه شيئًا عاديًا؟ أم أن يروا مشاهد الموت في التلفاز والفقر الذي يجعل الأب يقتل الأم أمامهم أو الفساد والمرض يطيح بعوائلهم؟

اقرأ/ي أيضًا: حين تتردى الأخلاق بتردي السلطة

منظومتنا الأخلاقية يا سادة تحتاج لإعادة صياغة، نعيد النظر في الطريقة التي ننظر فيها للنساء والأطفال وأسس التربية، للخصوصية وحرية الآخر، والأهم التلبس بدور الإله والجلوس أمام شاشة الموبايل والتنمر على الآخرين ومحاكمتهم وكأننا آلهة، سأنهي حديثي هذا بسورة البقرة: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون" (30).

كان لله الخيار أن يختار الملائكة التي لا تخطئ، لكنه رغم معرفته المسبقة بأننا خطاؤون اختارنا، تقبلوا أنفسكم وافهموا استحالة الكمال.

ولنتذكر أيضًا أنه هناك قضايا مهمة يجب التطرق لها، وأن نشر الترندات التافهة هدفه تسطيح المجتمع وشغله عن جرائم الفساد في حق شعوبنا العربية واغتيالها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأخلاق كموقف سياسي، وليس العكس

الإنسان بين الحرية والتكليف: محاولة الاكتمال