حين تتردى الأخلاق بتردي السلطة

حين تتردى الأخلاق بتردي السلطة

ثمة ارتباطٌ وثيق بين نوع القيم والأعراف التي تُشاع في مجتمعٍ ما وبين تلك التي تتبناها السلطة (العربي الجديد)

ثمة ارتباطٌ وثيق بين نوع القيم والأعراف التي تُشاع في مجتمعٍ ما، وبين تلك التي تتبناها السلطة. يختلف المثقفون والمفكرون والناس عمومًا، فيما إذا كان النظام يستمد أخلاقه من المجتمع، أم أن المجتمع يُقلِّد أخلاق النظام، وقد يفصل بعضهم بين الاثنين؛ لكن لناحية تأثر أخلاق الطرفين أحدهما بالآخر، فهو ليس اكتشافًا نكتشفه الآن. يُنسب للحكيم الصيني كونفوشيوس (خمسة قرون قبل الميلاد)، أنه قال: "أخلاق الناس تتبع سلوك الحاكم".

ساهم نظام صدام حسين بالعراق في تردي أخلاق الناس، تارةً بالاستبداد والقمع، وأخرى بالحروب والحصار والعوز المادي

ليس مهمًا بالنسبة لنا إن كان المسؤولون في النظام يدّعون تلك الأخلاق، أو أنها في ضميرهم بالحقيقة. فلا نستطيع الجزم بأن الرئيس الأمريكي صادق فيما يقوله، أو أن سلوكه الديمقراطي نابعٌ من قناعة ذاتية. المهم في هذا السياق هو ما يُخرجه من سلوك وإن كان تمثيلًا أو ادعاء.

اقرأ/ي أيضًا: الأخلاق كموقف سياسي.. وليس العكس

كما أننا لا نستطيع معرفة مدى صدق رئيس العراق الأسبق صدام حسين حين وجّه وزير الإعلام آنذاك، بعدم شتم المرشد الإيراني السابق روح الله الخميني بعد موته، بدعوى أنها ليست من شيم العرب؛ لكنها بالتأكيد، تختلف عن موجة الشتم والشماتة التي استعرت في الإعلام المصري بعد موت رئيس مصر الأسبق محمد مرسي.

لقد ساهم النظام السابق في العراق بتردي أخلاق الناس، تارةً عبر الاستبداد والقمع والقسوة في التعامل مع المواطنين، وتارةً بالحروب والحصار والعوز المادي الذي أصاب العراقيين في تسعينات القرن الماضي.

وعلى الجانب الآخر من البعث، في سوريا، إبان حكم حافظ الأسد، لم يكن الحال مختلفًا كثيرًا عمّا هو عليه في الشق العراقي، إلا أن الخصومة الحادة بين الطرفين لم تصل حد التحشيد الإعلامي والتربوي والفني فضلًا عن السياسي، والشتائم والتحريض والخوض في الأعراض، كما شهدنا في الأزمة الخليجية. إننا لم نسمع ـ حتى في قمة الخطاب الدوغمائي الذي كان يستخدمه نظام صدام في حربه مع إيرانـ  تلك العبارات والمصطلحات التي تستخدمها وسائل إعلام خليجية وعربية ضد دول خليجية وعربية أخرى.

في الوقت الحالي، يلحظ المُتابِع الغريب، أو من يستطيع النظر من الخارج، سلوكًا مشوهًا من الأنظمة العربية المختلفة، ومن في جعبة هذا النظام من محللين ووسائل إعلام ومنتجي الأعمال الفنية والشعراء وكل من هم في جوقة النظام، قناعةً أو بحثًا عن مقابل مادي ومعنوي.

إن باقة من أبشع الألفاظ المُمكنة تستطيع سماعها وقراءتها في الإعلام والتصريحات والخطابات والتغريدات، حالما تصادمت دولتان في مصالحهما، أو صرّح أحدهما بما لا يُرضي الآخر، أو دخلا في حالة من التوتر السياسي.

رأينا ذلك في التوتر بين مصر والسودان، ومشكلات السعودية وتركيا، وقضايا لبنان وسوريا، وتعدى ذلك إلى داخل الدولة الواحدة، كما في العراق وليبيا ومصر. كان خطابًا بشعًا ذاك الذي ساد بعض وسائل الإعلام في العراق أثناء احتلال تنظيم الدولة (داعش) للأراضي العراقية، مُشبّعًا بالتحريض الطائفي والإهانات والاعتداء اللفظي على مكونات بعينها من جميع الأطراف.

وفي السعودية، كان الخطابُ الإعلامي مُفزعًا بعد قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي. ولا أعلم إن كان المسؤولون عن مقتل خاشقجي بهذه الطريقة يُمكنهم إنتاج إعلاميين ومحللين راشدين! تبدو الصورة واضحة إذًا.

اتسعت الظاهرة على نحو غير معقول، وبات من الطبيعي أن يستلم المحلل والإعلامي الجالس في القنوات التلفزيونية إشارة الدخول في معركة كلامية مع جهة ما في الساعة التي تبرز فيها مشكلة بين رعاته وهذه الجهة؛ تلك المعركة الملغومة بالاتهامات والتلفيقات والتحريفات الخالية من أدنى مفاهيم "شرف الخصومة"، ثم سرعان ما تتغير البوصلة بتغيّر الإشارة، لينقلب عدو الأمس لصديق اليوم، وهكذا دواليك، ما يخلق حالة من النفاق لا يُمكن أن تنطلي على المتابع البسيط، دون أن تؤثر في ثباته على مواقفه هو.

كان وما زال من الطبيعي في وطننا العربي، أن تُسخّر الدولة وسائلَ إعلامٍ تُبذخ عليها ملايين الدولارات من ثروات الشعب لتمجيد الزعيم ونظامه، لكن الجديد اليوم هو "الافتخار بالعار". إنها ظاهرة جديدة. فمن السهل تفسير سلوك الأنظمة وجوقتها ضد من يشعر النظام بخطرِهم عليه، جماعات أو شعوب أو دول، إلا أن الهجوم على من لا يُشكّل "مجرد وجوده" خطرًا على النظام يَعد حالة جديدة من الهستيريا والغطرسة التي تغلب على أنظمتِنا المستبدة.

خُذ قضية فلسطين على سبيل المثال، لم يعد "عدم الشعور بالعار" مقتصرًا على مجرد التخلي عن القضية الفلسطينية والأرض المغتصبة والشعب المُهجّر قسرًا، وإنما انسحب على التطبيع العلني مع الكيان الصهيوني، وتوجيه الاتهامات للشعب الفلسطيني وفصائله المُقاومِة، بل وصل الحال بأحد الإعلاميين، إن صح وصفه بالإعلامي، أن يُطالب باستبدال كُلفة الصواريخ المُنطلقة من غزة نحو الأراضي المغتصبة بطعامٍ للفلسطينيين. فيما يُحشّد آخر (لا أجد وصفًا وظيفيًا له) كل طاقته لشتم الشعب الفلسطيني، بل والشعوب العربية التي تعاني من مشكلات اقتصادية وسياسية. إنهم أشبه بالمرتزقة، لكنهم يمثلون الأنظمة التي تدعمهم بكل تأكيد.

الخطاب الآن ليس للتطبيع فحسب، ولا ترك الشعب الفلسطيني الجائع جرّاء الحصار فحسب، ولا ترك المقاومة دون دعم فحسب، بل الدعوة لإلقاء السلاح وتسليم الأرض للصهاينة مقابل كسرة خبز!

إن حالةً من الانحطاط الأخلاقي والخطاب المشين يصدر من الأنظمة، والتي كل ما انفصلت عن واقعها الاجتماعي وهموم الناس، وفشلت في التحديث والنهضة، كل ما ازداد خطابها المُسِف، تاركة مَهمة التبرير والتحليل والتطبيل لمن تدفع لهم مقابل هذه المهمة.

ولأن الأنظمة الفاشلة التي لا يشغلها مشروع وطني أو قومي، ولا برنامج تنموي اقتصادي، ولا تحديث ديمقراطي، لن تترك لمن أخذوا على عاتقهم تلميع صورة هذا النظام أي سبب أو حُجة أو حتى أيديولوجية لإقناع الناس، فإن المشهد النشاز المُفعم بالكوميديا السوداء، يتسيد فضائنا العمومي، والإعلامي خصوصًا. ويظهر المهرجون وكأنهم واثقون من أنفسهم، وما أضعفهم وأضعف مواقفهم، هؤلاء المساكين.

يُسلَخ جلد الحيوان، ثم يتحول إلى منتج مفيد للإنسان، وتسمى هذه العملية "الدباغة"، وقد دُبّغت جلود المقصودين في هذا السياق على الإذلال، لكنها لم تتحول لمنتج مفيد بالنسبة لوطننا العربي، بل جاءت بنتيجة عكسية: أصبحوا ينتفضون ضد من يُذكّرهم بسوء حالهم وبؤس مواقفهم اللا أخلاقية، وغير الوطنية بالتأكيد.

وعلى المستوى المحلي العراقي، نشأت حالة من الأمراض المستعصية التي من المؤمل أن نجد وصفًا لها في الطب النفسي الحديث، لدى بعض المثقفين والإعلاميين، إذ ترى أحدهم مفاخرًا بانتمائه لدولة خارجية، ومنتقدًا غير الوطنيين بنفس الوقت. متباهيًا بتبعيته لشخصية حكومية فاسدة أو طائفية، وممتعضًا في ذات الوقت من الفساد والطائفية.

يُمكننا القول إن الحالة القومية التي كانت في الدول العربية عشية الصعود القومي، كانت تُضفي على الأنظمة مسحة أخلاقية وإن لم تكن تحملها في ضميرها كما قُلنا في حالة الرئيس الأميركي. إذ تكون القضية التي يحملها النظام وطنية وأخلاقية وتحررية ثورية، بالإضافة لكونها ثقيلة إلى الحد الذي لا يسمح لحاملها أن يسلك سلوك المهرجين.

وفي ذات السياق، كانت الشعوب العربية تتطلع للتحرر وتأكيد الذات القومية، وقد ارتبط الشعور الوطني بالرغبة في تحرير فلسطين، وأنتج كل ذلك بالترافق مع قضية الأنظمة، خطابًا عامًا مُلتزِمًا انعكس على الواقع الثقافي ووسائل الإعلام والفنون بأنواعها.

إنّ حالة الانحطاط التي تشهدها الأنظمة العربية، مع غياب المشاريع التحررية والتنموية والديمقراطية، تستدعي تحشيد الناس حول النظام عبر أكثر الطرق خسةً، وأبرزها: حالة التهريج على الشاشات واللعن والسب والشماتة بالدول والشعوب والموتى، والاستهزاء بالقضايا المركزية للأمة العربية، ناهيك عن التحشيد الطائفي وبث خطاب الكراهية القاتل داخل المجتمعات العربية.

حالةٌ انحطاط أخلاقي وخطاب مشين يصدر من الأنظمة التي انفصلت عن الواقع وهموم الناس وفشلت في التحديث والنهضة

تفترض النهضة قيمًا جديدة أو مستحدثة على كل الأصعدة، فما هو مرتبط بالتحديث الديني مرتبط بالسياسي، والأخلاقي القيمي، وكان بوسع من يتحدثون عن حقبة جديدة مختلفة عن السابقة، أن يُقدِموا نموذجًا مثاليًا للأجيال الحالية؛ لكن ما يحصل على أرض الواقع، هو انحلال القيم القديمة الأًصيلة، التي من المفترض أن تكون منطلقًا لتشذيب أخطاء الماضي، فأي نهضة وتحديث يأمل الناس؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

"رولكس" الاشتراكية العلمية

العقد الاجتماعي.. نظرة تاريخية في آراء 3 فلاسفة